| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

زكي رضــا
rezazaki@hotmail.com

 

 

 

                                                                                    الأربعاء 7/9/ 2011



لماذا تتظاهر الجماهير ومتى تتظاهر ؟

زكي رضا

بداية اود القول وكما هو معروف ، من ان التذمر الشعبي والتظاهر من اجل الحصول على حقوق ، تعتقد الجماهير انها تفتقدها هو امر طبيعي يحدث في البلدان ذات الانظمة الديموقراطية عادة . لان هذا الامر " التظاهر " يعتبر خيانة للوطن !! اذا ما قامت به الجماهير في بلدان ذات انظمة دكتاتورية ، لان التظاهرات في مثل هذه البلدان تسمى مسيرات . وعادة ما تقوم الاجهزة الامنية والحزبية في مثل تلك البلدان بهندسة واخراج هذه " التظاهرات " المسيرات ، من اجل حشد التأييد للنظام وليس للحصول على حقوق ، عدا تلك التي يمنحها الحاكم كمكرمة ، بين الحين والحين ، وكأن البلد ملكا صرفاً له ، ليهب ويُكّرم دون الرجوع الى مؤسسات الدولة المختصة !! . وهذه سمة من سمات الانظمة الدكتاتورية ، ولكننا نستطيع ان نلمسها بوضوح اكبر عند الانظمة العربية ، ليس لدكتاتوريتها فقط ، بل لعشائريتها وطائفيتها وحزبيتها ، بعد ان يصبح حزب الرئيس ، هو الحزب الاوحد ، الذي يمتلك مفاتيح خزائن البلد ، ولا يمكن الاعتراض على قراراته ، لان ماكنته الاعلامية تكون قد اشترت حتى المثقف ، الذي لسبب او لاخر تراه ينقلب على مباديء الديموقراطية ، وحق المواطن في التظاهر . ليس هذا فقط ، بل نرى نفس المثقف يُخوّن جماهير شعبه بعد ان يشكك في نواياهم ، تماشياً مع السلطة الحاكمة . مستنداً على سوء نية مسبقة ، قد يكون هناك ما يبررها لحدود معينة ، الا انها لا تستطيع مصادرة حق الجماهير بالاعتراض ، على مبدأ التظاهر نفسه ، خصوصاً اذا كان الدستور الذي اقرته نفس السلطات يمنح الحق للجماهير بالتظاهر والاعتصام والاضراب ، بعد ان تفشل الحكومة في تأدية مهامها ، او تتراجع لاي سبب كان عن تحقيق وعودها الانتخابية ، التي وعدت الجماهير بتحقيقها اثناء طرح برامجها الانتخابية اثناء الانتخابات . وفي هذه الحالة فان الجماهير وما لها من مزاج لها الحق هي ايضا في ان تشك ، بل وتنظر بريبة وسوء نية الى امثال هؤلاء المثقفين ، الذين ينظرون الى الجماهير اما كونهم قطيع ، او مغرر بهم . غير آخذين بنظر الاعتبار لاسباب شتّى ، الظروف الموضوعية والذاتية التي تجعل هذه الجماهير ، ان تحتكم الى الشارع في التظاهر والاعتصام ، على حكومة منتخبة عبر آليات ديموقراطية ، وساهمت " الجماهير " في انتخابها ، ايماناً منها في ان تحقق هذه الحكومة ان كانت حزبا او قائمة انتخابية او ائتلافا ، برامجها التي طرحتها اثناء الانتخابات ، او على الاقل جزءا منها ، خصوصا تلك التي على تماس مباشر مع الحاجات المطلبية الخدمية .

اعتقد ان الحراك السياسي الاجتماعي في الدول العربية ، الذي بدأت بوادره منذ انهيار نظام البعث الدموي في نيسان 2003 ، لتأخذ ملامح تظاهرات واعتصامات وثورات . لم تأتي نتيجة " الفيس بوك " او احراق " بو عزيزي لنفسه " مع احترامنا العميق للشهيد بو عزيزي ولتأثير " الفيس بوك " كوسيلة للتواصل الاجتماعي لها فعلها وتأثيرها الكبيرين ، في حشد اكبر عدد ممكن من الجماهير حول مطالب محددة ، مثلما يعتقد البعض . بل بدأت مطالبها بالاصلاح السياسي والاجتماعي والغاء مبدأ التوريث ، الذي نجح في بلد ما ، ما اعطى حافزا لانظمة بلدان اخرى للعمل على نفس الهدف . وعندما فشلت تلك المطالب في اجبار الحكومات ودفعها نحو الاصلاح ، نراها تبنت ، شعارات اكثر راديكالية ، وهي اسقاط الانظمة التي لم تتعامل مع التظاهرات كجزء من مرحلة تاريخية جديدة ، وبقيت عاجزة عن فهم وادراك المشهد السياسي العام . الذي بدأ ينحو بفعل الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، بعيدا عن عقليات هذه الانظمة التي تكلست لطول بقائها في الحكم ، وانهيار اسباب بقائها باستشراء الفساد ، وتضخم الثروات عند طبقة مخملية من القطط السمان ، مقابل الملايين من العاطلين ، والازدياد الكبير في عدد الفقراء ، اضافة الى ديكتاتوريتها وعدم وجود معارضة حزبية حقيقية ، ما ادى في النهاية الى رحيلها عن المشهد السياسي الذي احتلته لعقود .

ان مجرى التاريخ يتغير نتيجة فعل الجماهير وتلاحمها ، في دفاعها لانتزاع حقوقها من السلطات الحاكمة . وهذا الفعل يكون في حالة مد وجزر على الدوام ، اذ من غير الممكن ، او على الاقل لم ينقل لنا التاريخ لليوم ، وقائع احداث كبيرة " جماهيرية " كانت قد بدأت وانتهت بنفس الزخم الجماهيري . ولو تركنا تجربة الثورة الفرنسية التي بدأت بوادرها بحركة فكرية رمت اولى الاحجار في مستنقع الاضطهاد ، لتعلّم الجماهير مباديء الاعتراض والتمرد وصولا الى الثورة ، بما يقارب 200 عام من تاريخ الرابع من آب / اغسطس 1789 . ونظرنا الى تجربة قريبة علينا جغرافيا وتاريخيا ، اي تجربة الثورة الايرانية التي نجحت في شباط 1979 بالقضاء على اعتى نظام قمعي حينها في المنطقة ، اي النظام الشاهنشاهي . وتابعنا سير احداث الثورة " ليس ثورة الكاسيت مثلما روّج البعض حينها مستهزءا " ، لرأينا ان اولى بوادرها بدأت بمظاهرات طلابية في طهران ، ذهب ضحيتها ما يقارب السبعين طالبا . لتبدأ بعدها تظاهرات واعتصامات متفرقة في مختلف المدن الايرانية ولاشهر عديدة ، ولم تكن تلك التظاهرات والاعتصامات بنفس الزخم والعدد ، بل كانت اعداد المتظاهرين تزداد وتنقص بين فترة واخرى ومن مدينة لاخرى .الا انها كانت تتسع كثيرا ، كلما امعنت السلطة في قمعها ، وكلما كانت هناك ضحايا بين المتظاهرين. وهذا يعني ان الاستهزاء باعداد المتظاهرين في اي بلد كان ومنه العراق ، هو عبارة عن قصر نظر سياسي كبير ، فالاحداث الكبيرة تبدأ دائما من فعل صغير ، لتصل امواجها في النهاية الى شاطيء تحدد الجماهير شكله النهائي .

ودعونا الان نعود الى العراق وتظاهرات الجماهير التي بدأت منذ شباط العام الجاري ، تلك التي شكّكت فيها النخبة السياسية الحاكمة واحزابها واعلامها وكتابها. ورجال الدين الطفيليين ، الذين أيدوها بداية الامر قبل ان يعودوا ويغيروا رأيهم فيها ، بنصيحة سياسية طائفية محضة ، ليست بعيدة عن نصائح دولة جارة ما فتئت كما دول الجوار الاخرى في تدخلها بالشأن العراقي . ولنصل الى تظاهرة الجمعة 9 / 9 / 2011 . لنتساءل ان كان للجماهير الحق في التظاهر ام لا ومتى ؟ وهل مطالبها شرعية ام لا ؟ وهل جميع المتظاهرين ، هم من اعداء العملية السياسية ؟

على الرغم من المآخذ العديدة على الدستور وتشبيهه بحقل الغام من قبل سياسي بارز ، وعلى المفوضية العليا " المستقلة " للانتخابات من قبل نفس السياسي ، وعدم وجود قانون للانتخابات وبغياب قانون للاحزاب . الا اننا نستطيع ان نشير الى حقيقة مهمة جدا وهي ، ان الحكومة الحالية بأحزابها الحاكمة ، وصلت الى السلطة عبر انتخابات ديموقراطية ، صوّتت فيها الجماهير لمن توسمت فيه الخير لها ولوطنها ، آملة ان تحقق لها هذه الاحزاب ليس ما تطمح اليه ، بل الحد الادنى مما الزمت به هذه الاحزاب نفسها مما وعدتهم به على الاقل . اذن فالنظام السياسي في العراق وعلى عكس العديد من الانظمة السياسية في المنطقة يعتبر نظاما ديموقراطيا " لحدود معينة " ، وهذه الديموقراطية منحت الجماهير وفق الدستور حقها في التظاهر . اذن فالتظاهر ليس منّة من مسؤول في الدولة او حزب سياسي او كتلة برلمانية ، والحكومة كسلطة تنفيذية كما غيرها من السلطات في البلد ليس لها الحق في تحديد زمان ومكان الاعتصام والتظاهر ، نعم تستطيع فعل ذلك اذا غيّرت مصطلح التظاهرة الى مسيرة تأييد ، مثلما حشدت بلطجيتها في ضرب متظاهرين مناوئين لسياستها ، كما حدث في ساحة التحرير ، عندما اعتدى اتباع الحكومة المسلحين بالعصي والهراوات والاسلحة الباردة على المتظاهرين ، امام مرأى وسمع مئات العسكريين ورجال الامن العراقيين .

وغالبا ما تتظاهر الجماهير ان كانت لها مطالب ، وفي بلد كالعراق كما دول المنطقة ، يجب ان تكون اسباب التظاهر واقعية ومنطقية ومقبولة ، ولا تتنافى مع قيم المجتمع واخلاقه . فعلى سبيل المثال لا يجوز ان يتظاهر المثليون ، كما يتظاهرون في بعض البلدان الاوربية ، ليس لان الشعب العراقي شعب يحترم الاديان على اختلافها فقط ، بل لانها بعيدة عن اخلاقنا وقيمنا وتقاليدنا الاجتماعية . ولكن ان تتظاهر الجماهير لان الحكومة فشلت في تلبية حاجاتها الاساسية من توفير خدمات لم تعد ترفا ، كالماء الصالح للشرب والكهرباء والمدارس والمستشفيات . ان تتظاهر للمطالبة بعدم اعتماد الطائفية والقومية والحزبية معياراً لوطنية العراقي . ان تتظاهر مطالبة الحكومة بالقضاء على الفساد المستشري في اوصال الدولة ، وتوفير فرص العمل لمئات الالاف من العاطلين . ان تتظاهر من اجل ان تأخذ الحكومة دورها في الضغط على دول الجوار ، وهي تقطع الانهار والجداول عن البلد من اجل تجفيف اراضيه والقضاء على القطاع الزراعي ، او تعمل على خنقه ببناء ميناء على رئته المائية الوحيدة . ان تتظاهر لعدم تشكيل حكومة لليوم ، وانهيار الوضع الامني نتيجة الصراع غير المبرر على وزرات الدفاع والداخلية . ان تتظاهر من اجل وضع حد للترهل الحكومي وتأثيراته على القرار السياسي . اقول ان تظاهرات الجماهير لهذه الاسباب مجتمعة وغيرها ، تعتبر حقا مشروعا ودستوريا ، والخائن هو من يخّون الجماهير في تظاهراتها هذه . لان اشتراك عناصر هدفها اسقاط العملية السياسية وليس اصلاحها امر ممكن ، لكن هذا الامر الممكن لا يعني ابدا مطالبة الجماهير بعدم التظاهر . كما وانه من الصعب جدا بل ومن المستحيل ، ان تمنح المنظمات والجهات الوطنية التي هدفها اصلاح العملية السياسية وليس اسقاطها ، شهادات حسن سير وسلوك لجميع المتظاهرين . وكيف تستطيع فعل ذلك ، ونحن نرى الحكومة باجهزتها الامنية واستخباراتها ، عاجزة عن منح مثل هذه الشهادة لوزراء وبرلمانيين ، من قوائم مختلفة متهمين بالفساد والرشوة وسرقة المال العام ، بل ان البعض منهم متهم بالارهاب وهناك بحقه مذكرة توقيف .

ان تظاهرات ساحة التحرير ومنها تظاهرة 9 / 9 / 2011 ليست ضد العملية السياسية والقفز على النظام الديموقراطي ، مثلما يريد ان يسّوق البعض ذلك ، بل هي من صميم آليات العملية الديموقراطية . واذا كان الامر مثلما تريد الحكومة واحزابها المتنفذة وكتّابها تسويقه ، فهذا يعني ان تظاهرات فلاحي فرنسا ضد الحكومة ، واضرابات سائقي النقل العام في الدنمارك لتحقيق حقوق نقابية ، يصبّان في خانة العداء للعملية السياسية ، وقفزا على قيم الديموقراطية واين ؟ في مهد الديموقراطية فرنسا ، وبلد اسكندنافي يتعلم فيها ليس ابن البلد فقط ، بل لاجئيه والمقيمين وابنائهم ، عدا بعض السياسيين العراقيين ورجال الدين الذين عاشوا فيه قبل سرقتهم له وتهربهم من دفع الضرائب ، مباديء الديموقراطية وهم في رياض الاطفال كالدنمارك .

كلمة لابد منها : حتى لو كان عدد المتظاهرين تحت نصب حرية الشعب العراقي عشرة مواطنين لا غير ، فأن صوتهم سيكون عاليا جدا ، وانهم اللبنة الاولى لنضال طويل وقاس ضد الفساد والطغيان الديني والقومي والبعث ، وممارساتها البعيدة عن روح المواطنة ، ناهيك عن روح الديموقراطية .

 

الدنمارك
7 / 9 / 2011


 


 

free web counter