سفيان الخزرجي
اطفال شعراء ومشرفون اغبياءسفيان الخزرجي
في بداية السبعينيات من القرن الماضي عـُيـّنت معلما في مدرسة سعد الابتدائية في بعقوبة او بالتحديد على اطراف مدينة بعقوبة قرب معسكر سعد.
توليت امر تدريس اللغة العربية، ومن ضمن مواد تدريس اللغة العربية كانت مادة الانشاء.
وفي الحصة الاولى في تدريس هذه المادة طلبت من الطلاب ان يكتبوا موضوعا اسمه الربيع. جاء التلاميذ في موعد الحصة الثانية وقد كتبوا عن الربيع.
معظمهم كتب ان الربيع احد فصول السنة الاربعة، تورق فيه الاشجار وتتفتح الزهور، ويعتدل الطقس.
فقلت لهم وهل ان درسنا هو المناخ او العلوم الطبيعية لكي تكتبوا لي انه احد فصول السنة الاربعة، وان الاشجار تورق فيه، فحتى الحمير تعرف ان الاشجار تورق فيه،
درسنا اسمه انشاء في مادة اللغة العربية وليس انشاءً في درس علمي.
فبهت التلاميذ وسألوا وعن ماذا سنكتب؟
فقلت لهم ستكتبون كل ما لا نعرفه. فقال احد التلاميذ الفطنين: وكيف نكتب نحن الاطفال شيئا لا تعرفه انت معلمنا.
فاجبته: هذا هو بالضبط ما اريده، ان تكتبوا ما لا اعرفه.
ساد صمت مطبق، وانا انظر لهم وهم يحدقون بي وبشعري الطويل وكأني مخلوق اسطوري قادم من المريخ.
قلت لهم: اكتبوا عن عشق فراشة لزهرة، اكتبوا عن بلبل يسكر برحيق زهرة بللها المطر.
اكتبوا اي شيء لا يخطر ببالنا.
كنت اريد ان احطم فيهم الموروث من التفكير السائد في كتابة الانشاء.
تدريس اللغة العربية يشمل: القراءة، الاملاء، النصوص، والانشاء.
ففي درس النصوص كنت اقرأ لهم لمحمود درويش ومحمد الماغوط والسياب والجواهري وادونيس ورامبو وشعراء آخرين.
مرت شهور وانا اكثف قراءاتي وهم يحاولون كتابة ما لا نعرفه، وفي زخم الكتابات الغريبة والهلوسات العجيبة ظهرت بوادر شعرية عند بعضهم. حاولت التركيز على هذه المجموعة وزودتهم بمجاميع شعرية، (معظم كتبي تبخرت عند الطلاب).
قمنا بكتابة اول نشرة مدرسية شعرية وكان اسمها: على الشاعر ان يترك للكلمات حريتها.
وزعنّا هذه النشرة على المدارس المتوسطة والاعدادية، فاثارت ضجة هائلة حتى ان بعضهم اعتقد اني هو من كتب هذه القصائد بهذا السحر والجمال.
اقمنا مهرجانا شعريا قام فيه اطفال باعمار 11 ـ 12 سنة بكتابة والقاء قصائدهم، واكاد اجزم انه اول مهرجان شعري من نوعه في العالم العربي ان لم اقل في العالم.
حضر المهرجان شعراء وادباء فاثار بلبلة عند اكثر الادباء والمهتمين مما حدا ببعضهم الى زيارتهم والتعرف عليهم، ومن بين الذين زارونا الشاعر فاضل العزاوي وعلي جعفر العلاق، وقد اعد لهم برنامجا في الاذاعة وكتبت عنهم الصحف في العراق والعالم العربي، واذكر ان فوزي كريم تناول قصيدة احدهم وكتب: لو قيل لي ان هذا القصيدة للشاعر الفرنسي رنيه شار لما استبد بي العجب.
لم يرق هذا النشاط لمديرية تربية ديالى، فارسلوا احد المفتشين ليستفسر عن هذه الحالة المريبة خاصة وان معلمهم سفيان الخزرجي من الاسماء المشبوهة سياسيا.
جلس المفتش التربوي في غرفة الادارة محاطا بالتهليل والترحيب من المدير وطاقم المعلمين، وقال بعنجهية متكلفة وبنوع من السخرية: سمعت ان في هذه المدرسة شعراء.
فاجاب المدير: نعم استاذ. وطلب ان يأتي احدهم.
طلبت ان يأتي هشام محمد.
هشام محمد هذا في الصف السادس الابتدائي، طفل نحيل الجسم بشعر بنيّ اللون وبعينين زرقاوين يفتحمها بصعوبة حين ينظر اليك وكأنه ينظر الى ضوء ساطع.
قلت له ان الاستاذ المفتش يريد ان تقرأ قصيدة من شعرك.
قرأ هشام قصيدة قصيرة فقال له المفتش: لم افهم شيئا.
فرد هشام بكل ثقة وجرأة (وانا انقل هنا نص كلام الطفل هشام).
ـ استاذ هل قرأت لادونيس؟
المفتش. لا
هشام: هل قرأت لمحمد الماغوط؟
المفتش: لا
هشام: هل قرأت لرامبو؟
المفتش: لا
هشام: استاذ فكيف ستفهم قصيدتي اذاً؟
احدث هذا الرد زوبعة من الغضب عند مدير المدرسة وانا انظر الى وجه المفتش وقد اكفهر من الشعور بضآلة ثقافته.
فصاح المدير بهشام: اخرج من هنا
شعرت بان قلبي يكاد ينفجر من الفرح، فلم يكن احد من الحاضرين يتوقع هذا الرد العبقري الذي كشف غباء وخواء مفتشينا التربويين.
وكمكافأة على جهودي قامت مديرية التربية بنفيي الى قرية نائية، ولي فيها هناك قصة اخرى.
اعتذر لقرائي عن الانقطاع فقد افقدنا (الربيع) العربي صوابنا.