|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  25  / 5 / 2017                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

 من وحي ابن عربي: عشق مسافر ومدن في القلب

بدور زكي محمد  *
(موقع الناس)

لا أذكر اني احتفلت بكتاب وانشغلت به قدر انشغالي برواية عزازيل ليوسف زيدان، حتى أني حزنت حين فرغت منها. وكذا صار حالي بعد قراءتي لتحفة الكاتب محمد حسن علوان " موت صغير" التي تخيل فيها سيرة محيي الدين ابن عربي فأجاد، وما كان ليترك أي مجال للشك بأنها حقيقية لو أنه حذف كلمة رواية، وكأن روح الشيخ الأكبر قد نزلت في سطوره فصارت تمشي على أوراقه! غير ان خيال الكاتب كان يشفّ عن حقائق عاشها إمام المتصوفين، وأفصح عن أسماء علماء وحكام عاصرهم، كما أورقت في صفحات روايته شجرة عشق لم يكتمل، كان ابن عربي يرويها من أشعاره، وكم تمنى لو أزهرت فكفته الحيرة، وربما أثنته عن الترحال، لكنه وهو القائل بأن " كل شوق يسكن باللقاء لا يعوّل عليه " يكون أقرب للإنسجام مع نفسه في أن يظل عاشقاً فلا ينال وصل محبوبته.

كانت اللهفة رفيقتي وأنا أتابع أسفار الشيخ، وتسبقني توقعاتي بما يمكن أن يفعله أو يقوله حيث ما حلّ في بلدان تتناوشها رياح التنافس بين الحكام، وتحيط بها مطامح المغول وهم يقتربون من عاصمة الخلافة العباسية. لم يكن حبه لله موضع شك، فهو القائل: " إلهي ما أحببتك وحدي لكن أحببتك وحدك "، إلا أن شذرات من أحاديثه حيرتني، ترى هل كان يذوب في حب الإله أم يجتهد في البحث عنه؟

لقد تاهت عقول العامة عن إدراك مقاصده فرماه الرعاع بالضلال، بينما أسبغ عليه أصحاب الذوق والمعرفة كل وصف جليل، ذلك أن الناس في معظمهم لا يبذلون جهداً في تحري المعاني، ولعلهم معذورون فكيف لهم أن يفسروا مثلاً قوله: " أن طريق الحق مستقيم الإستدارة "؟ إلا أن أغلب فقهاء عصره لم يكونوا في غفلة عن صدق إيمانه، وما ناصبوه العداء وأوغروا صدر الحكام عليه إلا لأنهم خافوا أن تتفتح أذهان المسلمين فينقلبوا عليهم ويكسروا قوالب التمذهب والتعصب، وأحسب أنهم أدركوا تماماً أنه يقصدهم حين قال: " كل تقوى لا تعطيك مخرجاً من الشدائد لا يعوّل عليها "، فهم وإن كانوا في معظمهم يخشون الله، لكنهم لم يعينوا المسلمين في تخطي أزماتهم .

في زاد الشيخ، مدن تربعت في قلبه، فأضفى عليها من شغفه وروحه العاشقة ما جعلنا نزداد أسى ولوعة لما أصابها من وجع الأحداث وتغير الأحوال. ففي وصف بغداد يثير الكاتب علوان شجون العراقيين حين يقول على لسان ابن عربي وكأنه كان يرافقه في ربوعها:
قليلة هي المدن التي تجوز أسوارها أول مرة فتشعر أنها كانت تنتظر وصولك. تلقي على خطواتك الأولى عتاباً مشوباً بالحنين وشوقاً محفوفاً بالرضا. ثم يمضي في استذكار أم البساتين فيتساءل:
كيف تمشي على ضفّة دجلة ويبقى قلبك خلف أضلعك لا يجري به النهر؟ كيف تمرّ بالرصافة دون أن تستوقفك كل نخلة بحكاية جديدة لا تعيدها في اليوم التالي؟ أين تجد زهداً كافياً لتوصد باب بيتك كل ليلة في وجه بغداد وتنام؟
ومن أجل بغداد في أيامها الزاهرة تراني أسأل الشيخ الذي حباه الله نعمة الكشف، هل أفاض عليك المولى بصورة بغداد في زماننا؟ فإن كان قد رأى ما رأينا فلعله كان سيجيب: أعان القدير أهل هذه المدينة الجميلة على السفهاء من أبنائها، ولا قدّر لها أن تنام طويلاً على ضيم!

ومن بغداد إلى دمشق حيث ارتحل ابن عربي إليها قادماً من مكّة بعد أن أضناه عشق امرأة ليس لها مثيل. يقول في هذه الحاضرة الزاهية، وبلسان مبدع السيرة المتخَيلة:
اختلطت روائح المدينة وأصواتها وصورها وأناسها بعضها ببعض فصارت أشبه بيد حانية تمسح عن جبيني التعب وتمسّ قلبي فيهدأ. كل شيئ مررنا به مذ تجاوزنا الباب، سوقاً كان أو داراً أو بستاناً أو خاناً، كان يشبه العهد الذي تقطعه دمشق على نفسها أن تكون خير مقام للمتعبين والغرباء الذين خدش الحب قلوبهم..
قلت في نفسي أزاء هذا الوصف الحميم، كم يذكرني الكاتب بدمشق الثمانينيات، التي جمعت شتات العراقيين وآوت غربتهم حين تلبدت الغيوم في سماواتهم.

وبعد ففي فكر ابن عربي بعض انحياز للمرأة، وقد عقد قرابة بينها وبين الأمكنة، فقال عنها:" كل مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه". وقد اجتهد في تأويل نصوص معينة لصالها، بأن حددها بظرفها ومكانها دون تعميم في الزمان، مثال على ذلك موضوع الشهادة. ولديه حزمة أقوال تزكي مقام النساء، وأي تزكية اكثر من قوله: " إن في المرأة يكتمل ظهور الحقيقة "، وهذا ما التقطه كاتب الرواية فبنى عليه كياناً من بديع الوصف ورقة الشعور، فهو يخبرنا كيف رأى ابن عربي زوجته الأولى مريم بنت عبدون: أقبلت عليّ بكل ما في قلبها من شجر يورق للتو ... فإذا حدثتها كانت مثل بخور الهند، إذا أسمعتها لهباً أسمعتني طيباً، وإذا حدثتني فتحت في سقف الحجرة نوافذ للسماء لا تلبث النجوم والكواكب أن تطل منها فضولاً ورغبة في سماع الحكاية". وربما كان لنشأة الشيخ المبكرة أثر في توقيره للمرأة، فقد كانت مربيته فاطمة بنت المثنى ذات علم وبعد نظر، وهي التي استنطقها الكاتب علوان فأوجزعلى لسانها حكمة ووصيّة رافقت الشيخ الأكبر طيلة حياته، ذلك بأن يطهّر قلبه كي يرتقي في محبة الله.

وقد ذهب مبدع "الموت الصغير" بعيداّ حين بنى للمرأة صرحاً مجيداً في قلب ابن عربي، فجعلها ثالث الأوتاد التي استند عليها لتثبيت إيمانه وتعزيز خطواته في طريق الله. وتلك كانت "النظام" الفتاة الأديبة العالمة التي أحبها وحالت بينهما الأقدار العلوية، إذ قالت له لما توسل إليها أن تقبل الزواج منه: هذا محال لأن الأوتاد يتزوجون الأرض!

ومن جميل وصف الكاتب لها: أنها قُدّت من رحيق الأزهار، نظراتها تسقط الحذر ومنطوقها يُلين الحجر، وان حبها تمكن في قلب ابن عربي حتى لم يعد يفكر في مستقبل أيامه بعيداً عنها، ولو لم يكن متزوجاً قبلها لأقسم أنها أول عهده بالنساء وأول امرأة شعر معها باكتمال الحب وانسياق العاطفة وخضوع الروح. ويضيف علوان في مقارنة طريفة ومحببة بين حال ابن عربي بعد أن جرحه صدود معشوقته، وبين ما يسعى إليه قتادة أمير مكّة للانقضاض على المدينة، يقول: مع مرور الأيام كونت أنا وقصائدي جيشاً من الأشواق لا يجاهد إلا في حبها ولا ينتمي إلا إليها. وإزاء هذا الجيش الذي في قلبي، كان قتادة يحشد جيشاً أخر. جيشي مليئ بالأشواق والقصائد واللهفات واللوعات، وجيشه مليئ بالأعراب ومرتزقة من الحجيج وبعض جند الأيوبيين. قُرعت طبول الجيشين فانتشر " ترجمان الأشواق " في سوق الورّاقين، وتحرك جيش قتادة خارجاً من مكة ...

وعلى ذكر الجهاد يصوغ الكاتب فكرة سامية يجدر بالمسلمين أن يعوها، فيقول بلسان ابن عربي: ألا تعلمون إن الحياة في سبيل الله أشقّ من الموت في سبيله!

لم تكن السيرة المتخيلة لابن عربي بعيدة عن الحقيقة، فقد جرى حب نظام كالنهر في قلبه، وكانت ابنة أستاذه أبي شجاع زاهر الدين ابن رستم الأصفهاني، وصفها صراحة في ديوانه " ترجمان الأشواق ". وفي هذا يقول الأديب المحقق يوسف زيدان في إحدى محاضراته: " حبه لنظام جعله يتماسّ مع الوجود الحقيقي للأشياء ". وينقل لنا أبيات شعر نظمها ابن عربي لأجلها:

طال شوقي لطفلة ذات نثر ونظام ومنبر وبيان
من بنات الملوك في دار فُرس من أجلّ البلاد من أصبهان
هي بنت العراق بنت إمامي وأنا ضدّها سليل يمان
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم أن ضدّان قط يجتمعان؟

ويضيف لنا زيدان وصفاً جميلاً وفريداً للحظة وداع ابن عربي وحبيبته نظام فينقل عنه:

" إذا ما التقينا للوداع حسبتنا لدى الضمّ والتعنيق حرفاً مشددا ".

ومن الحب وعوالمه المضيئة بالأشواق، إلى شبيهه الذي أراده ابن عربي، حين قال: " الحب موت صغير"، وقد يبدو هذا التشبيه ظالماً في الظاهر، لكنه قريب من الحقيقة حين نفسره كقدر لا دافع له. وقد عاش ابن عربي حباً كبيراً جعله يقول: " كاللبلابة التي تلتف على شجرة العنب، هو العشق". غير أنه عرف ألواناً من الحب باختلاف البلدان كما يخبرنا الكاتب علوان، فينوب عن شيخنا في حديثه عن حبه لزوجته مريم، بالقول:

بعض الحب لا ينمو إلا في بلاد بعينها، ولا يعيش في بلاد أخرى. حبنا كان نافورة لا يجري ماؤها إلا في الأندلس. حتى إذا فارقناها انحسر ماؤها حتى جفّ تماماً في قيظ مكة.

أختم مقالي هذا بقول سديد للشيخ الاكبر: " الحقيقة تأبى الحصر " وأهديه لكل من يحسبون أن الحقيقة فيما يعتقدون وأن الإيمان له درب واحد.


 * كاتبة عراقية

 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter