| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 29/12/ 2012

 

قراءة في ديوان " جذور الفجر" للشاعر عبد الإله الياسري
اطلالة على الكلمة الحرة في زمن جمهورية الخوف

د. فاخر جاسم

عندما كنا شباباً، كان صديقنا الشاعر الياسري، يسمعنا قصائده، التي تفوح منها رائحة شاعر واعد ، يحلم بعالم جميل يخلو من كل موبقات الحياة. وعندما اطلعت على ديوانه الاخير، جذور الفجر، وجدت نفسي اتجول بازقة الكوفة، ومقاهي النجف التي كانت تجمعنا في الاماسي. وأعود إلى عنفوان الشباب وطموحاته الثورية التي كنا نحلم بها، حيث لم نكن نحلم بالمال ولا بالجاه ولا بالمركز، وانما كنا نحلم بالتغيير الاجتماعي من أجل العدالة والمساواة الاجتماعية، وقد دفع كل منا ثمنه. عندما قرأت القصائد، تفاجأت بتلك الروح الثورية التي كان يحلم بها جيلنا وذلك الوعي الوطني الذي لا يتناسب مع سن الشاعر الياسري المولود 1950حيث كان في عمر العشرين أو دونه آنذاك.ورغم أني كنت مطلعاً على كثير من قصائد الشاعر في تلك الفترة، حيث كان غزير الانتاج متنوع الأغراض بين الشعر الوطني ــ السياسي، والشعر الغزلي ، إلا أن القصائد التي يضمها ديوان، جذور الفجر، تمثل القليل القليل جدا من القصائد التي كان يتحفنا بها، في أمسياتنا الثقافية. ويبدو ان اضطراب الحياة السياسية وظروف العمل ومحاولات التخلص من ظروف الارهاب، خاصة بالنسبة لمن كان يعمل في التعليم، هي التي ادت إلى ان يفقد الشاعر الياسري كثيراً من القصائد المميزة لتلك الفترة المؤلمة.

تنقسم القصائد التي يضمها، الديوان، إلى أربعة أقسام:
1ـ فاتحة الفجر،
2ـ غربة اللؤلؤ
3ـ البغداديات،
4ـ مع النصف الآحر.

وموضوعات الأقسام الأربعة، تدور حول فكرة واحدة: غربة المواطن/ الشاعر في وطنه سياسياً واجتماعيا، وثقافياً.

في فاتحة الفجر يظهر التعبير، صريحاً متحدياً العائق السلطوي، بعدما تم الاختيار الفكري لدى الشاعر، كما هو في قصيدة الاختيار ص 14.

"إنني أحمل قدّامَ الغيومْ
لافتات المطرِ
ومرايا الشجرِ
فأقتلوني واقفاً كالنخل في وجه الرياحْ
واقفاً إني أموتْ
"

وفي غربة اللؤلؤ، يميل التعبير إلى التلميح بدلاً من التصريح من خلال استخدام الرمز لقسوة الظروف العسكرية التي أولدت القصائد كما في قصيدة " الغيمة " ص 22

" لكنْ
هذا زمن أعمى
القحط يصير به المولى
والغيمة تصبح شحَّاذه
"

إن الرمز في غربة اللؤلؤ يموّه المعنى على الرقيب السياسي لكي يفلت الشاعر من عقوبة الأعدام في القانون العسكري آنذاك.
حيث يأتي برموز كثيرة للتمويه كالغيمة والعصفور والماء والحمامة ..الخ، وعبارات موحية كثيرة كالضفادع بدلاً من الانتهازية مثلا، والمفتاح والصخر وغيرها.

وفي البغداديات، القسم الثالث، يتحول التعبير إلى منازلة لغوية مدويّة، ضد حكومة الحزب الواحد ( البعث) امتدادا لشعر النضال الوطني الذي ظهر في مرحلة الاستعمار عند معروف الرصافي ومحمد مهدي الجواهري وغيرهما في العراق. وتبدأ هذه القصائد من قصيدة"الضياع" القصيدة التائية التي يتفجر فيها الحزن الرومانسي من خلال الصدمة التي أحدثتها مدينة بغداد لطالب أتى من بيئة النجف، فضاع فيها ومطلعها":

"ملّت من النغم المحزون ناياتي ****** وأتعبـت فرسَ الأحــــزانِ آهاتي
جفّت على شفتي الصفراء أغنيةٌ ****** خضراءُ وأنطفأت دنيا ابتساماتي
"

