| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

تقي الوزان

Wz_1950@yahoo.com

 

 

 

                                                                                  الجمعة 8/7/ 2011

 

عند الجسر

تقي الوزان

مضى علينا ساعات طويلة ونحن ننتظر , وصلنا قبل الساعة السابعة صباحا وكنا السيارة الأولى في الصف , لم يبق خلفنا الا سيارة واحدة بعد ان كانت أكثر من أربعين . عند وصولنا جمع مساعد السائق جوازات سفر جميع الركاب الاثنان والخمسون كي يؤشرها سوية في نقطة الحدود كما جرت العادة في كل سفرة , إلا أن الضابط أمر بالانتظار بعد أن تفحص قسم من الجوازات . طلبنا من السائق النزول للذهاب إلى المرافق العامة , أو للانتظار في القاعة عند مدخل بناية نقطة الحدود .

عند النزول سألت السائق : الم يخبرك الضابط عن سبب التأخير ؟

السائق : لا , ولكنه قال يجب أن يتصل بالمديرية العامة ببغداد .

سألته : يتصل عن أي شئ ؟!

السائق : ما اعرف .

بتوتر : ولماذا لم تسأله ؟!

السائق رفع عينه إلي وبعصبية : منو يكَدر يسأله ؟! تريد تسأله ؟! ( واشر لي على شباكه ) وشوف شيجاوبك ؟!

تحلق حولنا بعض الركاب يبحثون عن جواب أيضا , وبينهم رجل يلبس دشداشة ولفة فوق رأسه, انه من الأخوة المصريين , المصريون يحظون بالثقة لدى الحكومة , التفتنا إليه , وقبل أن نطلب منه أن يذهب ويسأل الضابط , استدار وأعطانا ظهره , وذهب .

كان الجو باردا في الصباح , وغيوم كثيفة تغطي السماء , اليوم هو اليوم الأول من شباط . في بغداد لم تكن الغيوم بهذه الكثافة ولا البرد بهذه الشدة , إلا إننا عند إبراهيم الخليل في زاخو , أخر نقطة في شمال العراق , بغداد كبيرة , وليس مثل هذه النقطة الحدودية المكشوفة في العراء . عند الظهر بدأت السماء تنكشف , الوقت طويلا وثقيلا , أعدت تفاصيل الأيام الأخيرة عشرات المرات وبالذات اليوميين الأخيرين , ولم أجد أي شئ مقلق . وزيادة في الحذر لم اخبر إلا واحدا من أخوتي بسفري , جاء معي إلى الصالحية ليودعني بعد أن حجزت إلى تركيا في شركة نقليات الاقتصاد , وكلفته أن يتولى إقناع باقي أخوتي كوني لا أريد ألفات نظر احد لسفري غير الطبيعي في عطلة نصف السنة .

السنة الماضية خرجت إلى بلغاريا في العطلة الصيفية , ورغم ان المطاردة كانت مشتدة على الشيوعيين في باقي المحافظات , إلا إنني لم ارغب , أو في الحقيقة تراجعت عن فكرة البقاء في الخارج خوفا من أن اتهم بالجبن , الآن اشتدت في بغداد فطلب منا : كل واحد يدبر حاله . العطلة الصيفية لا تزال بعيدة , والتقديم على طلب السفر في عطلة نصف السنة سيكون ملفت للنظر وسيرفض حتما , أصبحنا نسير على الألغام , ولا تعرف هل انهم يلعبون معك لعبة القط والفأر؟! أم تركوك لمراقبة من تلتقي بهم ؟! او إنهم فعلا لم يتوصلوا إليك بعد ؟! طرحت على معاون المتوسطة التي ادرّس فيها في المحمودية على ان نذهب سفرة جماعية الى بلغاريا . وضحت له ان كل مصاريف السفرة ستكون بلاش , ولا يحتاج إلى أكثر من مئة دينار يحولها إلى ثلاثمائة دولار يجلب بها حاجيات وأنا أتكفل ببيعها بأكثر من مئة دينار .

وافق بعد ان اشر بيده وسألني : يعني أنحصل شي ؟

أجبته : اهوو , برغبتك, أشكال البنات , يا هو ألتعجبك . وأرسل طلب الموافقة إلى مديرية التربية في نفس اليوم .

الكلب يريدني اكَوّدله , يعتقد اني أتملقه بهذي السفرة . يومية الصبح : احنه ما راح نبق واحد بالتعليم مو بعثي. حوَل حياتنا انا والرفيق عامر دايل الى جحيم , ما يكتفي بالمراقبة والإلحاح بالانتماء للبعث , آخر ما بيده كلف طلاب شلايتيه من الاتحاد الوطني ان يشاكسونا . قبل سنة اجبر احد المدرسين الدينيين ان ينتمي للبعث , شلون ؟ خله واحد من الطلاب يشتكي عليه على أساس أتحرش بيه , مسّقط الكلب . . هذا بعثي وأخوتي بعثية؟! احنه ست أخوة , اثنين من عدنا جبروهم ان يسجلون , حاربوهم بعيشتهم , ما اعرف شلون راح أواجهم بعدين ؟ ما خليتهم يعرفون آني مسافر , شراح ايكَولون ؟! ما عندي ثقة بيهم ؟!

الجالس بجانبي في السيارة قدم لي قدح شاي جاء به من الجايجي الذي يبيع على الواقف خارج القاعة , ربما أراد به تعويض جفوته عني طيلة الليلة الماضية , كان يلبس بدلة أنيقة ورباط , ويحمل بيده حقيبة دبلوماسية , كأنه ذاهب إلى حفلة وليس لقضاء ثمانية وأربعين ساعة إن لم تكن أكثر في السيارة لكي يصل إلى اسطنبول . قدمت له كرزات , رفض وشكرني , حاولت أن أتحدث معه , تمنع بأدب , وطيلة الليل لم اشعر انه اخذ إغفاءة , كان مشغولا , حسدته لأنه يفكر بعمله , رجل أعمال حتما . اليوم اظهر الود ليس معي فقط , بل وجدته يوزع مجاملاته على الآخرين , وذهب ليجلب الماء الحار لطفل أرادت أمه أن تعمل له ممية . أضيّع قلقي في مراقبة الآخرين , جميع الركاب متضايقون ولا يستطيعوا ان يعبروا عن تذمرهم , كان الاستفسار العلامة الأوضح في نظرات الجميع , حتى السائق ومساعداه ظهرت عليهم الحيرة . أردت أن اعنف نفسي أكثر : كيف سافرت ولم أودع اخوي البعثيين ؟! للطمرة , هسه هذي وكتهه ؟! آني خايف وأدور حجة بإخوتي , خل نشوف شلون راح تصفه ويه ذوله السفلة .

جسر إبراهيم الخليل يمتد أمامي , ليس طويلا , عبور هذه السيطرة فقط , والسيطرة التركية في راس الجسر من الجهة الأخرى وتكتب لي حياة أخرى . لماذا كل هذا التأخير ؟! كل شئ يهون ما دمت سأفلت ولن أعيش مرارة وعذاب الذين قبض عليهم . شمدريك ما اسقط وأصير مثل ناصر شرطي مال امن افتر وره الرفاق للإيقاع بيهم , الكلب حتى زوجته تحتقره وتخاف منه . لا , مستحيل , الموت هواي اهون . ناصر ما احد جبره أن يصير شرطي امن ؟ لا جبروا أن يصير بعثي , وشنو الفرق ؟! البعثي شغله الوحيد ان يوصل معلومات عن الآخرين . صحيح , لكن الشريف شريف , ناصر يريد ان ما يبق واحد شريف , حتى الرفاق اللي سجلوا بعثيين يطاردهم ويحاسبهم على أدق التفاصيل . عبودي وحسين يخافون منه أكثر مما يخافون أن يحققون وياهم بالأمن , لان هو يعرف عنهم أكثر . آخ , شوكت راح يطير البعث ؟ بس أريد أشوف ناصر بياعين راح يشوف الناس ؟!

ابنة خالتي كانت تعمل في مديرية تربية الكرخ , المديرية التي تمنحنا رخصة السفر . طلبت منها أن تعطيني نسخة إضافية قبل أن تسلم لنا في المدرسة , وفعلا أعطتني نسخة من الكتاب , والنسخ لا تزال بحوزة معاون المدير وسوف لن يشك بسفري . اعتقل الكثير من الرفاق , وقبل يومين اعتقل احد رفاق خليتنا في حي الرسالة , المنطقة التي نسكنها ,البارحة اعتقلوا رفيقي عامر دايل من المدرسة , أصبح من المستحيل البقاء ليوم آخر , قررت أن أسافر مساء البارحة . اليوم آخر أيام امتحانات نصف السنة , كان يمكن أن أكون الآن في الأراضي التركية , لكن هذا التأخير , هل يمكن ان يكون الضابط قد شك ان مدرستنا لم تعطل اليوم ؟! لا , منين يعرف ؟! كافي وهواس , الكتاب واضح السفر من أول يوم في الشهر , واليوم هو واحد شباط . معقولة كل هذا التأخير صدفة ؟! حتى إذا عدهم شك بواحد ليش يأخرون كل الركاب ؟! معقولة ؟! بين السجن والحرية بس هذي السيطرة ؟!

نادى الضابط على ركاب سيارتنا وبيده صندوق كارتون صغير فيه الجوازات , وبيده مجموعة جوازات أخرى .

لم يسيطر الذي يجلس بجانبي على فرحته وسأل الضابط : ها أستاذ راح أنروح ؟

الضابط : ترحون وتوصلون بالسلامة انشاءالله .

تجرأ أكثر : الله يخليك . لكن رحمة لأهلك ما تكَلي شنو سبب كل هذا التأخير ؟

الضابط : والله حقك تسأل , المشكلة بسبب ذوله المصريين ( كان معنا خمسة مصريين ). اكو مجموعة منهم داخلين بدون عقود عمل , وقسم آخر عصابة مال تهريب مخدرات , ولازم ندقق الأسماء ويه المديرية العامة بغداد , هذا سبب التأخير . ونادى بأسماء المصريين , وسألهم : أين الخامس ؟

احدهم : ما نعرفوش يابيك .(كان يجلس وحده في نهاية الباص وهو الذي أردنا مساعدته في سؤال الضابط )

الضابط بصوت عالي : محمد عزت إسماعيل ؟

المصري وهو يدخل القاعة : نعم يابيك .

الضابط : وين صرت اثول ؟ ( وقذفه بالجواز عند اقترابه منه ) شوكت الله يخلصنا منكم ؟!

استلمنا جوازاتنا ونحن غير مصدقين , نفضنا الخوف وسأم الانتظار , ارتفعت معنوياتنا إلى أعلى درجاتها وظهرت علامات الفرح على الجميع . وعند عبورنا الجسر كان الجميع يتحدث وكأننا في زفة , نسينا الخوف والجوع والقلق .

تجاوزنا السيطرة التركية , وسيطر على الجميع جو الألفة , أخرجنا ما بجعبتنا من أكل وكرزات تبادلناها مع بعضنا. التعليقات والطرائف الخفيفة أعادت لنا إنسانيتنا , كنا نتحدث وكأن الجميع يعرف الجميع منذ فترة طويلة , نسينا الخوف والوحدة التي كنا نعيشها قبل ساعة فقط , كل واحد كان يعيش في عالمه الخاص , ينظر للجميع ولا يرى احد , ويتوقع كل شئ . الذي يجلس بجانبي والذي حسبته رجل أعمال كان موظفا في دائرة عقارات الرصافة , مثقفا , بسيطا , وأتحفني بالكثير من القصص على طول الطريق . أشار أكثر من مرّة وبفخر لكيفية سؤاله للضابط عن سبب التأخير , ولم اقل له ان تودده للضابط كان اقرب إلى التوسل لا يليق حتى بالحقيبة الدبلوماسية التي يحملها . ربما طبيعته المرونة الزائدة التي قد تفسر بالضعف , المهم كان الطريق الطويل جميلا معه . مساعد السائق دفع احد أشرطة الغناء الجنوبي في المسجل , واخذ يحرك نصفه الأعلى بحركات رقصة الهيوة وهو يسير في الممر بين الكراسي ويوزع قطع الحلوى , وأشعل الركاب بحماس مشاعره وأصبح الجميع جوقة واحدة تردد :

آني المسيجينه أنا .. بدينار باعوني , أنا

في مدينة غازي عينتاب أنزلنا السائق في احد المطاعم الجيدة , واخبرنا بأنه سيتأخر لساعتين لإجراء تصليح في الباص. أوصينا أنا وصاحبي على نفري كباب , ولفت انتباهنا إن الأخ المصري الذي جلس وحده على إحدى الطاولات قربنا أوصى على عرق , وأثار رغبتنا بالشرب أيضا , لم نكن نعرف ان المشروب يباع في مثل هذه المطاعم .

بعد فترة قصيرة نادى احد الأخوة المصريين الذين كانوا يجلسون على طاولة واحدة على المصري الذي يجلس بجانبنا :

سي محمد , سي محمد , سي محمد ؟

التفت إليهم وبعصبية : وقز القرط . شتردون ؟!

المصريون انكمشوا بخوف , ونحن نظرنا الواحد للآخر وغصصنا بالضحك . كان تلفظه أشبه بواحد من لبة الفضل.

في الطريق إلى اسطنبول عرفت ان زميلي اسمه طارق وهو ذاهب إلى بلغاريا أيضا , وقال انه جاء لأحد المعارف , وذكر اسم الفندق (خيموس) الذي احمل الترحيل الحزبي إليه .

وأخبرته : أنا أيضا احمل الترحيل إلى نفس الفندق .

ضحك وشد على يدي , واقترح أن نمضي عدة أيام في اسطنبول " نطلع الفرق " .

بعد أربعة أيام حجزنا إلى صوفيا , وفي صوفيا اقترح علينا الرفاق ان نسكن في غرفة واحدة . وفي المساء نزلنا إلى البار في الطابق الأرضي , ودهشت حين رأيت مساعد السائق يتوسط مجموعة من الرفاق اعرف بعضهم وهو يرقص الهيوة بمهارة عالية وعلى أغنية: أني المسيجينه ذاتها , ومع كل دقيقة يسحب احد الرفاق للرقص معه حتى وان لم يعرف . وعندما رآنا توقف , تقدم منا وحضننا , وسحبنا الى طاولته التي يجلس عليها مع مجموعة من الرفاق .

بعد عدة أيام في صوفيا , وصوفيا صغيرة , بدأ التسكع وانتظار ما سيقرره الحزب , وأين التوجه . كنت جالسا في احد المقاهي التي يتواجد فيها الرفاق , وعلى مسافة قصيرة جلس شاب , اسمر , نحيل أكثر مما هو ممتلئ , هذا الشكل ليس غريبا عني , لكن .. عصرت ذاكرتي , انه ليس غريبا عني مطلقا .. حدقت النظر فيه , انتبه الي , ابتسم ورفع يده بالتحية , رفعت يدي والحيرة على وجهي , تقدم مني وصافحني : شلونك سي محمد . آه ؟! انه المصري الخامس . ضحك , وعرفت منه ان اسمه وسام من اهالي البصرة , صاحب مطعم واشترى جواز سفر احد عماله المصريين وجاء به . ومن خلاله عرفت بعض الرفاق الذين قدموا معنا في السيارة .





 

 

free web counter