|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين 23/7/ 2012                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

حول اللقاء الاخير بين الحزب الشيوعي العراقي والسيد المالكي

زكي رضا

لقد تناولت العديد من الاقلام خلال الاونة الاخيرة لقاء قيادة الحزب مع السيد رئيس الوزراء نوري المالكي، والذي بحث فيه الطرفان الازمة التي اصابت الحياة السياسية بالشلل بعد ان اقتصرت اعمال الكتل السياسية التي تشكل حكومة المحاصصة على توجيه الاتهامات لبعضها البعض مستخدمة كل الاساليب القانونية منها وغير القانونية والشرعية منها وغير الشرعية في هذا الصراع. فهل لهذه الاقلام الحق في تناول هذه المسألة المهمة؟ وهل لقيادة الحزب الحق في رفض "تدخل" هؤلاء الكتاب في هذا الشأن؟

دعونا هنا ان نتناول بشيء من التبسيط ومن دون المضي في متاهات النظريات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفلسفية، موقف الحزب من امور هي في نظري غاية في الاهمية وتعتمد عليها في نهاية المطاف شكل الدولة ومساهمة الحزب مع بقية القوى الديموقراطية لبناء دولة عابرة للطائفية والقومية ،تلك التي دعا الحزب اليها مبكرا على عكس الاخرين، وما يتفرع منهما من ضيق افق قومي وحزبي وعشائرية ومناطقية والغاء للاخر. ولكي اكون اكثر دقة فانني سأتناول مشاركة الحزب في الانتخابات سواء تلك التي مضت وفشل فيها الحزب من ايجاد موطيء قدم له في السلطة التشريعية او تلك التي سيشارك فيها مستقبلا بعد ان انضم الحزب الى التيار الديموقراطي وساهم في تشكيله، والذي ان تم تفعيل عمله (التيار الديموقراطي) بالشكل الذي نتوخاه وفي ظل قانون انتخابي منصف وقانون احزاب عصري وادارة مهنية مستقلة لمفوضية الانتخابات واحصاء سكاني علمي، فان التيار ومعه الحزب سيكون لهما كلمتهما التي ستتطور بتطور العملية الديمقراطية وهذه ليست امنية قدر ما هي واقع ستفرزه الاحداث وتزكيه الحياة.

ان العلاقات المميزة بين الحزب والاكراد ولقاء الرفيق ابو داود بالسيد مسعود البارزاني بعد لقاءه وقيادة الحزب بالسيد نوري المالكي ترجمها الكثيرون ومنهم شيوعيون كثر، على انها شكل من اشكال الوساطة بين الطرفين لتقريب وجهات النظر بينهما على الرغم من نفي الحزب لهذه الامر في صحافته او من خلال لقاء الرفيق ابو داود مع صحيفة الاتحاد وسكوت الطرفين الاخرين.

ان تتحرك قيادة الحزب الشيوعي في مثل هذه الظروف الدقيقة التي يمر بها البلد من اجل تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين لتجاوز حالة الركود والشلل التي ضربت العملية السياسية برمتها واثرت بشكل مباشر على حياة الناس لتجاوزها واعادة العافية اليها يجب ان يكون من صلب اهتمامات الحزب، وليس هناك ما يدعو من وجهة نظري الى التملص من تبنيها امام وسائل الاعلام. فالحزب في النهاية حزب سياسي تهمه مصلحة شعبه وله مصالحه ومصالح جماهيره التي عليه ان يدافع عنها ومن خلال دفاعه عن هذه المصالح عليه ان يكون مساهما في الحراك السياسي الجاري في البلد، ولقاء قيادة الحزب بالسيد المالكي هو جزء من هذا الحراك السياسي كباقي لقاءات الحزب مع العديد من القوى السياسية الاخرى. ولكن الذي اريد ان اشير اليه هنا هو امكانية انضمام الحزب الى تكتل كالذي اشار اليه وتناوله السيد المالكي في لقاءه الاخير مع قيادة الحزب.

ان الرفيق الجزائري رسم لنا صورة واضحة تقريبا عن موقف الحزب وامكانية دخوله ضمن ائتلاف عابر للطوائف بقيادة السيد المالكي الذي قال في لقاءه مع قيادة الحزب من ان نجاح تحرك العراق للامام مرهون بتشكيل تكتل غير طائفي عابر للطوائف يضم المتدين والعلماني، المسلم والمسيحي، العربي والكردي، المحجبة والسافرة دون ان يشير الى اهم عنصر في الصراع الذي ادى الى ما يمر به العراق اليوم اي الصراع السني الشيعي! كما ذكّر الرفيق الجزائري بتواجد الحزبين الشيوعي والدعوة في جبهة واحدة قبل سقوط النظام الدكتاتوري السابق ولجنة العمل المشترك.

قبل ان اتناول هذه القضية المهمة والحساسة والمفصلية ليس في سياسة الحزب فقط بل وفي حياته المستقبلية ومدى صموده امام المشاكل الكبيرة التي ستواجهه حال ان اقدم على خطوته هذه دون دراسة واقع الصراع السياسي العراقي وتقاطع مصالح القوى المهيمنة عليه (التي عادة ما تتفق في نهاية المطاف) ومحاولاتها المستمرة لاقصاء وتهميش الاخرين. فانني اود تذكير قيادة الحزب ببعض الامور التي نحن (جماهير الحزب) بحاجة الى ان يراجعها الحزب ليستفاد منها في اتخاذ موقف يتناغم مع مصالحه ومصالح جماهيره ومصالح شعبنا، ومن هذه المواقف كانت مشاركة الحزب في انتخابات عام 2005 ضمن القائمة العراقية التي طرحت نفسها حينها كقائمة وطنية عابرة للطوائف والقوميات، والتي دفع الحزب جراءها ثمنا كبيرا بتصويت العديد من رفاقه ومؤازريه الى قوائم طائفية وقومية او امتناعهم عن التصويت في احسن الحالات وما طرحته تلك المشاركة غير الموفقة وغير محسوبة العواقب من عشرات الاسئلة حول تحالفات الحزب لتعيد الى اذهان الجماهير تحالفات الحزب السابقة وآثارها السلبية، و كذلك الى انتخابات عام 2010 ونتائجها التي افقدت الحزب مقعديه وجميع مقاعده تقريبا في انتخابات مجالس المحافظات.