وتتميز هذه القصيدة من بين قصائده البغداديات بذاتية خاصة حيث تتفجر فيها عاطفة جياشة تفيض بآلام عميقة تعكس معاناة الشاعر الشخصية بصور شعرية جميلة تفرض نفسها على المتلقي ومن أبياتها المنقوشة في الذاكرة قوله :

أنـــــا المغـــرِّدُ والآلام تـأكـلنــــــي ****** والحـزنُ يمتصُّ كالأفعَى مسـرَّاتي
أناغمُ الجـرفَ والأقــدار قد سـحقت ****** مني الشراع وهدَّ الموجُ مرسـاتي
عجَّت بباخــرتي الأمــواجُ فانتحبي ****** ياروحُ قد غرقت أ غلَى بضاعاتي
ضاعت ملامحُ وجهي كيف أبصرها ***** تهشّــمت بصخـــــور الهمِّ مـرآتي

وقد كتب عن هذه القصيدة الناقد خالد جواد شبيل بحثأ بعنوان بين " تائيّتين" ليقارن بين هذه القصيدة التي كتبت عام 1969 وقصيدة للشاعر حسن المرواني بعنوان أنا وليلى التي كتبها عام 1971.
وهذه القصيدة تعبر عن الحزن كما قلت وبنفس الوقت تتمرد عليه بلغة شاعرية، تجعل من الحزن لغة ثورية، تحفز القارئ على الاستفسار عن أسبابه وليس التسليم به كواقع لا يقبل التغيير،حين يمزج الشاعر دمعته الخاصة بدمعة الشعب قائلا:

وأقتفي الشــمسَ والأشـباحُ قافلتي ****** ودمعةُ الشعب يابغــدادُ راياتي

إن الحزن الذي يلف قصيدة " الضياع ـ التائية" يتفجر عن حزن عراقي أعمق فيما بعد في قصيدة "قافلة الأحزان"، التي كتبت عنها مقالاً بعنوان :عبد الإله الياسري وقافلة احزانه، نشر في مجلة عشتار في استراليا 1996.

لقد جسد الياسري، في هذه القصيدة، عمق الحزن العراقي الدفين وتنبأ بمدى القهر والجوع الآتي من فتحات قطار الارهاب الجديد الذي قاده دعاة الإشتراكية المزيفون، وساروا به بسرعة تفوق سرعة الضوء، ليخلف في وطن مهد الحضارات والخيرات،الحزن والجوع والعذاب، وبمديات وانعكاسات لم تكن معروفة عندنا او عند الشعوب المعاصرة، ولاحتى في التاريخ المتداول،عملية هدم وخراب لم يسلم منها الزرع والضرع، وصلت نهايتها إلى محطة دمار استوعب خرائبها الثروات والبشر. وهذه بعض ابيات من قصيدة قافلة الأحزان ص77

"حملتُ شراعَ الموتِ في صمتِ آلامي ***** وأَرضعتُ من ثدي التباريحِ أَعوامي
تعـــالَ وخـذْ ياجــوعُ قمحَـكَ من دمي ***** ودَعْني أَمتْ وحدي على رمحِ آلامي
أَنا المغــــرمُ الهيمـان شـعبي حبيبتـي ***** وأَنفاسُـــه لحنـي وعينـاه إِلهـامــي
"

وفي قصيدة " بين يدي بغداد" ص 69، يتعمق حب الوطن:

"آهٍ وعينـيــكِ يا مـحبوبة الصغـرِ ****** ما ابتلّ رملي ولا ندّى الهوى شجري
فقد تخضَّبَ في جرح الأسى نغمي ****** وقد ترمّــل في دمـع المُنى ســمَــري
والآن جئتــكِ عـصفـــوراً يعـذبني ****** صيفٌ.فهل لي في عينيــكِ من مطـرٍ؟
بغــداد يا ضحكة الأمطار في جدبٍ ****** مدّي يديــــكِ على صحراء منكســرِ
هاتي المـرايا. أريــنا كيف أوجهنا ****** أضحت صحاري دموعٍ، ذلةٍ، خَوَرٍ؟
خلًي الحكايــــــةَ ســكيناً، تجـزً بنا ****** وزغـــردي فغـداً لابــدَّ من مـطـــرِ
"

وفي القسم الرابع، "مع النصف الآخر"، تغيب الصفات الجسدية للمرأة عند الشاعر ويبقى فكرها هو الصفة المهيمنة جمالياً على النص، فهي الرفيقة في عملية النضال والتغيير والثورة، ففي قصيدة " زائرة"ص 109.يقول:

" أسمعها. تقول لي عيونها: ****** فكَّ قيـودي.مـزِّق الأسجافْ
وفجِّرِ الأنهـار في صحـرائنا ****** حتى متى يحكمنا الجفــافْ؟
وزغــردت لحـبنـا مـدينـــــةٌ ****** حـزينـة في قبـضةِ السيافْ


وهناك تنبأ بالغربة وما آلت إليه الحال أخيراً في قصيدة " ملتقى " ص 117إذ يقول:

"وربّما اغتالت هوانا طلقةٌ ****** من مجـرمٍ أقلقهُ صوتي
وربّما سألتِ عني نورســـاً ****** بدجلةٍ فقـال: لـن يأتي
"

وعملية التغيير والنضال لدى الياسري، ليست محصورة بالميدان السياسي فقط وإنما تمتد إلى ميادين أخرى كالميدان الاجتماعي والثقافي، كما في قصيدة ظمأ الطين ص 121 حيث يقول:

"وإلى صدري هلمّي شجراً ****** وإلى صـدركِ عصفــوراً خذيني
خـوًفـــوكِ الأهـــل مني وأنا ****** منك باسم الدين أهلي خوفوني
"

والمرأة عند الشاعر تتجلى مبدعة لأنوثتها الخلاقة فهي تلد البشر ولهذا توازي في صفتها الإبداعية صفة الخلق، كما يظهر ذلك في قصيدته " مناجاة" ص 123 عندما يقول:

" من نفح روحكِ هذا الطيبُ في طيني ****** كالله أنـتِ وقـد أحسـنتِ تكوينـــي
هــل لي بكونــكِ مـن أفـقٍ أطـيـــرُ بــه ****** فوق القوانين والأعراف والدينِ؟
"

ولما كانت قصائد "جذور الفجر" تنقسم موضوعياً إلى أربعة أقسام، فإنها تنقسم شكلياً من حيث موسيقاها إلى قسمين، الاول، قصائد عمودية والثاني،قصائد التفعيلة الواحدة. والقصائد العمودية هي، انتفاضة جريح ص 63، والبغداديات ص 67 وخيبة ص 105 ومع النصف الآخر ص 107، وقصيدة سفر ص127. وبحور هذه القصائد متنوعة ذات ايقاع موسيقي يتجاوب مع الحالات النفسية التي تتدافع كالموج من الحزن إلى الثورة ومن الثورة إلى الحزن. إن الحزن والثورة هما سمتان أساسيتان في كل القصائد سواء كانت عن الوطن او عن الحبيبة، فالوطن هو الحبيبة والحبيبة هي الوطن في جدلية دائمة في كل القصائد عند الشاعر الياسري. فالحزن سببه الفشل في تحطيم قيود الواقع والثورة هي الأمل في الخلاص من قيود الواقع.واما قصائد التفعيلة الواحدة فهي قصائد فاتحة الفجر ص9 وغربة اللؤلؤ ص17 وقصائد أخرى .

وتنقسم القصائد عموما من حيث بناؤها الشعري إلى رمزية، كما في قصائد غربة اللؤلؤ وإلى واقعية كما في البغداديات، وإلى رومانسية كما في انتفاضة جريح وغيرها. وفي الشكل الرمزي والرومانسي وفي شكل التفعيلة الواحدة ( الشعر الحر) تجاوز واضح للمدرسة " النجفية" الكلاسيكية التقليدية التي تعتبر الأساس الأول الذي بنى عليه الشاعر الياسري مهارته الشعرية.

وأخيرا أن قصائد ديوان " جذور الفجر" هي توثيق أدبي لمرحلة سياسية سوداء من تاريخ العراق الحديث 1968 ـ 1979، زمن القصائد، فرغم مسحة الحزن الذي يظهر على أغلب قصائد الديوان، فقد كان الأمل يراود الشاعر، عندما اراد للشعر أن يكون أداة مقاومة بيد الكادحين والأخيار، اداة تجسد واقعهم المقهور وطموحاتهم لمستقبل افضل، وظل يقاوم بالكلمة الحرة، الترغيب والترهيب الذي واجهه لإصطياد حريته وشعـره وطموحاته من قبل الرموز الثقافية لنظام الخراب آنذاك.

 

 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات