| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

زكي رضــا
rezazaki@hotmail.com

 

 

 

الثلاثاء 8/2/ 2011



طوبى لشعب فيه نوال السعداوي

زكي رضا

بين الجموع الهادرة في كعبة مصر ، وسط ميدان التحرير والتحرر من العبودية . كانت الفتاة والمرأة المصرية حاضرة بقوة ، جنبا الى جنب اخيها الرجل لتشاركه في كل شيء ، فهي تهتف وتنظف ، وتفتش وتعالج ، وتوزع الطعام والاغطية ، وتسرق الوقت المخصص لعائلتها ، بل وصل بها الامر في ان تتزوج هناك ، لتعطي رمزية لهذا الزواج وفي هذا المكان تحديدا . لتذكر الطغاة على ان الشهداء الذي قدمتهم الثورة لليوم ، كقرابين على مذبح حرية الشعب المصري من اجل التغيير ومن اجل الثورة ، سيأتي من يحل محلهم ليكون في نفس هذا الميدان ، اذا ما اراد الطغاة مستقبلا الالتفاف على مصالح الناس ، بعد ان عرفت الجماهير كيفية وطريقة التغيير ورعب الطغاة منها . ولم تكن هذه المرأة وهي تفضح نظام البلطجية امام وسائل الاعلام ، تفكر ولو للحظة من انها " ذات نصف عقل ودين " ، بل على العكس تماما فبموقفها الرجولي ، أثبتت من انها أكثر رجاحة في العقل من انصاف واشباه السياسيين ، الذين سرقوا ولازالوا ثروات شعوبهم بأسم القومية تارة وباسم الدين والطائفة تارة اخرى ، كما وانها اكثر تمايزا في الموقف الوطني من وعاظ السلاطين ، الذين يشاركون الحكام ظلمهم للرعية ويسجدون لهم بكرة وعشيا . ولم يكن رجل الدين الذي طردته الجماهير واوقفت خطبته في كعبة التحرير ، الا نموذجا بائسا لرجال الدين اليوم ، الذين يباركون اللصوص عند كل انتخابات ليضللوا العوام من الناس ، متناسين على ما يبدو المقولة التي تقول " الكفر يدوم والظلم لا يدوم " .

وسط تلك الالاف من المتظاهرين كانت نوال السعداوي ، تسير واثقة الخطى الى حيث مرجل الثورة ، الذي يغلي بدماء شباب بلدها ، وهي تعرف جيدا ماذا يريدون ، وكيف لا تعرف وهي التي حملت مشعل التنوير في يد ، وراية الثورة على الفقر والجوع ومصادرة آدمية الانسان في الاخرى ، كي تسلمها وهي في الثمانين من عمرها الى شابات وشبان بلدها ، ليشقوا الطريق الى حيث النور والضياء .

ولم يبخس شبان بلدها وهم يرونها بينهم بارواحهم لحمايتها ، من بلطجية اللامبارك وهم يقذفون الجماهير بالحجارة والقناني الحارقة ، ليحيطوا بها كما يحيط السوار بالمعصم . ورغم البرد وسوء الوضع الامني ، الا ان هذه اللبوة المصرية لم تشارك الجماهير في تظاهرتها فقط ، بل قررت المبيت معهم لتجسد اروع شكلا من اشكال التضامن مع ابناء بلدها ، خصوصا وهي في هذه السن المتقدمة .

نوال السعداوي التي ربطت عبر العشرات من مؤلفاتها والمئات من محاضراتها ، ولعقود بين تحرر المرأة من قيود الجهل والتبعية للرجل بأسم الدين مرة وبأسم العادات مرة اخرى ، وبين تحرر الوطن من الطغيان . لم تهدأ يوما ما في دفاعها عن الانسان بشكل عام والمصري بشكل خاص ، وكانت وغيرها بمؤلفاتهم ونتاجاتهم البوصلة الهادية لهذه الجماهير لمثل هذا اليوم .

ان مجرد المقارنة بين بنت النيل التي لم تسكت يوما ، الا اثناء نومها ، وبين بنت الرافدين المتشحة بالسواد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها ، وهي ترفع اصبعها بالموافقة على القرارات في برلمان ذكوري من حيث القرار السياسي ، حتى عندما قرر احد المعممين الغاء قانون الاحوال الشخصية الذي ينصفها كأنسان ، تعتبر مقارنة ظالمة وفي غير محلها . فالمرأة التي تقبل ان تكون جارية في ظل زوج يعطي الحق لنفسه في الزواج مثنى وثلاث واربع ، وما ملكت ايمانه ، والمرأة التي تحضر الاجتماعات بمعية محرم ، والمرأة التي تسكت عن حقها بما كفله الدستور لها على علاته ، لا يجوز مقارنتها اطلاقا بأمرأة كنوال السعداوي ، او غيرها من النسوة اللواتي يملأن جنبات كعبة القاهرة اليوم من فنانات وصحفيات واديبات ، وشاعرات وناشطات في المجتمع المدني . وهذا لا يعني اطلاقا خلو العراق من نسوة كنوال السعداوي ، ولكن مشكلتهن الكبيرة تكمن في بنات جنسهن ، اللواتي يحاربن عن جهل وتبعية للرجل تطلعاتهن ، نحو غد افضل لواقع المرأة العراقية ، وبأحزاب دينية لا زال اعضائها يعتبرون المرأة عورة ، حتى انهم جعلوا لوزارة المرأة وزيرا يقودها !!

لقد تراجعت مكانة المرأة العراقية بفضل سياسات النظام البعثي الخرقاء ، وحروبه ونتاجاتها الاقتصادية والاجتماعية المريعة الى مستويات متدنية . الا انها وبفضل سياسات الاسلام السياسي بعد الاحتلال ، لم يتحسن وضعها بل جنح نحو السوء اكثر ، بعد ان فقدت ما كان قد تبقى لها من آدمية ، كجزء من فقدان الغالبية من العراقيين لآدميتهم . بسبب سياسات المحاصصة الطائفية – القومية البغيضة ، والحرب الطائفية والتهجير التي فتتت ما تبقى من النسيج الاجتماعي العراقي ، الذي بدأه البعث وخصوصا بعد قمعه لانتفاضة آذار في العام 1991 ، ليكمله الاسلام السياسي ببراعة يحسد عليها منذ ان جاء الى السلطة بعد الاحتلال ولليوم .

لم تكن المرأة العراقية على مر تاريخ العراق المعاصر ، غائبة كما هي اليوم ( حاضرة غائبة ) عن التأثير في الحراك السياسي . ففي اربعينات وخمسينات القرن الماضي على سبيل المثال ، كانت في مقدمة المظاهرات المناوئة للعهد الملكي ، وكان تشيع الامل والصمود والقوة في صفوف المتظاهرين ، ومثال هذه المرأة هي الشهيدة بهيجة ، التي حملت دون خوف او وجل راية الحرية الحمراء ، لتعبر بها الجسر المفضي الى تلك الحرية في وثبة كانون المجيدة . كما ساهمت بقوة في مرحلة البناء بعد ثورة تموز ، لتقاوم بعدها القتلة البعثيون وذئاب حرسهم القومي ، اثناء انقلاب 8 شباط الدموي ، كما كان لها حضورها في جبال وذرى كردستان وهي تحمل البندقية من اجل غد افضل لشعبها ، في مقاومتها للطاعون البعثي . واليوم وبعد اكثر من ستين عاما على استشهاد بهيجة ، ارى العراق والمرأة العراقية بحاجة الى بهيجة ثانية ، تجول شوارع مدن الوطن المغبرة بغبار المحاصصة الطائفية ، ونقص الخدمات والسرقات والرشاوى والارهاب المنظم ، لتقود الجماهير التي اتعب الحكام كاهلها واذاقوها الذل ، نحو قلعتهم الحصينة في المنطقة الخضراء ، التي ستتهاوى بلا شك امام هتافات الجماهير المضطهدة ، ولتجلس بهيجة ثانية لتخيط ثوب الوطن الممزق .

" بهيجه يا بهيجه
رديلي خيطي ثوبي
واكعد بفي بيتنه
والكه خبزتي وكوبي
"

والهمي ابناء شعبك يا بهيجة ، ورددي ثانية بعلو صوتك ، ومعها "هلهولتك " العراقية المحببة الى نفوس ابناء العراق .

خدي بحلاة الخبز
والدم شتل حنطة
يا وجهي رد اللهب
دخان للشرطة
زيدولي نار وحطب
خل اصعد ويه الريح
دم والهتاف انجمع
تسبيح اجه لتسبيح
يا بويه جن الشعب
طاح السمه وميطيح

" الشاعر كريم العراقي "
 

الدنمارك
8 / 2 / 2011


 


 

free web counter