| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 12/3/ 2010



الأمير الأخضر دروس وعبر

نادية عيلبوني
nadiamuch@hotmail.com

لا يمكننا فهم أسباب ذلك التحول لدى "مصعب حسن يوسف" والملقب ب"الأمير الأخضر" بالاستناد إلى مبضع الأيديولوجيا، التي لا تفسر ،في الواقع، شيئا والتي ربما ،تكون هي بالذات أحد أهم العوامل في ذلك الانقلاب العميق والشامل في مفاهيم "مصعب" وتحوله من النقيض إلى النقيض. أي من مناضل عنيد وصلب لا يشق له غبار ضد الاحتلال في الماضي، إلى خائن لقضيته الوطنية.

المسألة باعتقادنا ليست بتلك البساطة التي يمكن للشتائم والانتقادات المحشوة بالخطب أن تجيب عليها. فأن يخون المرء وطنه بتلك الصورة التي تصل إلى حد التماهي مع من احتلوا وطنه وأذلوا شعبه ، واعتبار نفسه جزء لا يتجزأ من الأعداء ، والدفاع عن فعلته وتقديمها على أساس من كونها قرارا فرديا وقناعة راسخة ،هو في الواقع ليس مجرد حالة من الضعف الإنساني أو حالة خضع فيها الخائن لتأثيرات نفسية وجسدية أدت إلى مسخ عقله بالكامل بالرغم من أهمية كل تلك الاعتبارات.
فالخائن أو العميل عادة ما يشعر بالعار لفعلته، الأمر الذي يدفعه إلى محاولة إخفاء هذا الفعل، أقله باللجوء إلى التواري عن الأنظار ، أو إنكار قيامه بذلك الفعل الذي يعزله عن واقعه ومجتمعه .

حالة مصعب حسن يوسف في تقديرنا ،هي حالة استثنائية لا ينسحب عليها كل ما ذكرناه ولا ينسحب عليها ذلك التبسيط الذي يحاول أن يخفي بخفة وتسرع الأسباب الحقيقية التي تقف وراء سلوك الخيانة لدى الرجل .
ما يجدر ذكره هو أن الحالة الفلسطينية لم تسجل حتى الآن قيام عميل بالتباهي بعمالته أو التنظير لها باعتبارها حقا مشروعا يستند إلى قناعته الفردية ، أو إلى ضميره ، أو إرادته الحرة . ودعنا نقول أننا أمام حالة فريدة من نوعها وتستحق الدرس والتعلم والفهم بعيدا عن مشاعرنا الطبيعية والمبررة، التي تأنف وتتقزز من هذا السلوك الشائن والمدان من كافة القيم والأعراف المتبعة في العالم.

ما لاحظناه جميعا ربما، هو أن "الأمير الأخضر" لم يكن يبدو لنا مضطربا أو مهزوزا أو خجلا من فعلته ، كما أننا لم نلحظ من خلال كافة لقاءاته وأحاديثه إلى وسائل الإعلام أية علامات تشير إلى الشعور بالذنب أو التردد ،أو حتى الخجل. وهو على الأقل لم يضطر إلى الدفاع عن نفسه، الأمر الذي يعني أن الرجل على قناعة تامة بمشروعية ما فعله ولا يعتبره خيانة من وجهة نظره. لقد حاول دائما أن يبرز قناعته تلك بالحديث عن سعيه ورغبته بالسلام بين الشعبين. وهذا ما يعطي الانطباع لدى المتلقي أن "مصعب" يمتلك وجهة نظر وقناعات تنطلق من وجهة نظره الدينية والأخلاقية والأيديولوجية الجديدة التي تبدو للوهلة الأولى مشروعة في ظاهرها.
لعل هذا بالضبط ما يدعونا إلى التعمق أكثر فأكثر في الأسباب الحقيقية لسلوك مصعب وتحليل مرجعياته وأسس تربيته الأولى .

المعروف أن ثقافة مصعب في فترة الطفولة والشباب قامت على أساس من التربية الدينية المتزمتة للإخوان المسلمين التي تعتبر حركة حماس التي انتمى إليها ،جزء منها . وكما هو معروف أيضا ،إن الحركة لا تدعي في أدبياتها وسياستها القائمة على الايديولوجيا الدينية ، مقاتلة إسرائيل من منظور وطني وحقوق وطنية مشروعة للشعب الفلسطيني ، بل لعل مفهوم الوطن كأرض وهوية لشعب محدد يحمل صفات محددة تميزه عن باقي الشعوب ، هو العنصر الغائب تماما لدى الحركة التي تعتبر ولا تزال ، فلسطين وقفا إسلاميا ينبغي الدفاع عنه واسترجاعه من إيدي اليهود "الكفار" من خلال الجهاد . فالوطنية والشعور الوطني ليس لهما مكان في أدبيات الحركة ،وهذا يعني ارتباط مفهوم الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي بمفهوم الدين من حيث الجذر والأساس في ذهن "الأمير الأخضر". وربما كان من المستحيل على الذين مارسوا عملية مسح الدماغ على مصعب وهو في السجن التأثير عليه وإسقاطه والاستفادة من خدماته ، دون ممارسة جهود مكثفة من أجل تغيير العقيدة التي تشرعن الصراع من منظور ديني وعقيدي، دون أن تمارس تأثيرا لتحويل العقيدة نفسها في نفس الرجل ، إلى عقيدة أخرى ، تعطي الأمير الأخضر نوعا من ارتياح الضمير، وتسهل عليه ما انتوى فعله.

