|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  31  / 1 / 2019                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

التحالفات اليسارية مع القوى الدينية في تجربتين

زكي رضا
(موقع الناس) 

"هذه المادة كتبت في السادس عشر من شهر آب/ أغسطس 2018 ، ولم أنشرها وقتها لظروف معينة. الا أنّ الدور الكبير للحزب الشيوعي السوداني وقيادته الجماهير في تظاهراتها ودعوته لإسقاط النظام الإسلامي المتخلّف ببلده، والذي بالحقيقة هو أقل فسادا وعمالة من نظامنا السياسي اليوم في بغداد، علاوة على عدم إمتلاكه " النظام" لعشرات الميليشيات المنفلته وعدم تمثيلها إن وجدت تحت قبّة البرلمان، والحراك الجماهيري الكبير في لبنان ودور الشيوعيين فيه، والدور المحوري للإتحاد العام التونسي للشغل في مواجهة الحكومة بقوّة الجماهير، دفعتني لنشر المقال اليوم".

التحالفات والإئتلافات والجبهات في أي بلد تمليها دوما الظروف السياسية في ذلك البلد وطبيعة الصراع الإجتماعي والسياسي فيها، ومن البديهي أن تكون التحالفات والجبهات هذه ممثُّلة بأحزاب سياسيّة تعبر عن مصالح طبقات وفئات طبقية وإجتماعية متباينة والتي يجمعها هدف آني مرحلي أو إستراتيجي بعيد المدى. والأحزاب اليسارية وهي تتحالف تكتيكيا مع قوى بعيدة عنها آيديولوجيا فأنها تبتعد عن الإنعزاليّة والتقوقع خدمة لمصالح طبقات وشرائح إجتماعية أوسع من التي تمثّلها عادة، لكن عليها أن تحتفظ بإستقلاليتها التنظيميّة والفكرية والسياسية وأن تتعامل مع المستجدات السياسية دائما لمصلحة الطبقة التي تمثلها، كما وعليها أن لا تفوّت الفرصة في نقد الحليف أو الحلفاء عن أي نهج سياسي بعيد عن البرنامج المتفق عليه، أو بعيد عن مصالح الجماهير لأي سبب كان.

على اليسار وهو يتجه الى قيام تحالفات وإئتلافات وجبهات أن يبدأ اولا في لملة أطياف اليسار التي تناضل معه على الساحة السياسية، كون أهداف الأطراف اليسارية ولغتها السياسية أقرب الى بعضها البعض رغم الخلافات التنظيمية بينها من أهداف الأحزاب والتنظيمات الغير يساريّة، علما أن النقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب المدنية الطابع كالخضر تمثل إمتداد وإن غير تنظيمي لليسار في البلدان ذات النظم الديموقراطية، والتي على اليسار أن يكون حريصا على الإلتقاء بها والتحالف معها لتشكيل جبهة أو تحالف أوسع للقوى اليسارية المدنية وهي تخوض غمار الحياة البرلمانية.

على اليسار وهو يبحث عن مكان له على الخارطة السياسية أن لا يربط سياسته بالتحالفات فقط، بل التوجه وهو الأهم نحو الجماهير غير المنظمّة والتي تمتلك المبادرة حين يكون اليسار ضعيفا، وعدم تركها " الجماهير" لخوض النضالات المطلبية لوحدها ودون تنظيم. لأنّ الجماهير وقتها ستفقد الثقة باليسار وتبتعد عنه، بل وتعاقبه عن طريق إبعاده عن ساحات نضالها، علاوة على خسارتها معاركها كونها دون قيادة ميدانية حقيقية والممّثلة أساسا بالطرف صاحب المصلحة الحقيقيّة بالتغيير وهو اليسار. الحزب اليساري الحقيقي والذي يمتلك أدوات التحليل العلمية وتجارب ثرّة وطويلة من النضال، عليه أن لا يضع ثقته الا بالجماهير التي تمتلك حاسّة ثورية تتحول وفق التجارب التأريخية الى مرجل ثوري قادر على تغيير الأوضاع عند نقطة محدّدة تفرضها صيرورة الحراك الجماهيري وقتها، وعلى اليسار أن يكون حاضرا لركوب موجة الجماهير هذه وقيادتها من خلال تواجده بينها وصياغة الشعارات وفق الظروف الموضوعية عند تلك النقطة والتي قد لا تتكرّر الّا بعد فترة زمنية لا يُعرف مداها. وعدم وصول الجماهير الى مبتغاها رغم نضالها المضني سيصيبها بالإحباط الذي يتطور الى عزوف عن النضال، وهو بحد ذاته عقاب لليسار وضربة موجعة له من جهة، ونصر للقوى المناهضة للجماهير ولليسار والقوى المدنيّة والعلمانيّة الديموقراطية من جهة أخرى.

أنّ فترة ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي أفرز واقع سياسي إقتصادي إجتماعي جديد ومغاير تماما للكثير من المفاهيم التي كانت حجر الأساس عند الحركات والأحزاب الشيوعية، فحزب الطبقة العاملة والنضال من أجل دكتاتورية الطبقة العاملة وغيرها من المفاهيم " المقدسّة" تراجعت لصالح العولمة والنظم الديموقراطية ومفاهيم العدالة الإجتماعية. فمفهوم العدالة الإجتماعيّة، مفهوم واسع ومتشعّب يضمّ في مساحته المجتمعية العديد من القوى التي تعمل على بناء دولة حديثة تكون فيها للحريّات الفردية قيمة مقدسّة. ومن الطبيعي أن يكون مفهوم العدالة الإجتماعية والوصول اليه بحاجة الى نظام سياسي يملك سبل توفير الأسس والقواعد والنظم والقوانين التي تسهّل تحقيق هذا الهدف، والنظام السياسي الذي يوفر كل هذه المستلزمات في هذه الحالة هو النظام الديموقراطي.

النظام الديموقراطي، وهنا نعني به النظام الديموقراطي الحقيقي بمؤسساته المنفصلة عن بعضها دستوريا، يتيح الفرص وفق برامج سياسيّة لأحزاب وتنظيمات تمثل مصالح وشرائح إجتماعية مختلفة في أن تتصارع فيما بينها ديموقراطيا للوصول الى السلطة، وتنفيذ برامجها السياسية الإقتصادية الإجتماعية. والصراع بين هذه القوى يفرز واقع سياسي تمليه الظروف المرحليّة لتلك الفترة التأريخية، وهذا الصراع يؤدي في أحيان معينة الى تحالفات قد تكون ستراتيجيّة ولمدى طويل أو تكتيكية هدفها آني أو لمدى زمني قصير، بين قوى ذات آيديولوجيات متقاربة أو إئتلافات بين قوى ذات برامج سياسيّة مرحليّة متقاربة مع متطلبات تلك الفترة التأريخية.

بعيدا عن تحالفات أطياف اليسار سواء كانت ستراتيجية أو مرحلية فيما بينها ومع القوى القريبة منها لتحقيق نتائج إيجابيّة في أنتخابات البلدان ذات النظم الديموقراطية للوصول الى قبّة البرلمان وتحقيق برامجهم السياسيّة، هناك إئتلافات آنيّة بين قوى متباينة فكريّا وآيديولوجيا قد تتشكل قبل الإنتخابات مع إحتفاظ كل طرف بإستقلاليته الفكريّة والتنظيميّة والسياسيّة، أو حتّى تحت قبّة البرلمان لأهداف محددّة، كتمرير قانون ما على صلة بحاجة الناس والبلد. فهل لليسار وهنا نعني اليسار العراقي كمثال على ذلك قراءة واضحة وعلمية وبعيدة عن التنظير الفكري والقوالب الجاهزة للتفاعل مع الواقع الإجتماعي الراهن بالعراق؟ هل هناك إمكانية لليسار في إستقطاب الجماهير التي أصابها اليأس وبدأت اليوم تتحرك لكسر حالة اليأس هذه والإحباط الذي لازمها نتيجة دفعها من مرجعياتها الدينية والسياسية الطائفية لتتمترس خلف شعارات طائفية وأثنيّة لم تنل منه الا الدمار والخراب الذي حلّ بها وبالوطن؟ هل اليسار بإئتلافه مع قوى دينية طائفيّة هي الاخرى، قادرعلى إستقطاب هذه الجماهير بشعارات حقيقية وواقعيّة لتغيير وليس إصلاح شكل العملية السياسيّة برمتها وعدم الإكتفاء بالشعارات المطلبيّة، بعد أن تبيّن أنّ الإصلاح ليس سوى ترياقا تخدّر به الجماهير ويستمر مفعوله (الترياك) لأربع سنوات قابلة للتجديد عند كل إنتخابات؟

خلال الفترة الأخيرة ظهرت وجهات نظر متباينة تجاه أوّل إئتلاف سياسي يضم شيوعيين علمانيين مؤمنين بالديموقراطيّة من جهة وإسلاميين غيبيين لاديموقراطيين مؤمنين بالمقدّس ولا تتحرك جماهيرهم وإن عانت الجوع والفقر والبطالة الّا وفق فتاوى دينيّة من جهة ثانيّة، إئتلاف يحاول البعض رسم صورة زاهية له إنطلاقا من القواعد الإجتماعية المبتلاة بالفقر والبطالة عند الطرفين، ولتصطدم الصورة الزاهية هذه بفقر وبطالة تطال الغالبية العظمى من الجماهير المسحوقة بالبلد من غير الشيوعيين والصدريين.

لكي نبتعد عن التتظير حول شكل التحالفات والإئتلافات، ولنبتعد قدر الإمكان عن التنظيرات التي تؤمن بإلتقاء "الشر والخير" و "اليمين واليسار" وتروّج له في مقطع تأريخي معيّن، كالذي يمر به اليسار العراقي اليوم. علينا أن نميّز بين تحالفات وإئتلافات جرت في بلدان لا يمثل فيها الدين ولا الطائفة ركنا مهمّا بل وأساسيا في حياة ذلك البلد، ولا وجود للمقدّس في الصراع من أجل تحقيق الديموقراطيّة ومبدأ العدالة الإجتماعية الذي أصبح اليوم بديلا عن الشعارات اليسارية كالإشتراكية ودكتاتورية الطبقة العاملة والشيوعية لظروف خارج إرادة اليسار اليوم، وبين تحالفات في بيئة دينية وطائفية وعشائرية كالتي عندنا بالعراق.

قبل أن نأخذ نظرية الكتلة التأريخية لغرامشي التي يراد لها أن تكون إنموذجا أو دليلا على الأقل لتحالف الصدريين والشيوعيين، وتجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وهو غير اللاهوت الأوربي المحافظ والميّال للمقدّس والذي نجد له شبه عندنا متمثلا بالحركات الشيعية التي لا تتحرك الا وفق الأوامريّة كما التيّار الصدري، مع ملاحظة أنّ الأمر لا يختلف عند جمهور بسطاء الشيعة من غير الصدريين الذين لم يتحركوا للقتال ضد عصابات داعش الإرهابيّة الا بفتوى من مرجعهم الطائفي!! نقول أنّه من الضروري التأكيد على أنّ جميع التحالفات التي كان الحزب الشيوعي طرفا فيها إنتهت دوما في غير صالح الحزب، بل وكان البعض منها مدمرا على المستوى السياسي والتنظيمي وسببا في إستشهاد الآلاف من خيرة بنات وأبناء الحزب.

لقد مال الحزب الشيوعي وإن بشكل غير رسمي "نشر العديد من المقالات في صحافته حول الغرامشوية والقواعد الفقيرة للشيوعيين والصدريين" منذ فترة الى نظرية الكتلة التأريخيّة لغرامشي وكأنّها تحمل حلا سحريّا لمشاكل شعبنا وخلاصه، ومتخذا منها سفينة نجاة للخروج من إرتباكه السياسي والذي هو في الحقيقية جزء من فوضى سياسيّة تعصف بالبلد، وعدم نجاحه لا كحزب أنتخابي ولا كحزب جماهيري قادر على قيادة الجماهير المستاءة من الأوضاع المزرية التي تعيشها من خلال تواجده الميداني بينها ورفعه شعارات تتناغم ومتطلبتها. فهل ظروف العراق المتخلف صناعيا والذي لا يمتلك طبقة عاملة فاعلة ولا نقابات عمالية نشطة ناهيك عن يسار قوي أو ذو أثر محسوس في المجتمع، تشبه الظروف في إيطاليا التي أنتجت قادة إصلاحيين من ماركسيين وليبراليين أفرزتهم نضالات الطبقة العاملة في المدن الصناعية وسعيهم مع رجال الدين الكنسيين المدافعين من خلال تعاليم الإنجيل والكنيسة عن الفقراء من خلال إيمانهم بعدالة الرب؟

عندما أعلن غرامشي نظرية الكتلة التأريخيّة في إيطاليا، كانت هناك نقابات عمالية فاعلة ونشطة تتظاهر وتعتصم وتضرب عن العمل من أجل حقوقها النقابية والعمالية، ومن خلال نضالها هذا كانت تطرح شعارات أبعد بكثير من مطالبها كطبقة. فقد تحركت وقتها لتتحالف مع ممثلي الجماهير الشعبية من غير اليساريين والشيوعيين خصوصا في الجنوب الإيطالي الفقير والذي كانت للكنيسة دور فاعل في صفوفها. وإذا ما أخذنا هذا التحالف كنموذج يُهتدى به مثلما يراد عندنا فعلينا التوقف عند نقطتين غاية بالأهمية، وهما وضعنا كيسار تنظيميا وجماهيريا ودور التيار الديني الذي إئتلفنا معه وحجمه وجماهيره، علينا أن نتوقف عند أهدافنا الآنية والمستقبلية ومدى نجاح تحقيقها في مثل هكذا إئتلاف.

كيسار وحزب شيوعي لا نستطيع الإدعاء من إننا ممثلين للطبقة العاملة الا نظريا، لأن الواقع يشير وبوضوح الى عدم وجود طبقة عاملة حقيقية بالبلد. فجميع المصانع والمعامل الموجودة مهملة أو تمّ بيعها بالكامل، ويقتصر العمل اليوم على المجال الحرفي في ورشات عمل صغيرة والتي تعاني هي الاخرى من نقص في إمدادات الوقود والطاقة الكهربائية، علاوة على غياب قدرتها على المنافسة في ظل عدم وجود قوانين تحمي الصناعات المحليّة. لذا نرى أنّ الطبقة العاملة أو بقاياها مشتتة تنظيميا، ولم يستطع اليسار ومن ضمنه الحزب الشيوعي العراقي من لمّ شملها وتوحيد صفوفها. فاليسار بشكل عام ومنهم الشيوعيين يعانون من مشاكل سياسيّة وتنظيمية عديدة، وهذا ما جعلهم يفقدون العديد من مواقعهم بين الجماهير التي كانت تنتظر منهم الكثير، مما زاد في يأسها أكثر من ذي قبل. لذا فمقارنة واقع اليسار في إيطاليا من خلال "الغرامشوية" مع واقع اليسار عندنا أمر طوباوي وبعيد عن واقعنا الرث الذي نعيشه على مختلف الصعد.

لنعود الآن الى الكنيسة ودورها في الجنوب الإيطالي الفقير وحملها راية العدالة الإجتماعية من خلال مفاهيم الكتاب المقدّس وتحالفها مع اليسار لتشكيل "الكتلة التأريخية" التي بشر بها "غرامشي"، ومقارنتها مع التيار الديني "الإصلاحي" للصدريين وإئتلافهم مع اليسار وبعض الحركات والأحزاب الليبرالية الهامشية من تلك التي لا تملك تأثيرا يُذكر على الساحة السياسية العراقية.

قبل تناول دور الكنيسة في إيطاليا وفي أوربا بشكل عام ومقارنتها بالمؤسسة الدينية التي عندنا، علينا العودة الى بعض المفاهيم التي قبلت بها الكنيسة نتيجة عدم قدرتها القفز على التغيرات الاجتماعية والسياسية التي كانت وقتها، ما دفعتها للتخلي عن الكثير من المسلمات " المقدسّة" التي كانت تؤمن بها وتدفع أتباعها للإيمان بها كوصايا "مقدسّة". ومن أهم هذه المفاهيم كانت "الليبرالية" التي شاركت من خلال تبنيها لها في الحياة السياسية، ما دفعها الى تحالفات وإئتلافات مع قوى قريبة منها وأخرى بعيدة آيديولوجيا، لتقوم بالنهاية برعاية مصالحها من خلال تأسيسها لنقابات عمالية وأحزاب مسيحية ديموقراطية تلك التي هيمنت على قيادة العديد من البلدان بعد الحرب العالمية الثانية ولعبت دورا بارزا في الحياة السياسية فيها. وعلى الرغم من كون الكنيسة محافظة مقارنة مع مثيلتها في أمريكا اللاتينية والتي سنأتي على ذكرها لاحقا، الا أنها تعتبر أكثر تقدّمية من المؤسسة الدينية الإسلامية. فقبولها بالديموقراطيّة كمبدأ للتداول السلمي للسلطة، وموقفها من الحريّات الفردية ومن ضمنها حريّة المرأة، وإشاعة الثقافة بكل حقولها ودعمها من قبل مؤسسات الدولة، وتبنيها لقضايا حقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم والقيم الليبرالية. هذه القيم والمفاهيم جعلت من إئتلافات وتحالفات اليسار والإشتراكيين الديموقراطيين وغيرهم من قوى ليبرالية مع الأحزاب المسيحية الديموقراطية أمرا ممكنا، فماذا عن طبيعة التيارات الدينية ومنها التيار الصدري الذي تحالف مع الحزب الشيوعي العراقي في تحالف "سائرون"، وهل يؤمن الصدريون أو بدقّة أكثر زعيمهم "مقتدى الصدر" بالمفاهيم الليبرالية التي آمنت بها الكنيسة كجهة دينية، وهل يؤمن الصدر على المدى البعيد بالديموقراطيّة كمبدأ للتداوال السلمي للسلطة؟

الديموقراطية تعني "حكم الشعب لنفسه"، وهذا المبدأ وجد له قبولا عند الكنيسة، فهل هناك قبول لها في الإسلام؟ لو أردنا توخي الدقّة في نظرتنا لها إسلاميا، لجزمنا من أنّ الديموقراطية لا تعني الا الكفر عند الإسلاميين، ليس من خلال مفاهيم وطروحات مفكرين وسياسيين إسلاميين فقط بل من خلال القرآن الذي يقول "إنّ الحكم الا لله". لقد تطرقت الى مفهوم الديموقراطيّة لأقارن من خلالها بين موقف رجال الدين المسيحيين في إيطاليا وأوربا وتيار سياسي إسلامي يقوده مقتدى الصدر من قضايا جئنا على ذكر بعضها أعلاه، لنرى إن كانت هناك رؤئ متطابقة أو قريبة من بعضها بين الشيوعيين والصدريين حولها. فمثلا ما هو موقف الشيوعيين من قضايا المرأة وحريّتها مقارنة مع موقف الصدريين وجميع الاسلاميين المؤمنين بقوامة الرجل على المرأة وفق نص قرآني غير قابل للتأويل؟ ماذا سيكون موقف الشيوعيين لو تقدم إسلاميّ من أي حزب كان بإقتراح تبني وإقرار القانون الجعفري وزواج القاصرات، والذي سيتبناه الصدريون حتما كتكليف شرعي؟ ماذا سيكون موقف الشيوعيين من قوانين تحدّ من الحريّات الشخصية التي تتنافى والمفاهيم والقيم الإسلامية وفق وجهة نظر الاسلاميين، والتي سيتبناها الصدريون هي الاخرى أيضا كونها جزء من تعاليم الدين وغيرها الكثير من الأمثلة؟

الإسلام كدين وفكر وممارسة وعلى الرغم من سعته الإجتماعية في بلد كالعراق لا يستطيع ان يقدّم مشروع بناء دولة، ليس بسبب الصراعات الكثيرة بين أقطابه فقط بل كونه منقسم على نفسه تأريخيا. كما وأنه لا يحمل مشروعا ثقافيا قادرا على بناء جسور للثقة بين مكونات شعبنا المختلفة، علاوة على تعزيزه وحمايته لأكثر النظم تخلفا في عصرنا هذا، وهو النظام العشائري. لذا فأنّ التعويل على الأحزاب التي تخرج من رحمه في بناء دولة مؤسسات هو ضرب من الجنون، وموقفهم من طبيعة الصراع في بناء شكل الدولة وتحالفهم أو إئتلافهم مع قوى يسارية لا يمكن مقارنته بالمرّة مع ما يسمّى بلاهوت التحرير في امريكا اللاتينية إذا ما أردنا أخذ هذه التجربة الناجحة هي الأخرى كمثال لتطبيقه ببلدنا المتخلف ثقافيا وإجتماعيا وسياسيا.

يعتقد اللاهوتيون في امريكا اللاتينية من أن البحث عن المسيح لتحقيق العدالة الإجتماعية، يجب أن ينطلق من وضعه كإنسان لا كنبي. وهنا تحديدا يتقاطع اللاهوتيين مع جميع الحركات الإسلاميّة التي تنطلق في بحثها عن العدالة الإجتماعية "إن بحثت عنها" من خلال محمّد، هو أنّ محمد مقدّس وفي هذه الحالة فأنّ صفته هي أن يكون فوق البشر. وهنا تكمن المشكلة مع التيارات والأحزاب الشيعية. فمحمّد عند الأحزاب الشيعية ورغم قدسيته الا انه يأتي في مراتب متأخرة مقارنة مع أئمة الشيعة الأثني عشرية بل وحتى مقارنة بإبنته فاطمة. وهذا يعني أننا أمام إشكالية كبيرة من خلال تحالف اليسار مع قوى شيعية طائفية، فهذه القوى قد تتحاور معك في كل شيء الا في حقها بالهيمنة والسيادة والقيادة كونها تمثل المقدّس. وهنا تحديدا نكون أمام الإشكالية الأكبر، كون أي تحالف مع هذه القوى قد ينهار أمام فتوى دينية من أي رجل دين خصوصا إن إدّعى من أنه من نسل فاطمة أي من النسل المقدّس كما مقتدى الصدر.

كما وأنّ اللاهوت في أمريكا اللاتينية والذي تحالف مع اليسار وساهم وشارك بفعّالية في الثورات التي إنطلقت هناك ضد الإستعمار لتحرير شعوب بلدان المنطقة، أكّد في برنامجه السياسي على أمر مهم للغاية والذي لن تبلغه الحركات الإسلامية مطلقا ليس اليوم فقط بل وعلى مدّ التأريخ. هذا الأمرهو"أولوية علم الإنسان على علم الكنيسة"، علاوة على إيلائها أولوية للنقد على العقيدة. هذه هي بعض أوجه لاهوت التحرير النيّرة، فهل هناك ما يقابلها عند التيارات الإسلاميّة ومنها التيار الصدري، الذي لم يكتفي بالمقدس الديني فأضاف اليه هالة المقدّس الشخصي الممثل بشخص مقتدى الصدر؟

أنّ تجربة اليسار في تحالفه مع الكنيسة في كل من إيطاليا وأمريكا اللاتينية، لا يجب أن تكون مدخلا لتحالف يساري طائفي تحت حجة تشابه وتداخل القاعدة الإجتماعية عند الطرفين. فالأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية في التجربتين مختلفتين كليا عن تجربتنا المشوهة. وقد أثبتت التظاهرات الأخيرة "التموزية" من أنّ تحالف سائرون هو تحالف نخبوي وليس تحالف على مستوى القاعدة، فعلى الرغم من الزخم الكبير للتظاهرات ومطالبها العادلة رأينا عزوف الصدريين عن المشاركة فيها ومتابعة زعيمهم لها من خلال التلفاز. وقد حذت قيادة الحزب الشيوعي العراقي حذو الصدر في عدم مشاركتها تظاهرات شعبنا كحزب رسميا وليس على مستوى القاعدة التي شاركت في التظاهرات بفعّالية، وهذا ما وضعها وسيضعها مستقبلا أمام الكثير من الأسئلة المحرجة من قبل الجماهير التي يبدو أنها رفضت وترفض مشاركة الأحزاب في حراكها، وهذا بحد ذاته ضربة موجعة للحزب الشيوعي الذي كان عليه التواجد الفاعل في هذا الحراك بل وقيادته. أن تحالف سائرون هو تحالف حزب بكل تأريخه النضالي مع شخص واحد هو مقتدى الصدر، الذي بيده جهاز سيطرة عن بعد يحرّك فيها جماهيره متى ما أراد، فهل الجهاز هذا هو من يتحكم بنشاطنا الجماهيري ويقودنا أيضا!؟

لو عدنا الى المثال العراقي وإستنادا لغرامشي من جديد، فالحزب الذي يعبّر عن مصالح الطبقة العاملة هو الذي عليه تشكيل "الكتلة التأريخيّة" عن طريق زجّ أكثر الفئات والطبقات الإجتماعية تضررا في النضال اليومي والمطلبي، وحينها سينتقل من موقع الأقليّة الى موقع الأكثريّة معتمدا على قوة الجماهير هذه. أمّا تركه للجماهير، أو مشاركتها تظاهراتها وإعتصاماتها موسميا وقبوله في أن يكون أقليّة في تلك الكتلة التأريخية، فأنه وفي هذه الحالة يحكم على نفسه بالتقوقع والأنعزال ويرضى في أن يكون حزبا هامشّيا.


 

الدنمارك
31/1/2019






 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter