| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الخميس 10/6/ 2010

 

محنة العراقيين مع الأحزاب الدينية

علي بداي

في حياتنا الشعبية العراقية كنا نسمي البشر المسالمين الذين لا يؤذون أحدا " أهل الله" ،وحين تجمع علاقة عمل أو صداقة أو تحالف نزيهة بين الناس نقول عنهم أنهم تجمعوا على "حب الله" ، وحين تضيق السبل ببني البشر وتتقاذفهم الحياة ذات الشرق وذات الغرب يشكون لله ماهم عليه من عذاب، فالشكوى لله وليست للبشر، وحين يتهم الأنسان ظلما بما لم يرتكب، يتجه لله طالبا تدخله فهوالذي يعلم الحقيقة .
في ثنايا منظومة القيم هذه ، يقف " الله "رمزا للخير المطلق والعدالة المطلقة ، هو رمز لا علاقة له بالدين ولا رجاله إطلاقا ،رمز لوجود لم يره أحد لكنه موجود في كل إنسان، وهو الضمير الرقيب وعلى ذلك فقد يغيب الله عن المرء حتى وان التفت على رأسه ملايين الكيلومترات من العمائم، والله الذي تعرفه الناس أقرب للمرء من حبل الوريد، لذلك ليس هناك مايمنع البسطاء من الناس من مخاطبة الله بلا كلفة ولا وساطة، فهو قريب منهم يخاطبوه بدون ادوات التعظيم والتقديس التي ينادي بها ذوي العمائم بعظهم، فالإنسان يخاطب الله مباشرة ومن قلبه فيقول : "انت" ولا يقول "أنتم" أو "ايها المولى المقدس"
ولأن الناس عندنا قد شبعوا غما، وهما، وفقرا، وتعبا، وكمدا، وتجهيلا، وهتافا، وعاشوا على إستنشاق دخان الرصاص الممزوج بالشعارات عشرات السنين ، فقد رأوا في موجة العمائم التي أكتسحت العراق بعضا من حل، عل في إدعاء ذوي العمائم القرب من آل بيت الرسول وصراخهم عن ثورة المستضعفين ما يقربهم من "أهل الله" ، وكان بعدها أن "وقع الفأس بالرأس" كما يردد العراقيون الآن.
لم يفطن مواطننا المتعب، الى أن الأحزاب الطائفية لا يجمعها مع الله المعروف لديه أي جامع ،فهي نتاج لبدعة الأسلام السياسي، أي تسخير الأسلام والدين والله والحسين للوصول الى التسلط ، وهكذا بمقابل الله المعروف للناس ، إخترعت أحزاب الطوائف تعريفا آخر لله ، فهو في قاموسها: "الموكل الذي وكلها بالتحكم بالناس ومصائرهم وفصلهم الى موالين ومعارضين ،وكلفها بحيازة الذهب والفضة قربى له ونيابة عنه وأوكل لها بناء الفلل الفخمة في أوربا وتأسيس الشركات وتوزيعها على ذوي القربى " .
ومنذ ذاك لم يجد العراقي أمامه سوى البكاء والشكوى للفضاءيات : إنتخبناهم وخذلونا!!
يحلو لمنظري الأحزاب الأسلامية أن يبرروا وجود أحزابهم بمقارنتها بالأحزاب ذات الخلفيات المسيحية في أوربا ، وهو لعمري ادعاء يكشف عن مدى واسع لسذاجة وسطحية صانعيه أو أنه أدعاء قد صيغ لتسويقه على أناس عزلوا عن الأحتكاك بالعالم لفترة طويلة ، فأحزاب أوربا المسيحية هي أحزاب ديموقراطية لاتشبه احزابنا الطائفية في شئ، هي أحزاب عصرية مبنية داخليا وفق انظمة ديموقراطية تحتم وجود المؤتمرات والأنتخاب للهيئات العليا وحرية النقاش وتبادل الأراء والشفافية فيما يخص مالية الحزب ومصادرها وأوجه الأنفاق وقد ساهمت تلك الأحزاب بتطوير انظمة الحكم الديموقراطية في بلدانها وإلتزمت بقواعد الديموقراطية فلم تعلن حالة العصيان على القانون حين تخسر إنتخابات ما بل غالبا ما تصحح مساراتها للفوز في المرة القادمة .
أما الاحزاب الدينية الطائفية العراقية فهي اقرب الى المؤسسات الدينية العشائرية– المالية السرية منها الى الأحزاب السياسية العصرية، حيث لا تعرف هذه الأحزاب المؤتمرات ولا علانية النقاش حول الأمور التنظيمية، أو المنح المالية التي تتدفق اليها من بلدان عدة . وقد شهد الجميع كيف تراكمت الثروة بسرعة خارقة بيد مجموعة من أفراد الاحزاب الدينية عن طريق ثلاثة مصادر: النهب جراء ارتباك مؤسسات الدولة والأثراء المشرع قانونا عبر الامتيازات التي وفرها قانون رواتب الهيئات الرئاسية الثلاث والعاملين بها من رؤساء ووزراء ونوابهم ومحافضين ونواب البرلمان والأف المستشارين من أشباه الأميين والمصدر الثالث هو رأس المال الديني ( اموال الخمس والزكاةومايسمى بتبرعات المؤمنين). ومن البديهي ان يكون تتبع هذه الأموال من قبل الدولة او القضاء في حالة كهذه ضربا من المستحيل لأن من اليسير على أي حزب ديني مرتبط بإمام او مرشد، ان يزعم ان المليارات التي بحوزته هي من تبرعات الخمس او الزكاة او تبرعات اثرياء المسلمين.
لكن، على الرغم من كل هذا الركام من الفساد، والأستغفال، وكل هذه الخطايا يبقى الأشكال الأهم هو أن موقف الأحزاب الطائفية من الديموقراطية مازال غير محسوم ويثير الشكوك الجدية ، والأحزاب الطائفية العراقية لا تقف وحدها في قفص الأتهام بل كل أحزاب الأسلام السياسي السنية والشيعية فالحقبة الدامية في الجزائر كانت بسبب إعلان الحركة الأسلامية الجزائرية صراحة أنها تفهم الديموقراطية كسلم للصعود الى طابق السلطة ليس الا، وحين ستصعد ستأخذ هذا السلم معها فلن يعد بامكانها النزول من برج السلطة ولا يمكن لأحد آخر استخدام هذا السلم للصعود الى البرج.
المسار الذي رأيناه في العراق في الأعوام الستة المنصرمة كان شبيها الى حد كبير بالمسار الجزائري ، فبعد أن رفض إبراهيم الجعفري من قبل شركاءه عام 2005 إنقلب على أقرب المقربين منه ولم يستوعب فكرة عدم تقبل الأخرين له، حتى أن التعاليم الأسلامية التي طالما تشدق بها كفت ان تكون جامعة له مع باقي شخوص حزب الدعوة فأسس تجمعه الخاص به آملا في العودة ، وبرهن بذلك أن الله بالنسبة له ليس الا جهة تعطيه الحق بالتسلط حتى يوم القيامة ، وحين لا يتم له ذلك فلا أسهل من تغيير كل شئ، المبادئ، والاحزاب ،ورفاق الدرب. وقبل إعلان نتائج الأنتخابات الأخيرة خيل لنوري المالكي أنه سيكون الفائز الأكبر فكان يصر على أن أكبر الفائزين هو الذي سيشكل الحكومة ، وحين كشفت الأنتخابات عن نتائج أخرى سارع المالكي للطعن في شرعيتها وحين لم تثبت عملية أعادة العد والفرز إدعاءاته تبنى مفهوم " الكتلة الأكبر" آملا في أن يساعده حلفاء الأمس في البقاء أربع سنين أخرى.
ولكي تزداد حالة الشيزوفرينيا التي يعاني منها الفرد العراقي ، تحدث السيد "إبراهيم الجعفري" في لقاء مفصل مع تلفزيون السومرية قاسما بانه غير راغب بالمنصب لا الآن ولا في ماسبق من زمان !! ورغم أعتقادي أن أي عراقي راشد لا يزال يتذكر كيف عطل " الجعفري" الحياة السياسية شهورا بسبب إصراره على البقاء في منصب رئيس الوزراء في الدورة السابقة، ساورني شك في سلامة عقلي فرجعت الى مواد الأرشيف مخافة أن أظلم الرجل فوجدت ،والحمد لله، أن عقلي لايزال معافى . وضمن " لعبة التناسي والنسيان " صرح السيد "موفق الربيعي" في لقاء مفصل مع السومرية قبل الأنتخابات ان قائمة الأسلاميين التي ينتمي اليها ستوزع أراض على كل من تخطى الثامنة عشر من عمرة اضافة الى راتب لكل بالغ في المجتمع العراقي. هذا التصريح العجيب دفعني لأن أفتش عن كل الاسباب الممكنة التي منعت الأحزاب الدينية طيلة سبع سنوات من سيطرتها التامة على السلطة، من الشروع بتخصيص رواتب للمعوزات العراقيات من الأرامل او على الأقل معالجة جزء من مشاكل تراكم القمامة في مناطق الفقراء الآمنة في الجنوب فلم أجد سببا معقولا.

كتب معروف الرصافي قصيدة في بداية أربعينات القرن الماضي يتنبأ فيها بما سيحصل في 14 تموز 1958قائلا :

الشعب في جزع فلا تستبعدوا     يوما تثور به الجيوش وتزحف
كم من نواص للعدا سنجزها ؟    ولحى بأيدي الثائرين ستنتف

وحين عاتبه البعض على أنه يحرض على العنف بقوله هذا قال لقد قلت الشعب في جزع فماذا تنتظر من ملايين الجازعين ؟
أعتقد أن الشعب العراقي ، هذا المسكين الملعوب بأمره الآن ، والذي جنى على نفسه مرارا عبر التأريخ دون أن يعي،ثم يعود بعد فوات الآوان باكيا على الأطلال ، سيكون مجبرا على إعادة ذات البيت الذي قاله الرصافي مع تحوير بسيط فيبدل كلمة "نواص" بكلمة "عمائم" ويبدل كلمة سنجزها بكلمة " سنجرها" فللصبر....حدود









 

free web counter

 

أرشيف المقالات