|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين   7 / 9 / 2020                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



البحث العلمي وآفاق المستقبل

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

ربما يصدق القول أن الجيل الذي ننتمي إليه وأجيال سبقته حملت قضية شعب فلسطين راسخة بين جوانحه لدرجة لا يمكن التلفظ باسم الدولة الغاصبة لأرضه إلا بدولة الكيان الصهيوني, ولعله من قصص الخيال أن حطّت طائرة الرئيس السادات في نهاية السبعينات في مطار بن جوريون. إن خيار السلام المبني على أسس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والتوافقات العربية والفلسطينية هو المخرج الأسلم لحل عادل وشامل لقضية شعب فلسطين وضمان حقوقه المشروعة في استعادة أرضه وقيام دولته الفلسطينية المستقلّة وعاصمتها القدس الشرقية. واليوم وبعد أكثر من نصف قرن على خطوة السادات الجريئة شاهد العالم بأجمعه ولأول مرة طائرة العال تهبط في مطار دولة عربية صغيرة لا يتجاوز عمرها النصف قرن إلا بقليل عبر أجواء دولة عربية أخرى كبيرة كان وما يزال لها حضورها ووزنها الأساس في قضية شعب فلسطين. حقيقة نحن أصحاب تلك الأجيال لا نمت لهذا الواقع الجديد بأي صلة ونتحسّر على أيام كانت لنا فيها أحلام بدّدتها سياسات بديلة ورؤى جديدة على مفاهيمنا ومعتقداتنا. وربما يشكّل البحث العلمي اليوم منصّة مجرّدة ومحايدة يمكننا الحديث حولها دون تحفّظ لأنه الحجر الأساس في تطوير وتجديد المعرفة الإنسانية وحل المشكلات القائمة بفضل المكتشفات العلمية الجديدة التي يولّدها البحث في الحقول المعرفية المتعدّدة. والبحث العلمي كذلك يُشكّل أساساً مهمّاً في زيادة إنتاجية العمل ورأس المال الوطني ومن ثمّ لا بد من النظر إليه باعتباره نشاطاً بالغ الأهمية في تكوين الثروات الوطنية والقومية, وتتنافس الدول في عالم اليوم بالاستثمار الكثيف والفعّال في أنشطة البحث العلمي والتطوير التجريبي حتى تحافظ على بقائها الاقتصادي, وأي إخفاقات في تحقيق هذا الهدف يهوي بها للتخلف عن ركب التقدّم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري. ومن سخريات الأمور أن الدولة التي تتهافت بعض الدول العربية على التطبيع معها تنفق في مجالات البحث العلمي أكثر من 4% من ناتجها القومي, بينما لا تنفق تلك الدول مجتمعة أكثر من نصف في المئة من ناتجها القومي. إن تحديد بعض المبادئ والأولويات في مجالات البحث العلمي التي تعتمد على دعائم أساسية لمنظومة التوجهات نحو آفاق المستقبل بالإمكان إيجازها في النقاط التالية:

- أن يكون البحث العلمي عملاً جماعيّاً منظّماً ورصيناً حتى تأتي نتائجه موثوقة يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات إصلاحية تعتمد على نتائج البحث العلمي.

-
أن يتوجه البحث العلمي إلى معالجة المشكلات الاجتماعية حسب الأولويات في القضايا الاجتماعية الملحّة حتى يرتبط بالتنمية .

-
أن يستخدم البحث العلمي أعلى أنواع المنهجية العلمية وأحدث أصناف التقنيات والتكنولوجيا بمراقبة مكتبية جماعية واعية تقوم على أسس الأخلاق والكفاءة بدلاً من وسائط المحسوبية والمنفعة الخاصّة.

-
أن يقوم على البحث العلمي خيرة القوى العلمية المفكّرة التي تخدم العلم وتُقدّر الاشتغال به وتُثمّن دوره في تطوير الحياة داخل المجتمع .

-
أن تتوفّر للبحث العلمي المصادر المالية والتقنية وأن يكون مسألة وطنية وقومية عامة من خلال تشريع ينظم جوانبه ويوفر له التسهيلات دون إعاقة.

إننا ونحن نتطلّع إلى آفاق المستقبل في ظل وجود بيئة علمية مواكبة للبحث العلمي الصحيح والفعّال لا بدّ أولا من إعداد الباحث العلمي وترسيخ صفاته المميّزة لأن البحث العلمي يحتاج إلى باحثين علميين ولا يمكن أن يكون هناك بحث علمي بدون باحثين علميين. وينبغي أن يدرس الباحث المتدرّب عددا من العلوم الحديثة لكي يتمكن من العمل على النحو المناسب ومن هذه العلوم الرياضيات والمنطق والإحصاء وتاريخ وفلسفة العلوم والتفكير الناقد. كما لا يمكن أن يُعد تدريب الباحث العلمي مكتملاً حتى يكتسب قدراً من المهارة في عدد من التقنيات ومنها صياغة ومعالجة الأفكار بلغة بيانية سليمة ومعالجة البيانات وفهم مدلولاتها وتصميم التجارب في صورة تُفضي إلى نتائج مهمة ومتميّزة وإثراء وتنمية مستقبل المعرفة وتطبيقاتها.

ومن المؤسف بمكان أن نوصم نحن العرب والمسلمون في عالم اليوم بالتخلف العلمي والتقني مع أن التاريخ يشهد أن العرب والمسلمين قد حققوا في الماضي أعظم المنجزات كما يبرهن العرب والمسلمون الذين هاجروا إلى الدول الغربية المتقدّمة للعمل هناك في بيئات ملائمة على أنهم قادرون على التفوق على أقرانهم في شتّى المجالات بما فيها مجال العلوم والتكنولوجيا الذي يزعم الغرب احتكاره في هذه الأيام. وخير مثال على ذلك العالم العربي المصري أحمد زويل الذي نال جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999م وقبله وربما بعده كثير من العلماء المسلمين. ومع كل ذلك فقد جاء تعامل الغرب معنا من منطلق تميّزه بالتقدّم والإنجازات العلمية مستهدفاً فرض تفوّقه واحتكار أسرار كثير من مجالات التقدّم العلمي لديه. ولم يكتف بذلك وإنما توسّعت لديه ساحة الصراع الحضاري وأساليبه إلى إحداث تصدّعات في بنية الكيان العربي والإسلامي, فتصدّى لفريق وَصمهُ بالإرهاب وسخّر معظم إمكاناته التقنية لتدميره وتشويه مقاصده ومواقفه ودفعه في بعض الأحيان للانحراف نحو مزيد من التطرّف والغلو, وتصدّى بالوقت نفسه لفريق الاعتدال والوسطية وسخّر معظم فعالياته السياسية والاقتصادية والثقافية ليمارس مزيداً من الضغط عليه لتقديم التنازلات تلو التنازلات وتحقيق أكبر قدر ممكن من التبعية والاستسلام إضافة للصراعات المحلية والاقليمية يقودها في طريق التجزئة والانقسام بحيث زادت مسافات التخلّف وتباعدت مستوياتها.

إن لدينا ثلاثة أمور للقضاء على قيود التخلّف الذي وُصمنا به وهي العلم والإرادة نحو التغيير والإمكانات المسخّرة للعلم والأبحاث العلمية. فعن طريق العلم نتخلّص من قيود الجهل والمقولات التي ليس لها أي سند من دليل أو برهان وبالإرادة الصلبة نتخلّص من عبودية العادات السلبية ونعمل ما يمليه علينا العقل القيام به وعن طريق تسخير الإمكانات لما هو نافع ومنتج نتخلّص من ضغوط البيئة وتحسين أحوالنا المعنوية والمادية. تلكم هي في الختام المسارات الصحيحة والعقلانية لإرساء قواعد البحث العلمي المؤدية إلى آفاق مستقبلية واعدة ومزهرة تعزّز الاحترام للمعرفة وبيان دورها في إحراز التقدّم الحضاري والإنساني وعلى أمل خلق الندّية اللازمة في التعامل مع أعداء الأمة.

 


*
نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter