| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 24/9/ 2012                                                                                                   

 

مفتاح سر الإنسان!!!!
قراءة بحثية في اللغة و الفكر

فيصل فائق صبري

الجزء الأول
في السنوات الاخيرة من دراستي الجامعية في قسم المسرح ،طلب منا نحن طلاب الجامعة العربية في الدنمارك كتابة ورقة عمل بحثية حول اللغة و الفكر...وقد بدا الامر لي في تخصصي المسرحي لأول وهلة قضية معقدة و شائكة على الرغم من أن على المسرحي ان يتقن اللغة و ان يفكر بكل فضاءات المسرح وما ارتبط بها بأدق التفاصيل ....

لكن حبي الكبير للمسرح و الدراسة الأكاديمية التخصصية، جعلني اخوض تجربة معرفية ثقافية اختصر فيها مفردات حياتية غنية وان اطلع على سر من اسرار الحياة الغامضة و المليئة بالمفاجآت و الثورات العارمة... هذا السر الذي هو مفتاح دخول الى غور و ثنايا الانسان...و هو ايضا مفتاح الحب و العشق بين كلا الجنسين... و الترابط بين المجتمع و المنظومة الحياتية عبر اللغة و الفكر.

فمن دون اللغة لا يمكن الوصول قطعا الى التفاهم و التواصل ، و دور الفكر هو دليل ذهني موجّه وهو إشارة ملموسة تعكس رغبة الانسان للتواصل مع أخيه الإنسان ، عبر اسلوب حضاري يتأقلم مع الجو و المحيط البشري الذي يعيش فيه. لا شك ان الاسلوب المنهجي في هذه المادة البحثية تحتاج الى دراسة جادة ومركزة، لما تتضمنه من مواضيع و عناوين ومصطلحات فلسفية ادبية هامة، تدفع الدارس كيما يبحث في ميادين عديدة في فضاءات الكتب و المجلات و الصحف الالكترونية، وسؤال المختصين.

لكن هناك ظروف صعبة تتعلق بالمصادر و المراجع ، تجعل الباحث يرتبك في اسلوبية الكتابة و البحث، وذلك بسبب الشحة في المصادر و المراجع، حيث لا يكتفي الباحث بالمواد الموجودة في الصحف الالكترونية.... وفي بعض الاحيان تكون هذه الصحف غير واضحة او غير مكتملـــة وليست مؤهلة أحيانا لتكون مصادر بثحية، ناهيك عن الفايروسات المبرمجة التي تؤدي الى تدمير كل شيء كتبه الباحث في أحيان أخرى..

واعتقد في ورقة عمل بحثية مثل هذا الذي أضع تعديلات مخصوصة على عرضه الحالي لا يستوعب المزيد من الفصول و الكتابات بسبب ما ذكرناه.

وفي البدء لا يسعني الا ان اقدم وافر شكري و تقديري الى الدكتور تيسير الآلوسي الذي ساعدني في اختيار عديد من مفرداتي البحثية ضمن الاختصاص الاكاديمي، باتجاه هدف نبيل ذي رؤى جمالية وذائقة فنية يخدم المجتمع البشري بكل لغاته وافكاره و الوانه.

ان اللغة تميز الانسان عن الحيوان بحكم انها بنت الفكر . والانسان يعي ما يقول بعكس الحيوانات ، فضلا عن ان اللغة و الفكر يمكن اعتبارهما مرتبطين كوجهي القطعة النقدية لا يجوز فصلهما و خير مثال على ذلك هو اننا نفكر بوساطة اللغة. يعتبرنعوم تشومسكي (1) أحد أبرز فلاسفة اللغة المعاصرين، ويعتبر مفكرا إنسانيا، حيث أن دراسة اللغة ترتبط بدراسة الفكر البشري فاللغة تفرض بشكل أو بآخر على الإنسان طريقة التفكير، فاللغة العربية لكونها أكثر اللغات تطورا في عصورها الأولى، فقد استطاع الناطقون بتلك اللغة تكوين أكبر ثروة أدبية في الشعر والقصص والبلاغة...

ومصطلح فلسفة اللغة يحيل إلى مصطلح فلسفة التفكير، غير أن فلسفة اللغة ترتكز على دراسة التفكير البشري بناء على الرموز اللغوية التي يستطيع العقل تشكيلها، حيث ان اللغة و الفكر هما وسيلتان للتواصل الثقافي و الفني في المجتمع البشري، ولاشك من ان اللغة هي ظاهرة فلسفية انسانية لها دور هام في المعرفة والتنقل بين المجتمعات المدنية، كاسلوب منهجي وتربوي عبر علاقة مباشرة باللغة و الفكر.

لقد ظهرت مدارس فلسفية عديدة حول مفهوم اللغة و الفكر و اعتبارهما ضمن مناهج فكرية فلسفية تشتمل بعلم المنطق و البلاغة ...الخ من العلوم البشرية، فلكل من هذه المدارس لها نظرتها الخاصة حول هذين المصطلحين بما فيها من عمق و دلالة حول الوجود البشري المرتبط بالارض و البيئة و العقيدة ... الخ، حيث ان البيئة مثلا لها دور فعال في تكوين المنظور الفكري وبالتالي بالمنظور الحضاري و بناء اللغة ، كما اشار د.طه الحجازي في كتابه عن الجاحظ،الذي يركز على دور (البصرة) المدينة و البيئة التي كاتت لها اثر فعال على لغة و فكر الجاحظ(2).

ان اللغة لها تأثير واضح في كل الميادين الحياتية المليئة بالمفاجآت التكنولوجية , ما يؤدي الى التوظيف المعرفي و العلمي والثقافي و الفني ضمن مناهج و برامج خاصة، ولا ريب ان اللغة لها تأثير واضع في قضايا متعلقة بالمسرح والذي بدوره هوعالم شعري وخيالي...الخ ممتلئ بأدوات اللغة المعبرة على شكل رموز و دلالات مسرحية يلجأ إليها المسرحي في فنه ويضع له صيغا و اساليب فكرية يؤثر على المتلقي، يعرف اللغة (3) بأنها اصوات يعبرها كل قوم عن اغراضهم, وهي ايضا مجموعة من الاشارات و الرموز، تصب في الوجود البشري يظهر على شكل نسق او نظم بين افعال الانسان، ويتم بواسطتها التبادل المعرفي و الثقافي, وهي مرتبطة بالفكر(التفكير)، بحيث ان اللغة و الفكر ديمومة اشكال النشاط و الاحتكاك البشري، بدون اللغة و التفكير لايستطيع الانسان التواصل مع الآخرمن حيث ان الاثنين يعتبران اساس الوجود البشري.

يعتبرالفكر قدرة خلاقة لدى الانسان تكونت و تطورت في مجرى نشاطه العملي و ارفع اشكال المعرفة، وتقوم ماهيـــة التفكير في العكس المعقد عبر المفاهيم المجردة لجوهر الاشياء و العمليات الجارية في العالم الموضوعي،علة ان التفكير(4) هو احد اهم مقومات الوعي البشري الذي يضم الخيال وشتى ضروب الانفعالات....الخ.عن طريق الفكر يمكن الوصول الى العمليات المعقدة التي تدور داخل النفس البشري عبر اللغة المنطوقة معتمدة على قاعدة حوارية (المتكلم - المستمع - المتكلم) مولدا الانفتاح على الانارة التي اشار إليها عدنان بن ذريل (5) في تعليقه على مقولة هيدجر بأن الفكر يستولي على الانارة، كي يعبر عنها بالكلام عن حقيقة الوجود، ثم يقول بن ذريل ويكمل على ان اللغة هي القرب الكامن في قوى العالم ، وجهاته الاربعة وان المنطوق و المسموع من اللغة توافق يؤلف بين جهات العالم الاربع ويجعلها تتفاعل و تتداخل.

بنظري هذا الكلام معقول لسبب ان اللغة لها تاريخ وجذور تحمل طابعا طبقيا ضمن المجتمع الانساني الذي يعيش فيه، وكانت المجتمعات البدائية في العصر القديم تعتمد على لغة مشتركة تجمعهم وتتمثل بلغة الاشارة و الرموز ، وكان الباحثون يصلون الى طريقة تفكير الانسان البدائي عبر الالواح الحجرية و الطينية من الآثار المتبقية.

ان اللغة تحولت و اصبحت لها استخدامات عديدة و مناهج مختلفة، بحيث خرجت من المفهوم الفلسفي المعقد الى شكل علمي مدروس وتتوجت بمنطق العلم ، كذلك اصبحت اسلوب تعامل يومي.

وقد حمل الدكتور احمد يوسف وهو مدير مختبر السيميائيات و تحليل الخطابات في جامعة وهران سوء الفهم الفلسفي لدى لودفيج فيتجنشتين (1889-1951)(6) الذي يعتبر من اهم فلاسفة اللغة، وذلك من خلال إساءة استعمال اللغة العادية التي حاول ان يمنحها كل الامتياز، كما انه تراجع عن فكرة وجود لغة مثالية، و جعل في تحليله الكلمات التي لها معنى في اللغة العادية، ومن هنا حاول ان يصحح المفاهيم الفلسفية التي استعملت استعمالا مخطوءا...

وهكذا ينتقد د.أحمد فلسفة فيتجنشتين على ان يتأمل فيها معالجات فكرية و لغوية، فيرد بالقول على فلسفة التحليل الخطابي الذي يهتم بأستعمالات اللغة اليومية الذي يلغي نصا واصفا مفارقا للغة اليومية , وبعدها يتأمل في فلسفة اللسانيات التي يجدها مشدودة الى قطبي فلسفة المنطق التي تتجه الى معالجة بعض المسائل الدقيقة وفلسفة الانجلوسكسونية. من الملاحظ ان بدايات الفكر الفلسفي العربي الاسلامي بدأت منذ المرحلة الاموية للمجتمع الاسلامي الوسيط (7), التي بدأت معها عملية (نقل الفكر) من اليونانية الى العربية ،وذلك عبر لغة عربية متقنة من ناحية البلاغة و الاسلوب ، وامكن عملية ملاحقة هذا الاسلوب عن طريق خالد بن يزيد الذي توفى عام (704.م) في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز(717-719)،حيث هذه العملية (نقل الفكر) اكتسبت وسائل سريعة و شاملة مع بدء ترسيخ المرحلة العباسية من تاريخ المجتمع العربي الاسلامي الوسيط ، حيث تحولت من الشكل و الاسلوب في العمل الفردي الضيق الى شكل عمل المتخصص الذي تتبناه الدولة نفسها، واعتبر هذه العملية مفتاحا للتمازج الثقافي الحضاري.

يعتبر الكندي (801-867)(8) لدى العديد من الباحثين الفيلسوف الاول في اطار المجتمع العربي الاسلامي الوسيط،حيث قام الكندي بتقديم جهد كبير في مجال التقدم اللغوي الفلسفي، ذلك عبر ادخال مجموعة هائلة وممتازة من الاصطلاحات الفلسفية في تاريخ الفكر العربي الاسلامي، ولقد استفاد الكندي من الترجمات الفلسفية المتوفرة آنذاك، ومن المحتمل قام في بعض الاحيان بعملية الترجمة و النقل بنفسه، ويعتقد بأن ترجمة الكلام (اللغة) برزت مع الكندي الذي يطرح قضايا تتمثل بالحرية، و الجبرية وصفات الذات و الحركة و السكون، ثم قام بتأصيل القرآن و الجزء الذي لا يتجزأ ...الخ من امور تتعلق بالكلام (اللغة)، وبعدها طرح من خلالها منهجين اساسين الاول مادي هرطقي مبكر و الثاني إيماني نصي، وان هذين الاتجاهين انطلقا من مبدأ ديني موحد(9).

كما ساهم الفارابي و الذي يعتبر من الشخصيات المهمة في تاريخ الفكر العربي الاسلامي الوسيط ،في تعميق خط التقدم للفكر الفلسفي و الاجتماعي بشكل عام،واصبحت دراسة الفارابي الفكرية تتحول الى عمل منهجي ثابت ذلك عبر كتابه المعروف بأسم (المدينة الفاضلة) الذي يعبر فيها عن مرحلة فكرية اجتماعية حضارية كاملة والتي تتميز بالتحويلات في بنى المجتمع العربي الاسلامي الوسيط،و التي اراد لها تحقيق العدالة و الحرية المفقودة (10).

ان الاتجاه الفكري لدى الفارابي عبر من خلال فكرة (الفيض) او (الصدور) ولم تعتبر هذه الفكرة جديدة ،حيث انها تنحدر من اصول افلوطينية نسبة الى افلوطين الاسكندري و اصول اخرى ،الا ان الاهمية الكبرى تكمن بأنها اكتسبت ابعادا جديدة تتمثل بقوة فكرية في منحى هرطقي مادي غير مفصح عنه،

وان فكرة الفيض تعتمد في اساسها على تحويل في نقاط عدة تؤدي الى رسالة فكرية تاريخية جوهرية محددة بعملية تتجاوز تصور الخلق المادي من عدم مادي عدم محض (11).

هناك العديد من الفلاسفة و المفكرين من امثال ابن سينا،ابن طفيل،ابن رشد ،ابن خلدون,المقريزي,وآخرون...الذين لهم دور تاريخي مهم وفعال في رؤيتهم للغة و الفكر العربي - الاسلامي, وقد ناقش هولاء الفلاسفة و المفكرون على ان اللغة ليس من حيث هي وسيلة تخاطب و تفاهم بين الناس بشكل عام حسب، وانما ايضا من حيث هي الاداة الفلسفية للتعبير عن قضايا الوجود الطبيعي و الانساني.

دراسة منهج الفكر (التفكير) لها علوم عدة، منها الغنوصيولوجيا (نظرية المعرفة والمنطق،والسيكولوجيا،والفيزيولوجيا و السيبرنيطيقيا (12)،حيث ان الغنوصيولوجيا تدرس علاقة الفكر بالوجود، و اشكال التفكير و مناهجه، اما المنطق فيكشف عن قواعد ومعاير معينة في التفكير.


مصادر جزء الأول

1- http://ar.wikipedia.org .
2- الصراع الفكري عند الجاحظ(ص34 / تأليف د.الياس فرح /سلسلة الموسوعة الصغيرة 101/منشورات دار الجاحظ للنشر-بغداد 1981.
3- قاموس الميط/الباحث العربي:قاموس عربي عربي http://baheth.info .
4- المعجم الفلسفي المختصر, ص 136,ص 396/ تقديم دار التقدم موسكو/ترجمة توفيق سلوم/طبع في الاتحاد السوفيتي1986.
5- اللغة و الاسلوب, ص 28/عدنان بن ذريل/مراجعة وتقديم حسن حميد/مجدلاوي للنشر و التوزيع/الطبعة الثانية منقحة 1427 هــ/2006 م.
6- السيميائيات الواصفة,ص 157/تأليف أحمد يوسف/منشورات الاختلاف/المركز الثقافي العربي/الدار العربية للعلوم/الطبعة الاولى 1426 هــ /2005م.
7- مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 224/تأليف د.طيب تيزيني/دار دمشق للطباعة و النشر/الطبعة الخامسة 1971.
8- المصدرنفسه (7) ص 262 .
9- المصدر نفسه (7) ص 263 .
10- المصدر نفسه (7) ص 283,ص 284.
11- المصدر نفسه (7) ص 285 .
12- المصدر نفسه(4) ص 136 .







 

free web counter

 

أرشيف المقالات