لماذا المسيحية بالذات؟
هذا السؤال يمكن أن يثير حفيظة البعض ، ويؤدي إلى سوء الفهم وخصوصا بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين ، لكننا سنسارع إلى التأكيد على حقيقة أن تحول الرجل من الإسلام إلى المسيحية بصيغتها المجردة عن معطيات واقعها ومجتمعها ، والتي تنبذ نظريا العنف وتدعو إلى محبة الأعداء وعدم مواجهة عدوانهم ، لا يعني أن المسيحيين لا يمتلكون شعورا وطنيا أو أنهم يمتلكون استعدادا للتعاون مع محتليهم . وهنا يجب أن لا يغيب عن الذهن إطلاقا أن هناك شعوبا مارست فعل التحرر الوطني المقرون بالعنف ضد محتليها ومضطهديها بالرغم من دياناتها البوذية والمسيحية التي تنبذان العنف وتحضان على السلام والتسامح.كما أن المسيحيين الفلسطينيين قدموا صورا ساطعة ومشرفة في النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني والإسرائيلي دون أن تقف عقيدتهم الدينية الداعية إلى عدم مقاومة الشر ، عائقا في استبسالهم في الدفاع عن وطنهم بكل الوسائل ، سواء منها السلمية منها وغير السلمية ، بل لنا أن نؤكد هنا أن مصعب لجأ إلى تغيير العقيدة بعقيدة أخرى بطريقة مجردة، فهو على أية حال لم ينشأ كأي مسيحي فلسطيني الذي يتشرب منذ الصغر إضافة إلى عقيدته الدينية التربية الوطنية الكفيلة بتحصينه من الانزلاق .ولا شك أن لجوء الأمير الأخضر لاستبدال عقيدته كان ناتجا عن ذلك الضغط العاطفي الديني ، فأراد أن يتخفف من ثقل مشاعر الذنب الدينية ، في تعاونه مع الاحتلال، لذا لجأ تغيير عقيدته. وغني عن القول أن الرجل ما كان بإمكانه أن يتبنى اليهودية كعقيدة، ليس فقط لعدم انفتاح اليهودية إلى الحد الذي يمكنها من قبول مريدين جدد ، بل لأن اليهودية هي الأخرى تقوم على الغلبة في تشريعها للعنف والقتل انطلاقا من شريعتها القائمة على مبدأ"العين بالعين والسن بالسن" وهي بهذا المعنى لا تفيده من الناحية الايديولوجية في تبرير فعلته وتقديم نفسه كداعية سلام.

اذن هو أمام نفسه وضميره على الأقل لم يعد خائنا بالمعنى الديني للكلمة ، لأنه تحول عن عقيدة الإسلام إلى غيرها. وهو من وجهة نظره أيضا ،وهذا هو الأهم ،ليس خائنا للوطن لأنه لم يتلقى من حيث الأساس أية ثقافة أو تربية وطنية، فالضمير الوطني هنا هو عنصر غائب . وارتباطه بشعبه هو محض ارتباط ديني عرضة للتغيير والتبديل ولا يحتمل، أو يحمل في مضامينه صفتي الديمومة والثبات .

وخلاصة الدروس المستقاة من حالة "الأمير الأخضر" ستأخذنا حتما إلى الاستنتاج المنطقي الذي يقول: أن التطرف الديني لا يمكن أن يكون حصانة تعصم الفرد عن ارتكاب فعل الخيانة الوطنية ، في حين أن تربية الأبناء من خلال ثقافة وطنية تعبر عن هوية جامعة لأبناء الوطن كله ، هي الضمانة الأكثر قوة وأكثر مناعة ، فإذا كان الدين قابلا للتغيير ، فإن الوطن هو الوحيد الثابت الذي لا يمكن أن يتبدل مهما كانت المبررات والاعتبارات .

 


* صحافية فلسطينية مقيمة في فيينا
 


 

free web counter

 

أرشيف المقالات