| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

طريق

 

 

 

                                                                                      الخميس 26/7/ 2012

 

من أوراق امرأة

رمضانيات
(2)

طريق

حرام وحلال
في السنة الثانية لصيامي، او بالأحرى مبادرتي للصيام، لم يمنعني احد من ذلك ليقينهم الكامل بأنني سوف افشل ثانية، والأفضل هو عدم اصرارهم في منعي. فلربما تكون تجربة العام المنصرم قد انستني تماما ما حدث لي آنذاك. وفي الوقت الذي كان اخي يسعى لتبسيط معنى الشيوعية، كانت والدتي تغرز فينا حب الطاعة والتدين. كنت اقرأ الكتب الماركسية ولا استطيع ان اجد الأختلاف وقتها بين كلمة مُضطهد ومضطهِد! كنت حينها صغيرة، الا انني مولعة بمفاهيم الشيوعية، ربما لأن اخي بأخلاقه العالية يمثل بالنسبة لي نموذجا للشيوعي الحقيقي . وكنت استمع بخوف لنصائح امي في العمل بواجبات الله وطاعته وتجنب المعاصي التي تغضب الله وهي من كبائر الحرام . زارتنا شقيقتي الكبيرة مع طفلتها في اول يوم من رمضان .. وبدأت تشكو لأمي كيف ان اخ( سلفتها) تهجم على سلفتها بالشتم والضرب للحصول على نقود.. وحين سألتها امي عن المبلغ وهل هو استرداد دين ام قد اودعه لديها اجابت ببساطة انه لا هذا ولا ذلك، بل انه مجرد (خاوة)..وهذا هو نوع من السرقة الأجبارية .. أثار ذلك غضب اختي لأنهم ازعجوا الجيران بصراخهم، وبذلك سلبت راحة الجميع في وقت السحور..استمعت للحديث بأكمله لكوني كنت جالسة بالقرب منهم. انتصف النهار من أول يوم رمضان وفرحت لذلك اشد الفرح وامي تشجعنا بكلامها (ها اها مابقى شيئ قتلتوا نص النهار) وهنا بدأ الجوع والعطش والدوخة وعدم الاستيعاب تدريجيا يزحف في كل اوصالي. ذهبت لأمي لأسألها هل يحق لي مواصلة الصيام غدا فيما لو أفطرت اليوم؟؟ . اجبتنب بعصبية ان ذلك لا يجوز وهو حرام.. واذا عزمت على الافطار المتعمد فلا يجوز لك صيام بقية ايام الشهر.. حينها عرفت حجم الورطة التي سببتها لنفسي ..بقيت اتضور جوعا وعطشا واركض بين الحين والآخر لحنفية الماء لأغسل وجهي واتمضمض واسأل امي هل هذا حلال ام حرام ؟ فقدت امي صبرها معي وشعرت بدوار من سؤالي المتكرر وبدأت بترديد حرام حرام حرام... افتهمتي لو لا ! بدأت افكر في ساعة الأفطار ولأنهم احضروا عصير النارنج المخلوط مع السكر .. صممت ان اذهب للدكان المقابل لبيتنا وشراء بيبسي مثلج، او بالاحرى جامد، وعلى امل هذه اللحظة بدأت اعالج ظمأي وجوعي، وبدأت اسال نفسي ـ هل هناك فقراء يعانون الجوع والعطش مثلما اعاني الآن..؟ وهل هم يصومون طوال العام ام فقط هذا الشهر..؟جلسنا حول سفرة الطعام ونحن بأنتظار مدفع الافطار .. كان قلبي يرقص فرحا وانا اقرب قدح الماء . صرخ ابي لا .. لاتفطروا الان انتظروا عشر دقائق اخرى، كانت صرخة ابي كأنها المطرقة تهوي على رأسي .. هل ان علي الصبر عشر سنوات اخرى؟ لا لن اصوم ثانية ابدا، واكره الفقر وسوف اعيش مترفة مثل الأغنياء ولن انتظر حتى العد للعشرة.. ولكني لا استطيع مخالفة ابي فذلك حرام ؟ .. وأخيرا بدأنا بتناول الافطار وركضت مسرعة لدكان ام حسون طالبة منهت (بيبسي جامد كلش) .. ناولتني الزجاجة وكنت مع كل رشفة احس انني امتلك الوجود. ظهر فجاة نجم، ذلك الشاب بطل حكاية السحور والذي هو اخو (سلفة) اختي بعينين خضراوين واسعتين وصاح ليقول لام حسون بأنه سيدفع الحساب (ثمن قنينة البيبسي) ..! كان نجم بعمر اخي الكبير ونظرا للقرابة بيننا كان يلاطفني حين اكون مع اخوتي وانا ابعد يديه وكأنها جرثومة قد لامستني ويضحك اخي لتصرفي .صرخت بأم حسون مذعورة "لا لا .. هذي فلوس البيبسي مااريد هو يدفعه". وحين انتبهوا لخوفي الشديد وارتجافي اختفى فجأة نجم من امامي وسألتني ام حسون بمكر واضح عن سبب رفضي ؟ وقصصت عليها ماقالته اختي لأمي وهنا ظهر نجم مرة اخرى امامي، حينها اسجمعت كل قواي وهربت مسرعة الى البيت. عرفت فيما بعد ان نجم طلب من ام حسون استدراجي للكلام .. رحت باكية على صدر امي ونقلت لها مادار.. في الوهلة الاولى حاولت تهدأتي ومسحت بيدها برقة على ظفائري وبعدها حين هدأت سحبتني من ظفيرتي اليمنى وصرخت بوجهي؟ من المعيب استراق السمع لحديث الكبار والعيب الاخر في ان تفشي سر اختك، لانها حينما نقلت مادار عندهم كانت تطلب مني التدخل في نصيحة نجم بالابتعاد عن ابتزاز اخته. وها انتي اضعتي فرصة نصيحته وحتى سيفقد احترامه لنا جميعا، فأجبتها بعيون منتفخة من البكاء وهل هو محترم؟ او يعرف الاحترام؟ سكتت امي بعد عبارتي الأخيرة وراجعت حساباتها، لكنها منعتني من مواصلة الصيام وصرخت بوجهي . .." انتي كفرتي بما يكفي، لان يكون الصيام محرما عليك" ، ذلك حين افشيت سر الرجل للناس .. حين كبرت بقت تلك الحادثة اللعينة في عالقة في ذهني وكان اسم نجم، كلما تردد في بيتنا يذكرني بتلك الفاجعة، اذ حرمت بسببه حرمت من الصيام .. لا ادري ان بقت هذه الذكرى في راس نجم ؟ وهل تغير سلوكه مع اخته ؟ ولكني ادركت بأنني لم اكن مخطئة حين اقدمت على كشف الحقيقة .. كنت حينها صغيرة لااعرف ما انا قادمة عليه، لكنها كانت، كما يبدو لي الآن الخطوة الاولى بأتجاه زرع النواة المعرفية الاولى عن قيّم الشيوعية النيّرة والتمييز بين الصالح والطالح...

وكل رمضان والجميع بألف خير

 

free web counter