| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

                                                                                     الأحد  20 / 4 / 2014

 

محنة اليسار البحريني

حميد خنجي

مقدمة
تناول العديد من الأقلام ، خاصة في الفترة الأخيرة، موضوعة اليسار في البحرين .. منطلقا -جلّ تلك الأقلام- من التحولات السلبية والتصدعات والتراجعات، التي اصابت القوى السياسية لليسارالبحريني، منذ أحداث 14 فبراير 2011 الإنفعالية والملتبسة. والحقيقة أن مشكلة تراجع اليسار البحريني - على خصوصيته - مرتبطة بتراجع اليسار على المستوى العالمي، بعد تفكك المنظومة الأممية الحاضنة لليسار في العالم، الأمر الذي يعتبر مسألة شائكة ومعقدة.. بل إشكالية في مدى درجة تأثيراته، تفاعلاته وتراجعاته، المختلفة بالطبع من منطقة إقليمية إلى أخرى! غير أن حدثاً كبيراً انفجر في الشرق الأوسط قبل تفكك المنظومة الإشتراكية بعقدٍ من السنين (الثورة الإيرانية) ، كان له الأثر الأكبر في التراجع الحاسم للمشروع اليساري برمّته في المنطقة العربية والإسلامية قاطبة، وبروز المشروع الإسلامي / الشيعي كندٍّ وحليفٍ - في آن - لما سمّيت في حينه بالصحوة الإسلامية (مشروع الإسلام السياسي السني / السلفي والإخواني الرجعيّ)!

ولعل من غرائب جبر التاريخ ومكره، أن ثورة شعبية ديمقراطية بحجم ثورة بهمن الإيرانية قد لعبت .. بعد مخاض أربع سنوات؛ لحظة انتصار الثورة المضادة النهائي وهيمنة القوى الدينية اليمينية لوحدها في المجتمع الايراني سنة 1983 ، على أثر القضاء على كافة القوى السياسية الإيرانية المشاركة في الثورة؛ اليسارية (تودة وفدائيي خلق واليسار المتطرف الأقل شأنا) والليبرالية (الجبهة الوطنية) واليسار الديني الراديكالي (مجاهدي خلق) والفئات الدينية التنويرية (خط طاليقاني ومنتظري وحفيد الخميني وغيرهم).. قد لعبت وأسهمت بدورٍ تراجعيٍّ لحركة التاريخ المعاصر للمنطقة، بدل الدور الناهض والتقدمي المأمول!.. وهذا بالطبع شأن إشكالي آخر، في حاجة إلى مقارعة مستقلة ليست هنا سانحتها

صحيحٌ أن العطب الاوليّ، الذي أصاب المشروعين الوطنيين التقدميين لليسار؛ النظري والتطبيقي (الجذري/ الماركسي والقومي / الناصري والبعثي) قد ترك أثره التدريجي والتراجعي بعد نكسة 1967 ، أي قبل حوالي عقد من الثورة الإيرانية، حيث بدا واضحا وصول الأنظمة القومية إلى درب مسدود غير سالك، وما ترتب على ذلك بعد موت عبد الناصر في سبتمبر 1970، من سيطرة الأجنحة اليمينية للأنظمة القومية والوطنية (مصر / سوريا / العراق/ الجزائر ..الخ) على مقاليد الحكم عبر؛ دولة / سلطة بوليسية، ذات مؤسساتية شكلية ونمط إقتصادٍ طفيليّ / بيروقراطيّ، بالرغم من الشعارات القومجية، التي مافتئت تصدع رؤوسنا -على وجه الخصوص - من العراق وسوريا .. وهي الشعارات النارية ذاتها، التي مازالت حتى اليوم يسوقها نظام بشارالأسد الدموي! .. حيث حلت الآن الشعاراتية الشعبوية والديماغوجية (الممانعة) محل جبهة الصمود والتصدي .

والآن عندما نقول اليسار في البحرين.. ماذا نقصد بالضبط ؟! وعن أي يسار نتحدث؟! وما هو وزن هذا اليسار اليوم مقارنة بالأمس ؟! ومن هي القوى السياسية والمجتمعية المتدثرة تحت عباءة أومظلة اليسار؟! من الجليّ أن اليسار في البحرين اليوم ضعيفٌ، مشتّتٌ وشِلليٌّ - رؤيةً وتنظيماً - والحقيقة الساطعة والمُرّة؛ أننا لانبالغ إذا قلنا أنه لايوجد في الواقع الراهن تيار سياسي ومجتمعي واسع ومنسجم، من الممكن أن نطلق عليه اليسار البحريني، خاصة مع تماهي الجمعيات اليسارية والديمقراطية الواهنة، مع الحراك الشيعي/ الشعبي العارم ومن خلال تعاونها وتحالفها مع الجمعيات السياسية الدينية / الشيعية! غير أن يسار "بحرين الأمس" كان يتبوأ الساحة السياسية بلا منافس فعلي - مدني أو ديني!.. أما في السياق التاريخي فإن يسار البحرين، دأبه كدأب اليسار العربي والإقليمي، ينقسم إلى قسمين؛ يسار ماركسي، مثّله تاريخيا "حزب جبهة التحرير الوطني"، الذي أسسه في المنامة سنة 1955 ، الكادر القيادي "التودويّ" والأب الروحي للماركسية في البحرين؛ "حسن نظام" (ولد في المنامة سنة 1920 واغتيل في طهران سنة 1958).

وفي هذا الصدد .. يقال عادة أن جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي تُشكِّل أمتداداً فكرياً وتنظيمياً لجبهة التحرير، أوهذا ما يدعيه كُثرٌ من المنبريين التقدميين. غير أن الواقع لا يشفع هذا الإدعاء ، لأسبابٍ عديدة ، أهمها ؛ الموقف السياسي المستقل والمختلف لـ"جبهة التحرير" حسب بياناتها المتوازنة والواقعية ، المنشورة تباعاً في الموقع الالكتروني العائد لها، مقارنة بالموقف السياسي للمنبر التقدمي المتشنج والمتماهي مع كبرى الجمعيات الدينية (الوفاق)، عبر تحالف ضمني، متشكل من؛ جمعيات المعارضة الست - أحيانا خمس أو سبع - (الوفاق / وعد/ التقدمي / القومي / الوحدوي/ الإخاء)، والمتفقة - جميعها - في مواقفها التصعيدية، العاطفية وغيرالتقييمية لأحداث 14 فبراير 2011 ! أما اليسار الآخر فهو اليسار القومي، والذي بدوره ينقسم إلى ناصري وبعثي .. ولقد ظل هذا الأخير تنظيما لنخبة متعلمة - أكاديمة في الغالب - بدون قاعدة جماهيرية واسعة. وتمثل اليوم – جمعية التجمع القومي- إمتدادا لبعثيي البحرين.

أما ناصريو وقوميو البحرين الأوسع نفوذا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، فتعدّدت تنظيماتهم كالفطر.. انشقّت وانبثقت منها؛ جبهات/ منظمات قومية عديدة أهمها؛ "الجبهة الشعبية في البحرين"، التي تمركست في السبعينات. ويبدو أنها قد توقفت عن النشاط السياسي، بعد أن التحق مجمل كوادرها ومريديها إلى جمعية العمل الوطني المعروف إختصارا بـ (وعد) .

أسلفنا أن هناك أقلاماً وكتاباً تناولوا معضلة اليسار البحريني والقوى الديمقراطية عموماً.. معبرين عن وُجهة نظرهم في ضرورة تكاتف نشاطها السياسي المستقل، لتشكيل خطٍ ثالثٍ متوازنٍ في المجتمع - بين الإسلام السياسي والسلطة - خاصة في الظرف الراهن، حيث الشرخ المجتمعي الطائفي/ المذهبي وصل إلى درجات خطيرة وغير مسبوقة.. سواء جاءت التناولات تلك بالكتابة في الصحافة المحلية، أوحتى بالمشاركة في الأنشطة والندوات والمنتديات، والتي كان أهمها؛ ورشة عمل تخصصية قامت بها جمعية المنبر التقدمي مؤخراً، طُرِحت فيها آراء عديدة - حصيفة ومتشنجة - انصبّت في سبيل تعزيز الأداء السياسي لليسار ووحدة عمل القوى الديمقراطية. سنحاول في حلقات قادمة تسليط اضواء كاشفة على تلكم الآراء المختلفة وتقييمها موضوعيا. ولابد من تحليل وتفتيت سمة وخصوصية اليسار البحريني وأسباب ضعفه ووهنه الراهنين، ليس فقط من الجانب الموضوعي ولكن بسبب العوائق الذاتية، التي أفضت - للأسف الشديد - في التقلص المضاعف لنفوذ اليسار والقوى الديمقراطية عموما، وعدم قدرتها الاستفادة من السانحات والفرص الذهبية المتوفرة حينا، لجلب مجموعات واسعة من "الأغلبية الصامتة" من المواطنين نحو برامجها!..

ومن هنا لابد أن نتطرق لجوهر مشكلة اليسار في البحرين، ألا وهو الأسباب الفعلية لتماهي اليسار مع القوى الدينية (غير الديمقراطية) ؛ ركونه للوعي المذهبي السائد .. ركوبه موجة العاطفة الدينية المنفلتة من عقالها.. ورفعه لشعارات ومطالب غير قابلة للتحقيق في الأفق المنظور!.. وهي مواقف تعبر عن نهج الإستمرار في عناد الواقع والتخندق الأرعن خلف تكتيك الإسلام السياسي الشيعي في التصعيد العبثي للإعتصامات المفتعلة المؤية إلى نزيفً مجتمعيٍّ ؛ معاد إنتاجه على الدوام .. بدل إعادة النظر وأخذ هنيهة من التأمل والتقييم الموضوعيين، فيما حل من خراب وخرق. وتفتتٍ للنسيج الإجتماعي، أفضى إلى الوصول لهاويةِ "مأزقٍ" عبثيٍّ وخطرٍ، لابد من الخروج منه بأي ثمن !..

ولعل أُسّ المشكل - بوجهة نظرنا - يتجسّد أساساً في الأزمة الداخلية للمنبرالتقدمي ، التي يتحتم علينا مجابتها، وسلك الكشف عن الحقائق المؤلمة، بشفافية عالية وبدرجة متقدمة من الصراحة الموضوعية. والحرص المحايد لفهم جوهرهذا الخلاف المزمن، الذي تسبب ؛ ليس فقط في ظاهرة الإنشطار الطائفي/ المذهبي لدى الأعضاء .. بل في تقلص العضوية إلى أقل من الربع؛ آخذين في الإعتبار حجم الأعضاء المبتعدين –غير المستقيلين - الذين فضوا أياديهم من قيادة المنبر الحالية ، ودب اليأس لديهم من إصلاح البَين !..

أخيراً لابد من المواجهة الجسورة للخطايا، بُغية الوقوف على أسباب الخلل ومسبّبات الشللية وأمراض المحاباة السقيمة. والبحث الجدي والعلمي لُسبُل العلاج الناجعة

يتبع
 

 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات