نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

شيرزاد شير

 

 

 

 

الأربعاء 22/2/ 2006

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 

 


هل تعلمنا شيئا من مأساة تسونامي !؟

 

شيرزاد شير
betrme@yahoo.com

مرت قبل أيام الذكرى السنوية الأولى لاجتياح (إعصار تسو نامي) الساحل الجنوبي لتايلاند وبقاع واسعة من جنوب شرق أسيا، والذي تسبب في تدمير شامل لتلك المنطقة ومصرع الآلاف من السياح والسكان المحليين هناك ...

وقد يعرف القارئ الكريم بأن الإعصار قد أزهق أرواح الآلاف من سكان تلك المنطقة بالإضافة إلى المئات من الأجانب وأكثرهم من السويديين الذين لقوا مصرعهم في تلك الكارثة، التي دخلت تاريخ هذا الشعب الطيب والمسالم كإحدى أكبر الحوادث خسارة للأرواح البشرية... ولازالت مضاعفاتها وإفرازاتها حية سواء في السويد أو في أرجاء واسعة من عالمنا، حيث أقيمت مراسيم الوداع وإحياء لهذه الذكرى الأليمة في تايلاند وبلدان أخرى .... وقد أطلقت في مثل ذلك اليوم من منطقة(خاولاك) القريبة من هناك في الهواء 543 شمعة مضيئة تخليدا لذكرى الضحايا وتعبيرا عن فقدان مثل هذا العدد من السويديين في تلك الأمواج التي جرفت معها الآلاف من النفوس البشرية إلى أعماق المياه، في إحدى أعظم الكوارث الطبيعية في العالم ... وأقيمت في السويد مراسيم مماثلة وشملت كل الكنائس والدوائر الرسمية في طول البلاد وعرضها ...

ومنذ تلك الأيام والى يومنا هذا لا ينقطع الجدل الواسع بين السويديين حول كيفية وطريقة معالجة السلطات الحكومية السويدية لتلك المحنة وأثارها اللاحقة...

وقد شهد الوسط السياسي المحلي والمواطن السويدي المتابع لتبعات ومضاعفات تسونامي على السويديين المتواجدين هناك في الأسبوع الماضي تفاصيل المسائلة والاستجواب لكبار المسئولين في الحكومة السويدية من قبل اللجنة الدستورية في البرلمان السويدي والذي بثه التلفزيون السويدي مباشرة.

وأصبح المتفرج شاهدا لصفحة أخرى رائعة وجديدة من تفعيل سلطة الشعب عبر مؤسساته الدستورية، وذلك حين وقف كل من رئيس الوزراء ووزيرة خارجيته أمام اللجنة للإجابة على الاستفسارات الكثيرة حول أدائهم الشخصي وأداء الحكومة السويدية بشكل عام وكيفية معالجة السلطات المعنية لتلك الكارثة المأساوية... وقد أحمرت وجوههم أثناء التحقيق وأسوة بمن سبقهم في ذلك من الوزراء المختصين الذين أدلوا بشهاداتهم حول عملهم في تلك الظروف العصيبة.

ونظرا لأن اللجنة المذكورة تتمتع بصلاحيات قانونية كبيرة، فقد كشفت أمامها كل الأوراق وبشفافية خالصة تُحسد عليها !!!

وقد اعترف الجميع وكل من موقعه أمام اللجنة بأنهم لم يقدروا حجم المأساة ذلك التقدير الكافي وعبروا أكثر من مرة عن أسفهم العميق على التقصير الحاصل من قبل السلطات في كيفية متابعة الكارثة وطريقة تعاملهم معها... وستصدر اللجنة الدستورية قريبا قرارها بهذا الشأن ويتوقع، في حال انضمام حزب البيئة إلى أحزاب المعارضة الداعية الى سحب الثقة من الوزيرة، إلى أن تفقد الشخصية القوية " ليلى فريفالدز" وظيفتها نتيجة لذلك...!

وبذلك تكون الديمقراطية الغربية قد أعطت درسا بليغا لكل دعاة الديمقراطية الجدد حول الحقوق والواجبات ومسؤولية الفرد ودوره في المجتمع وموقعه في السلطة وذكّرت الجميع بأن لا سلطة فوق القانون.

وأنا أتابع وقائع ذلك التحقيق، وفي تلك اللحظة بالذات شعرت أكثر من أي وقت مضى بالفخر والاعتزاز بقوة بطاقة التصويت التي وضعتها أخر مرة في صندوق الانتخابات البرلمانية السويدية وبمتانة وقوة القانون والنظام هنا لإحقاق الحق والوقوف على كل التفاصيل الضرورية وإن كان المعني هو أعلى مركز في هرم السلطة !!!

وعدت في الحال بذاكرتي إلى بلدي والأمس القريب والى كيفية تعامل الجمعية الوطنية العراقية ( البرلمان السابق ) مع الكم الهائل من القضايا والمشاكل المستعصية ومأساة جسر الأئمة المنسية وضحاياها وغيرها، واستنكاف بعض المسؤولين وعلى رأسهم الجعفري، الذين يتحدثون ليل نهار عن الديمقراطية وبناء مؤسسات الدولة على أسس حضارية، حتى عن الوقوف أمام النواب والإجابة على تساؤلاتهم وانتقاداتهم ؟؟؟

يا ترى ماذا جرى في ذلك اليوم الأسود في منطقة الجسر وما حولها ومن الذي يتحمل مسؤولية ما حدث!!!؟ هل جرى التحقيق في تلك الحادثة بالشكل المطلوب أم أقتصر الأمر على جمع التبرعات للمتضررين، والتي قيل عنها في حينه بأن القسم الأعظم منها قد تسبب في انتفاخ جيوب عناصر وقوى متنفذة في السلطة وابتلعتها الحيتان الجائعة !؟ أنها حقا مهزلة أخرى من مهازل العصر، فباتت " مصائب قوم عند قوم فوائد"!!! فأنا المتابع للأحداث والتطورات في بلدي والى هذه اللحظة لم أسمع ولم أقرأ شيئا عن استدعاء أو محاسبة مسؤول أو التحقيق معه حول ذلك !؟ دع عن الآلاف من القضايا التي لا زالت مكومة في مخازن مختلف الدوائر الحكومية وأصبحت كسابقاتها في خبر النسيان !؟

لا، ذلك لا ولم يدخل في عرفهم وحساباتهم! بالمقابل، كانوا مبدعين في اقتناص الفرص لتمرير قراراتهم المعروفة في الجمعية الوطنية وجعلها أمرا واقعا، كما حدث عند التصويت على القانون الجديد للانتخابات! تلك كانت بحق ممارسة ديمقراطية من الطراز الجديد !؟؟؟

طبعا ليس معقولا أن يقارن المرء بين نظام بني شيئا فشيئا ووضعت حجرة فوق حجرة وعلى مدى عقود من الزمن وترسخ هذا السلوك في عقلية المواطن العادي وتثبتت هذه التقاليد الرائعة في أساس بنيانه وتعمقت في تربته لتصبح أمرا طبيعيا كالمأكل والمشرب، وبين نظام أخر تقوده الميليشيات وفرق القتل السيئة الصيت، التي تتفنن في الجريمة ولا هم أخر لها سوى الحد من حرية وحركة المواطنين العاديين والتدخل في أمورهم وشؤنهم الشخصية البحتة وفرض أفكارها الظلامية عليهم من جهة وأناس لا زالوا يؤمنون بشريعة الغاب ويعيشون في الأوهام والأحلام المريضة، كإلغاء وإقصاء الآخرين واحتكار السلطة والاستفراد باتخاذ القرارات ونقض العهود والوعود والعودة إلى نفس السلوك السائد أبان تسلط الطاغية على مقاليد الحكم من جهة أخرى...

بكل تأكيد أن ذلك ليس بالأمر الهيّن ؟

وأتذكر هنا ندوة للدكتور الجعفري على البالتوك، قبل أكثر من عامين في غرفة البرلمان العراقي وسؤال وجهته شخصيا له حينئذ حول فهمه ونظرته إلى الديمقراطية ؟ ولا أنسى هنا أن أشير إلى أنه قد أجاد في الإجابة على سؤالي إلى حد، تصورت نفسي أمام إنسان يؤمن إلى العظم بالمثل الديمقراطية، وأن القوى الإسلامية العراقية المعارضة للنظام قد أخذت العبر من تجارب الآخرين وأنها من طينة أخرى تختلف كثيرا عن مثيلاتها في الدول العربية والإسلامية!!!

وقد خابت ظنوني لاحقا!!!؟

أن الارتجال والإسهاب في الحديث عن منابع هذا الشكل من النظام والعودة إلى رواد هذا الفكر وترديد أقوالهم والاستطراد في تفسير معاني الديمقراطية والقوانين الحضارية لبناء دولة القانون ومؤسساتها ( التي تميز بها الدكتور الجعفري في خطاباته وكان يكررها كثيرا)، لا يعني أبدا الإيمان بها أو تطبيقها على الواقع. والفترة التي تولى فيها سيادته قيادة الوزارة قد تميزت بأنتهاج سياسة بعيدة كل البعد عن ألف باء الديمقراطية، وأطلقت حكومته العنان لعصابات الجريمة التي سيطرت على الشارع وفرضت مفاهيمها وممارساتها الإرهابية الرامية إلى شل وتصفية أبسط الممارسات الديمقراطية الفتية... والأمثلة كثيرة، أخرها كان كيفية تطبيق الديمقراطية قبيل وأثناء الانتخابات من قبل مجموعات الغوغائيين وعصابات القتل، المتنفذة في غالبية أجهزة السلطة الطائفية...؟؟؟

أجل وبعد كل ذلك هل يعقلها المرء أن يثق أحد بتلك الكلمات والجمل البراقة، أو أن تتكاشف هذه المجاميع وتتصارح أو تعترف أمام الملأ بتحملها للمسؤولية في خرق كل القوانين والأعراف والبنود والأسس التي تضمنها الدستور الجديد، أو أن تجلس على طاولة واحدة مع القوى الأخرى !؟

قد يكون ذلك حلما في ظروفنا الحالية ولكن أن يستمر هذا الوضع إلى ما لا نهاية وبشكله الحالي، فذلك مستحيل ولا يمكن أن يحتمل!

يبدو لي بأن هؤلاء لم يتّعِظوا من تجارب من سبقوهم في تلك الممارسات وأن مشاهد محاكمة صدام المجرم لم تُعلّمهم بأن الظالم سيلقى جزاءه مهما عظُم أو طال الزمن وأنه "لابدّ للّيل أن ينجلي ولابدّ للقيد أن ينكسر"...

وها نحن نرى اليوم كيف يدفع السيد رئيس الوزراء ضريبة على ذلك النهج وهو في ذات الوقت أبعد ما يكون عن تشكيل حكومة تلقى القبول لدى أوساط وشرائح كبيرة من ألوان الطيف العراقي...

أليس ذلك كافيا لكي تحمر الوجوه ولو قليلا؟
هكذا إذن هي الحياة يا فخامة الرئيس...!؟ فالدهر يومان، يوم لك، ويوم عليك...!
أن التمادي في هذا الاتجاه ووضع الخطوط الحمراء على هذا وذاك والانتقاص من الآخرين لن تجدي نفعا ولن تحقق هدفا، وأن يوم الحساب على الأبواب، وأنه ليس ببعيد وأن طوفان التسونامي القادم والنابع من أعماق تربة ما بين النهرين، والذي سيكنس في طريقه عاجلا أم آجلا كل تجار السياسة الجدد، لهو أقوى من تلك الأمواج العالية التي غيرت معالم ذلك الساحل الساحر، الذي كان إلى وقت قريب الملاذ الأمن والمريح لملايين السياح الأوروبيين في فصل الشتاء ...!