| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

زكي رضــا
rezazaki@hotmail.com

 

 

 

                                                                                    الثلاثاء 3/5/ 2011



الچكليت والمعمم والبقر

زكي رضا

لم تكن النوادر الدينية والضحك منها يوما ما بعيدة عن ثقافة المجتمعات الاسلامية في كل عهودها الا عهدنا هذا ، ولو تتبعنا هذه النوادر في المؤلفات التي تركها لنا العديد من الادباء والشعراء والمؤرخين ، لوجدنا انهم نقلوا مروياتهم عن العديد من الفقهاء ورجال الدين والعلماء والخطباء والساسة وغيرهم ، بل وصل بهم الامر في نقل احداث عن النبي محمد والعديد من صحابته واهل بيته دون ان يكفرهم احد ، او يتوعدهم بالقتل ، وحادثة ( هيت ) المخنث الذي لم يكن النبي يحجبه عن نسائه ، حتى ساعة حديثه الى عبد الله بن ابي امية ، اخي ام سلمة زوجة النبي (1) ، لدليل على تلك الفسحة من الحرية في الكلام حينها والتي نفتقدها اليوم  بفعل الارهاب الفكري لتيارات الاسلام السياسي وبعض المعممين ، من الذين يستمع اليهم الجهلة من العوام وغالبيتهم من الاميين . الذين لدينا منهم اليوم في العراق لوحده ما يقارب التسعة ملايين أمي و أمية  (2) وذلك بعد فشل الحكومات العراقية منذ بداية الحصار على شعبنا ووطننا ولليوم في الحد من هذه الآفة الاجتماعية ، التي انتجت ولا زالت جيشا من الجهلة ، من الذين يصدقون حتى الترهات ما دام قائلها معمم ، حتى وان كان هذا المعمم يسيء للعمة التي على رأسه ، بعد ان حوّلها ولاغراض سياسية بحتة الى تجارة يعود ريعها الى رجالات احزاب الاسلام السياسي ولا يحصل منها المؤمن الا على  (چكليته ) ، اما الخدمات من كهرباء وماء  والعمل والتعليم والصحة وغيرها الكثير ، فاننا سنحصل عليها على ما يبدو ( ببقلاوايه ) على اساس ان المؤمنون حلويون .

والان وقبل الخوض في المقالة ، فانني اتمنى على القاريء ان لا يتهمني من انني اسيء الى ابناء شعبنا من خلال النص الذي سأورده ، لان النص ليس لي ، وانما اتيت به من كتب التاريخ الذي لازلنا نتغنى بأمجاده ، في الوقت الذي وصلت فيه امم لا تملك تاريخا كتاريخنا ولا حضارة كحضارتنا ( ولا دين كديننا مثلما يقال لنا ) الى غزو الفضاء وصناعة كل ما نحتاجه في حياتنا من الميكرفون الذي يتحدث به المعمم الى ( الچكليته ) التي يوزعها على البسطاء من الناس . ولم تصل هذه الامم الى ما هي عليه اليوم في امتلاكها لناصية العلم الا بالتعليم والدرس ، وليس بالجهل والخزعبلات  ، وذلك بعد ان ابعدت رجال الدين ومن يدور في فلكهم عن التعليم ومناهجه ، احتراما للمؤسستين الدينية والتعليمية سوية .

يروى ان عثمان الوراق قال : رأيت العتاّبي الشاعر يأكل خبزا على الطريق ، بباب الشام ، فقلت له : ويحك اما تستحي ؟ فقال لي : أرأيت لو كنا في دار فيها بقر ، أكنت تستحي وتحتشم ان تأكل وهي تراك ؟ فقلت : لا ، فقال : فأصبر ، حتى أعلمك أنّهم بقر ، فقام ، ووعظ ، وقصّ ، حتى كثر الزحام عليه ، ثم قال لهم : روى لنا غير واحد ، انّه من بلغ لسانه أرنبة أنفه ، لم يدخل النار ، فما بقي واحد ، الا وقد أخرج لسانه يومىء به نحو أرنبة أنفه ، ويقدّره هل يبلغها أم لا ، فلما تفرقوا ، قال لي العتّابي : ألم أخبرك أنّهم بقر . (3)  ( الاغاني ج 13 ص 114 )

لقد كتبت اعلاه بعد ان اثارني مقطع من اليوتيوب (4) يجلس فيه معمم امام الالاف من الاشخاص ليقول بعد ان حضّر ما مقداره طن وربع الطن من ( الچكليت ) ليتم توزيعها على الحضور ، بعد ان اقسم بالله العظيم ، على ان واحدة منها كافية لعلاج عشيرة كاملة من نساء ورجال واطفال من مختلف الامراض التي يعانون منها ، ولم يقل المؤمنون من ابناء هذه العشيرة ، وهذا يعني ان السيء منهم سيشفى ايضا حال تناوله هذه ( الچكليته ) المباركة ، ولم ينسى معممنا هذا ان يقسم بالله العظيم ايضا على ان جميع حاجيات الناس ونياتهم تحل وتتحقق بفعل هذه (الچكليته) السماوية على ما يبدو ، على اساس ان بني اسرائيل ليسوا بافضل منا عندما انزل الله عليهم من عليائه المنّ والسلوى .

بهذه العقلية تعمل الاحزاب الدينية على تثبيت دعائم سلطتها ، فبدلا من ان تعمل على بناء المدارس وتأهيلها واتباع الطرق التدريسية والتربوية الحديثة لبناء جيل قادر على تحمل اعباء المسؤولية الكبرى في بناء وطن مدمر ، نراهم يعملون على توسيع مثل هذه الممارسات الخاطئة مستغلين جهل الناس واليأس الذي حل بهم بعد ان فشلوا خلال السنوات الثمان الماضية في توفير ابسط مستلزمات العيش الكريم لشعبهم .

ان الحديث عن بناء دولة مؤسسات او ما يقال كذبا عن دولة قانون في ظل تشجيع مثل هذه العقليات والسماح لها بالتأثير السلبي على ملايين البسطاء تعتبر جريمة كبرى بحق الوطن والمواطنة ، اذ من غير الممكن بناء دولة وامثال هؤلاء يلوثون عقول البسطاء بالشكل الذي جاء في خطابهم .  وهذا الامر لا تتحمله الحكومة وحدها ، بل والمؤسسة الدينية التي عليها ان تعيد لنفسها بهائها وصفائها ورونقها وذلك بمحاربة امثال هؤلاء المعممين الذين اساءوا ويسيئون لاسم رجل الدين ويجعلونه هزءا .

ختاما اتمنى ان لا يكون من كان يستمع الى ما قاله هذا المعمم بقرا ليصدق ترهاته  وامثاله ، ولكنني وفي ظل حكم الاسلاميين الذين مسخوا النفوس والعقول فطلبي يبدو انه سيكون بحكم من يطلب من ربه شططا .

قال احد الشعراء ( معجم الادباء ج 1 ص 13 – 14 )

كفى شرفا للعلم دعواه جاهل ................. ويفرح أن يدعى اليه وينسب

ويكفي خمولا بالجهالة أنّني .................أراع متى أنسب اليها وأغضب
 

(1) كان هيت المخنث يدخل على أزواج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فدخل ذات يوم دار أم سلمة وهو – صلى الله عليه وسلم – عندها . فأقبل على أخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية فقال : ان فتح الله عليكم الطائف فسل أن تُنفل بنت غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي ، فانها مبتلة هيفاء ، شموع نجلاء ، تناصف وجهها في القسامة ، معتدلة في القامة ، جامعة للوسامة ، ان قامت تثنت ، وان قعدت تبنت ، وان تكلمت تغنت ، أعلاها قضيب ، واسفلها كثيب ، في شيء بين فخذيها كالعقب المكفأ، كما قال قيس بن الخطيم

تغترق العين وهي لاهبة .............. كأنما شف وجهها نُزف

بين شكول النساء خلقتها ............. قصد فلا جبلة ولا قضَف

فسمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله فقال : ما لك سباك الله ، ما كنت احسبك الا من غير أولي الاربة من الرجال ، ولذلك كنت لا احجبك عن نسائي . وأمر أن يسير الى ( خاخ ) فدخل بعض الصحابة في اثر الحديث فقال : أتأذن لي أن اتبعه فأضرب عنقه . قال : لا ، انا قد أمرنا أن لا نقتل المصلين . " التذكرة الحمدونية ج 5 ص 307 " .

(2) راديو نوا
http://ar.radionawa.com/Detail.aspx?id=4644&LinkID=63&AspxAutoDetectCookieSupport=1

(3) الاغاني لابي فرج الاصفهاني " ج 13 ص 114 .

(4)  http://www.youtube.com/watch?v=1zyZqlJauEs&feature=player_embedded

 

الدنمارك
2 / 5 / 2011


 


 

free web counter