زهدي الداوودي
السبت 19/12/ 2009
متى نتعلم من التاريخ؟زهـدي الـداوودي
يبدو إننا لا نريد أن نتعلم من التاريخ، كما ولا نريد أن نستفيد من أمثالنا الشعبية التي لم تطرح اعتباطا. ولاشك أنه تكمن وراء كل مثل تجربة مريرة أدت إلى ظهورها إلى حيز الوجود. ويبدو أن ظاهرة عدم الاستفادة هذه عامة وموجودة في كل مكان وزمان، الأمر الذي أدى إلى الفيلسوف الألماني هيجل أن يقول: "الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ، هو أننا لم نتعلم أي شئ". وهناك مثل عراقي قديم، يبدو أنه قادم من الزمن العثماني، مفاده: "لا تدوس تخته جرك". وأما المثل الكردي فيقول" إذا جاء أجل الماعز، فإنه يأكل خبز الراعي". أجل، إن الماعز إذا تورط بأكل خبز الراعي أو إذا حاول ذلك، فإن هذا سيريه نجوم الظهيرة ويشبعه علقه لم يعهد بها من قبل.
والآن، من يتحرش بمن ومن يقلد من؟ ومن يريد أن يحول أرض بلاده إلى ساحة لحرب طاحنة، سوف تتم فيها تجربة وتقييم جيل جديد من الأسلحة الفتاكة؟ ناهيك عن وضع مصير وحدة البلد، المتكون من قوميات كبيرة مختلفة في مهب الريح، ولا سيما إذا كانت موضوعة "حق الأمم في تقرير مصيرها" مسألة غير موجودة في قاموسهم.
هذا البطل الذي يحكه جلده ويلوح بقنبلة ذرية موهومة مهددا اسرائيل والولايات المتحدة وبعض دول المنطقة، هو أحمدى نجاد الذي لا يريد أن يتعلم، ليس من التاريخ البعيد حسب، بل من التاريخ القريب أيضا. كان صدام حسين، تجتاحه أحلام نابليونية ويريد أن يؤسس، كمرحلة أولى، إمبراطورية عربية من الخليج إلى المحيط، وكمرحلة ثانية، بعد صحوته الإيمانية، امبراطورية عربية – إسلامية تحت قيادته. ولذلك لوح هو الآخر بالقنبلة الذرية الموهومة التي جلبت له ولحزبه ودولته والشعب العراقي كل هذه المصائب. ومن أجل تحقيق مشاريعه العدوانية، أعلن حرب إبادة ضد الشعب الكردي وحول العراق إلى سجن كبير. أسس التصنيع العسكري وجهز نصف مليون جندي واشترى آلاف الدبابات ومئات الطائرات المقاتلة ومئات الألوف من المعدات العسكرية المختلفة. وورط الجيش العراقي بالقتال ضد إيران فاحتلال الكويت الخ من العنتريات. ولكن، كيف كانت النتيجة؟ وأين ظلت قادسيته وحواسمه وقلعته المحصنة؟ الكل رأى كيف أخرجه الأميركيون مثل جرذي تائه من حفرته الضيقة.
والآن يأتي أحمدي نجاد ليقلد هذا المخلوق الأرعن الذي خلق من نفسه بطلا أسطوريا بين مجموعة من أنصاف الرجال، بيد أن الفرق بين هذين (البطلين) هو أن صدام كان مستبدا بنفسه ودكتاتورا لا يتسلم الأوامر إلا من خياله المريض وتاريخ حياته حافل بالولاءات المشبوهة والاغتيالات والإجرام، تعود نشأته الأولى إلى أيام كان سائقا معاونا (سكن) سائق تاكسي بين بغداد وتكريت. وأما أحمدي نجاد فله خبرة في الجاسوسية والاغتيال أيضا وهو من المساهمين في عملية اغتيال شرف قندي، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني / إيران. وكان من العناصر الصدامية فيما يسمى بالحرس الثوري. وهو مخلص لوالي ولاية الفقيه كالنعجة، ولذلك عينه الرفسنجاني في حينه صانعا للشاي (جايجي) في مضيفه وذلك لتأكده من إخلاصه وبأنه لا يدس السم في استكانه.
سألت ذات مرة أحد الذين يعرفونه عن كثب عن الأسباب التي دفعته للوصول إلى مركزه الحالي، فأجاب أنه دمية جيدة بيد أصحاب القرار الإيراني ويجيد لعب الدور المطلوب منه. وأنه بمثابة ترمومتر يجسون به نبض الأمريكان أو اسرائيل، فإذا دقت ساعة الخطر الجدي، فإنهم سيضحون به ويرمونه كأي قشرة، ملقين مسؤولية تعكير العلاقات على عاتقه. وهذا هو جزء من أسلوب التقية التي يفرضها العمل السياسي.
ترى، ماذا يريد أحمدي نجاد ؟ بل ماذا يريد إيران ؟
قبل فترة صرح نجاد بكل وقاحة أنهم في حالة خروج الأمريكان من العراق، سيدخلونه لملء الفراغ وكأن العراق خان جغان. وهم من جهة يدعون أنهم يدعمون الحكومة والشعب العراقي ومن جهة أخرى يتعاونون مع القاعدة لتهريب الإرهابيين عبر الحدود. وفي الجنوب والوسط تورطوا بالتدخل الفض في شؤون الإدارات المحلية وقطع الماء وتشجيع اغتيال المحافظين وأتباع الحوزات وتصفية وكلاء السيستاني الذي لا يريد أن يسير على نهجهم. هذا بالإضافة إلى تشكيل شبكة من القتلة للانتقام من الضباط الذين اشتركوا في الحرب العراقية-الإيرانية وشراء الذمم باسم المذهبية والطائفية.
قبل فترة ألقت قوات التحالف في تكريت القبض على أثني عشر إرهابيا، كان بينهم ضابط مخابرات إيراني. يا للصدفة الغريبة. وبعد ذلك ألقت القوات الأمريكية القبض على خمسة إيرانيين في أربيل عاصمة إقليم كردستان، كانوا يعملون كدبلوماسيين. وأخيرا وليس آخرا يعلن الجيش الأميركي اعتقال أحد ضباط فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني في مدينة السليمانية، متهما المعتقل بالتورط في نقل العبوات الناسفة والقنابل الخارقة إلى العراق، وتدريب المسلحين وإدخالهم إلى هذا البلد، خلافا للمبادرات الدبلوماسية التي أعلنت مؤخرا. وخلق هذا الإجراء إحراجا للحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان التي سبق أن دعت هذا الشخص ضمن وفد تجاري لزيارة كردستان. إذ أن القوات الأمريكية تجاوزت بذلك حرمة الجهات المسئولة واخترقت صلاحياتها القانونية.
وإذ يصرح السفير الأمريكي السابق في بغداد رايان كروكر في لندن: "لدينا أدلة قاطعة على تورط الإيرانيين في دعم التمرد"، تقول طهران إنها تنتج دبابات وناقلات جنود مدرعة وصواريخ وقذائف بحرية.. تماما كما كان يفعل المقبور صدام.
هل هذه لهجة دينية – شيعية متسامحة لدولة ولاية الفقيه؟ أم أنها عويل قومي-شوفيني استعلائي لسياسة توسعية جعلت من المذهب الشيعي غطاءا لتحقيق وإثارة النعرة القومانية؟
إنها مجرد لعبة بالنار. ولنر من يحترق في أتونها..