اعتقد كما اسلفت ان لقاء قيادة الحزب مع السيد رئيس الوزراء هو امر طبيعي بل وضروري لوضع اليد على المشاكل التي تمر بها العملية السياسية والمساهمة في ايجاد الحلول الكفيلة لتجاوز مفردات الازمة المستديمة منها والطارئة. ولانه جاء بطلب منه (المالكي) فهذا دليل على ثقة الحكومة واطرافها بالحزب واراءه الصائبة التي جسدها في بداية الازمة وقبلها ولليوم ومطالبته حينها بعقد مؤتمر وطني يضم جميع الكتل والاحزاب السياسية العراقية المؤمنة بالعملية السياسية تلك التي داخل البرلمان اوالتي خارجه، والتي رفعها الحزب الى الرئاسات الثلاث ولم يرد عليها السيد رئيس الوزراء حينها، ومما يعزز من موقف الحزب امام الجماهير ان الدعوة الى اللقاء جاءت بعد ما يقارب الثلاثة اشهر من هجوم عنيف وغير مبرر من رئيس الحكومة نفسه على الماركسية والالحاد والعلمانية والحداثوية في خطاب القاه في ذكرى استشهاد السيد محمد باقر الصدر في مدينة النجف الاشرف. ولكل هذا فانا لا ارى سببا واحدا يجعل الرفيق ابو داود متشنجا في رده على بعض المقالات التي كتبت بعد الزيارة خصوصا وان كتابها ليسوا على خلاف مع الحزب بل وقفوا دوما الى جانبه في جميع المواقف التي واجهته وعلى الاخص تلك التي مارست فيها الحكومة ارهابا بحق مقرات الحزب وصحافته، كما وان هذه الاقلام نفسها وغيرها كانت محل ترحيب الحزب في مناقشتها لوثائق مؤتمري الحزب الاخيرين بعد الاحتلال على صفحات طريق الشعب وبطلب من الحزب، وهذا دليل على توجه الحزب في اشراك ليس الشيوعيين فقط بل والديمقراطيين والوطنيين في عملية البناء التي رسمها الحزب لنفسه منذ المؤتمر الثامن.

ان الحزب الشيوعي كان من المبادرين والمساهمين الفاعلين في بلورة وتأسيس التيار الديمقراطي، وصرف الكثير من الوقت والجهد لانجاح هذه التيار الذي سيكون في حالة نجاحه بتوفر شروط ذلك النجاح تلك التي ذكرناها في مقدمة المقالة رقما مهما في السياسة العراقية في قادم الايام. واعتقد حسب رأيي المتواضع ان احد
اسباب لقاء السيد المالكي بقيادة الحزب اضافة الى احساسه بكثرة اعدائه هو شعوره كما غيره ليس بقوة التيار الديمقراطي في الوقت الراهن، بل بامكانية مراهنة الجماهير عليه مستقبلا لتغيير شكل اللوحة السياسية بعد فشل الاحزاب الطائفية – القومية في ادارة السلطة وتشكيل الدولة نتيجة صراعاتها التي يبدو ان لا نهاية لها. لكل هذا فان تصريح الرفيق الجزائري حول امكانية دخول الحزب الشيوعي لتحالف عابر للطوائف بقيادة المالكي كان يجب ان يتأخر قليلا لمناقشته من قبل القاعدة الحزبية ومعرفة مزاج رفاقه، وشركاء الحزب في التيار الديمقراطي حول امكانية دخول التيار الديمقراطي كتيار وليس كاشخاص في مثل هذا التحالف، مما سيعزز من موقع الحزب وعموم الحركة الديمقراطية في البلد لان الحزب والتيار الديمقراطي لم يكونا لليوم جزءا من الازمة المستفحلة التي تضرب البلد ومجمل العملية السياسية بل كانا و سيكونان جزء من الحل والاصح هم جوهر الحل.

ختاما اود التأكيد انه على الرغم ان العديد من الشخصيات الديمقراطية آثرت الانحناء امام رياح الطائفية في وقت سابق وانتقلت الى المعسكر المقابل فان احداث اليوم تشير الى انها شعرت بجسامة خطأها مما دفعها لمراجعة حساباتها في العودة الى معسكرها، ويبقى على الحزب والقوى الاخرى في التيار الديمقراطي ان تتحمل ثقل المهمة في توحيد الجهود ورص الصفوف للمرحلة القادمة اما من خلال دخول الانتخابات القادمة بقائمة مستقلة، او ضمن تحالف واسع ببرنامج وطني ديمقراطي عابر للطوائف والقوميات لبناء دولة ديمقراطية مدنية ذات مؤسسات حقيقية تنهي الفساد المستشري في مختلف المجالات، وتحترم الانسان العراقي وفق ما جاء به الدستور العراقي وما كفلته له قوانين حقوق الانسان الدولية.


 

23/7/2012

الدنمارك

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter