| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 16/11/ 2010

 

العراق يصيح (أدير العين ما عندي حبايب)

ابتسام يوسف الطاهر

كثير ما اسمع أو أقرا لعراقيين يصبون غضبهم وحقدهم على (العراق)! العراق الوطن .. من انه "مو مثل الأوطان.. وانه سبب بلاويهم"!!؟ . قبلا كانوا لا يجرئون على ادانة صدام وزمرته ، فيطيحون باللوم على العراق مبررين تخليهم وجبنهم او تهربهم من المسؤولية إزاء وطنهم. وهذا كنا نبرره لحجم الخوف الذي زُرع بالنفوس.. بالرغم من أن حجم الظلم والقسوة لم يثن الكثيرون من أبناء العراق الشجعان عن الوقوف بوجه ماكينة القتل تلك، والدليل الأعداد الغفيرة من المفقودين.. الذين لم يحرك أحدا ساكنا للسؤال والبحث عنهم.. أو الذين وجدوا في المقابر الجماعية.. وغيرهم ممن قتلتهم الحسرة والقهر على العراق.

لكن كيف نبرر لمن يردد اليوم: "لم نر وطنا يحقد على أبناءه مثل العراق". او غيره من الكلام الذي يسبب الغثيان.. ليس فقط لبعده عن المنطق بل للخطورة التي يسببها بزرع فجوة بين الناس وقيمهم الوطنية، اضافة لما يسببه من حالة إحباط واستسلام وتهرب من المسؤولية. اذا كان أبنائه يفكرون بهذا الشكل فما بال الأعداء و الحاقدين!

قد نجد الحجة للمواطن العادي المسكين.. لكن أن يروّج لهذا الرأي بعض الكتاب والمثقفين! فهذا هو التخلف واللا منطق بعينه، لاسيما الان والصحافة صارت (اللهم زيد وبارك) تقول ما شاءت وشاء لها الهوى.. فلماذا يصر البعض على إدانة العراق.. والأولى بالعراق أن يدينهم..فالمنطق يقول أنت مسئول عن حماية وصيانة بيتك.. فان اعتدى حاقد أو موتور متخلف على بيتك وفجره أو هدم جدرانه وشرد أبناءك!.. هل تدين البيت لأنه لم يحميك!؟ أم انك المسئول عن حماية ذلك البيت ومن فيه!؟

فنرى البعض من المتحدثين أو الكتاب يلجأ للمبالغة معتقدا أنها بهارات تجعل من الموضوع أو الفكرة أكثر تقبلا او استساغةً.. ولكن استخدام البهارات على الطريقة الهندية، يجعلنا نتردد من تقبلها.. فهم يكثرون منها في الطعام اذا كان يفتقد للعناصر الغذائية من فيتامينات او معادن او مع المواد الغير صالحة للأكل.

من المقالات التي وصلتني بالايميل الحافلة ببهارات المبالغة.. والتي تجمع ما ذكرناه، مقال الأستاذ إبراهيم الزبيدي (أدير العين ما عندي حبايب) عن الشاعر الغنائي سيف الدين ولائي، الذي هجره صدام مع الالاف بحجة تبعيتهم لإيران.. لكنه عاش في سوريا ومات هناك بحسرة العودة لبلاده .هذا العملاق الذي خلـَّف لسهراتنا العائلية، ولمناسباتنا السعيدة والحزينة معا، الأغاني الرائعة التي تنبض بالدفء والعفوية ، ومنها تلك الأغنية التي تعنون المقال وغيرها من العشرات بل المئات من الأغاني التي يقول الكاتب انها .."يستحق أن يُمنح على كل واحدة منها تمثالا من ذهب، ووساما، ليس من وزير ولا رئيس وزراء ولا رئيس جمهورية، بل من شعب العراق كله، بعربه وكرده، بشيعته وسنته، بمسلميه ومسيحييه ويهوده". المقال جميل وهو يعرفنا بشخصية غنائية أدبية مغيبة وربما لا يعرفها معظم العراقيون خاصة الشباب .. لكن لم المبالغة بالتمجيد؟ لماذا لم يذكر الشاعر من قبل؟ لماذا لم تدان عملية تسفيره؟ أما كان ذلك أفضل من كل التماثيل المقترحة!!؟ وكم تمثال مطلوب يا ترى!؟ وما هذا الولع بالتماثيل! ومن ذهب؟

من أين للشعب ذلك الكم من الذهب ليصنع تمثالا لهذا الرجل المبدع!!؟ وصدام لم يبق على حال العراقيات حال..بعد ان (شلحهن ) كل ما لديهن من ذهب! اذكر أني أهديت أختي ميدالية من الذهب الرخيص لتحتفظ فيها للذكرى لحين لقائنا.. فاذا بها تشكرني لان هذه الميدالية أنقذتها لتمشية معاملة لها!!؟

بلى المبدع ولائي يستحق وساما بل أوسمة. ويستحق أن تعمل له كل فضائية من فضائيات العراق برنامج يليق بعطائه ويليق بحبنا لتلك الأغاني.. وهذا واجب عليها كلها..

ثم يواصل الكاتب صب اللوم على العراق!"فهذا العراقي الصميم حتى بعد ذاك الخنجر المسموم الذي أغمده في قلبه الصغير عراقُ البعث العظيم لم يكره العراق، ولم يكفر بأهله، بل ظلت روحه تهيم شوقا إلى تراب العراق".

العراق يا كتابنا الأعزاء، بريء من كل الخناجر والسموم.. بل هو المطعون بالخناجر من كل صوب.. مسكين هذا الوطن..كم هم جاحدين أبنائه وحاقدين عليه ، لاسيما الذي تنعموا وعاشوا في بحبوحة. كل جرائم صدام صار العراق هو مرتكبها!!؟ وكل التخلف الذي يعانيه شعب العراق ..العراق هو السبب !!؟

فمن حقي أن أسأل الكاتب كم مبدعا غيبته الغربة بعيدا عن وطنه بل عن أهله بسبب صدام؟ ولم يفتح احد فمه لا شاعرا ولا كاتبا من حاشية السلطان! لماذا لم نطالب وزارة الثقافة السابقة واللاحقة ان تقوم بواجبها إزاء المبدعين؟.. لماذا لم يصرح أحدا لإدانة القادة والمسئولين المتسببين بالتهجير بكل أشكاله!؟ قبل إدانة الوطن!؟ لكن الكاتب يواصل اسئلته :

"لماذا نحن العراقيين، وحدنا بين جميع شعوب الدنيا الواسعة، ندوس على مبدعينا، بقسوة، في حياتهم، وندوس على أرواحهم في مماتهم، ونظل رغم كل ذلك، دون حياء، نتغنى بأشعارهم". هذه هي القسوة بعينها ضد الشعب العراقي الذي لم يسلم على روحه لحد هذه اللحظة..ومازال كل يوم يدفع الشهيد تلو الآخر ..دون ان يرف جفن الكثير من الكتاب ويدين القاعدة والمقاومة البعثية التي تترصد أبناء العراق، وهو الذي تنفس الصعداء بعد انسحاب القوات الأمريكية لعله ينعم بالأمان وقد كانت حجة القتلة (قوات الاحتلال). يريد الكاتب أن يحرم الشعب حتى من متعة الاستماع للاغاني، او ترديد الأشعار لناس حُرم من إبداعهم بسبب سكوت البعض عن جرائم حزب البعث وحرمان الشعب من كل ما يمت للإنسانية بصلة. أليس ترديد تلك الأشعار والأغاني هو الوسام الذي يتمناه كل مبدع ؟.

لا جدال في ان هناك تخلف، وتحيز وتكتلات ثقافية وحزبية.. وهذا واجب على الكل ادانته.. عشرات الشعراء والكتاب والمبدعين ممن لم يفارقوا العراق وواصلوا العطاء بالرغم من الحصار والاختناق الذي كانوا يعانوه، ولم ينصفهم الإعلام ولا المثقفين ولا حتى المقربين منهم..

فالملحن والمطرب الرائع رضا علي.. يكاد الجيل الحالي ان لا يعرفه ، ذلك الذي منح الأغنية العراقية أجمل الألحان وقدم مشاهير المطربين العراقيين والعرب بعد أن كان لا احد يعرفهم غير النوادي الليلية ومنهم فائزة احمد.

لم نر أي برنامج عنه، ولم تخصص حلقات لعطائه ! كذلك الشاعر طه الطاهر.. لم يفكر أي من المثقفين ان يعمل أمسية واحدة بذكراه..وهو الذي صنع تماثيل (قصصية ) للعراقيين المغبونين ليعيد لهم اعتبارهم. والشاعر الغنائي جودت التميمي الذي عاش كل العمر شبه مشرد .. وقد قدم الكثير للأغنية العراقية.. وأمتع المستمع بالكثير من البرامج. لم يذكره إعلاميا ولا كاتبا ولا فضائية.. وغيرهم العشرات بل المئات من المبدعين.

لكن الشعب والعراق بريء من كل هذا.. بل هو ضحية اذا لم يكن أولى الضحايا، لان مبدعيه لا يخصون احد غيره. فهو من أوفى لهم بترداده أ شعارهم ووفي لهم بالتغني بأغانيهم في الأمسيات أو الاصبوحات!

لكن الكاتب يصر حتى النهاية على إدانة العراق "فهل من نهاية لقسوة هذا العراق العظيم... وعقوقه؟". أليس في هذا تجني على الوطن.. أليس هذا هو العقوق بعينه ضد العراق؟ الذي أتعبه أبناءه من قادة متهورين جروه للحروب أو الذين تقاتلوا على السلطة قبل الدخول للعراق وبعده! وحتى الذين هربوا أو الذين سكتوا على الظلم..

فالعراق صبر علينا ومازال ينتظرنا نزرعه ونرعاه.. نشيده ونعلو بنيانه.. فلم ينصفه غير الذين ضحوا من اجله بعطائهم مرة وبالتغني والاعتذار له، وبالأمل من أنهم سيجعلونه مثل باقي الأوطان التي تجعل من خيراتها جسرا للتقدم والازدهار وليس لجيوب حفنة الأشرار.

فما ذنب العراق ذلك الكيان الشامخ بحضاراته وبعطائه، أن يكون أبناءه من القادة العاقين!؟ ما الذي يقدر أن يفعله وطن قد تخلى عنه بعض أبناءه ، والبعض الآخر تمادى بالحقد الطائفي أو الحزبي!؟

فالعراق ومنذ سنين (يدير العين وما يلقى حبايب)! وأبنائه كل يغني على ليلاه.
 


 

free web counter

 

أرشيف المقالات