د. صباح قدوري
على هامش الانتخابات البرلمانية في الدانمارك 2011د. صباح قدوري
كان من المزمع اجراء الانتخابات البرلمانية في شهر تشرين الاول/اكتوبر2011. وفجأة اعلن رئيس وزراء الدانمارك لارس لووك، وحدد يوم 15 ايلول/سيبتمر الجاري موعدا لهذه الانتخابات. مباشرة بعد ذلك، بادرت الاحزاب السياسية الرئيسية بتكثيف حملتها الدعائية للانتخابات بالوسائل الاعلامية المختلفة ،من خلال الاعلان عن مرشحيها وتعليق صورهم على الاعمدة الكهربائية في الشوارع الرئيسية من المدن الدانماركية. وتوزيع بطاقات بصور واسماء المرشحين ووصف موجز ببرامج الحزب، وبالاتصال المباشر بالجماهير في شوارع المدن الرئيسية. اقامة الندوات والمداولات السياسية والمؤتمرات الصحفية لقادة الاحزاب من خلال الوسائل المرئية والسمعية والصحف المحلية الرئيسية والمواقع اللاكترونية، وغيرها. وتقاسم مرشحو هذه الاحزاب على شكل مجموعتين، الكتلة الحمراء وهي معارضة للحكومة الحالية، وتتألف من الحزبين الرئيسين الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الشعب الاشتراكي، وكذلك القائمة الموحدة. والكتلة الزرقاء التي هي الان في الحكم ، وتتألف من حزب اليسار الدانماركي- اللبرالي ذا نهج يميني، وحزب المحافظين، وكذلك حزب الشعب الدانماركي، وهو حزب قومي يمثل اقصى اليمين ومعادي لسياسة اللاجئين والاجانب. ويوجد ايضا حزب اليسار الرادكالي كان في السابق محسوبا على الكتلة الحمراء، وكذلك حزب التحالف اللبرالي، وهو اقرب للكتلة الزرقاء.
يحاول حزبا اليسار الراديكالي والمحافظين التعاون سوية مع الحكومة الجديدة بعد الانتخابات، بغض النظر عن اي من الكتلتين (الحمراء او الزرقاء) ستفوز بهذه الانتخابات. وهذا يعني ان حزب المحافظين الموجود حاليا في الحكم مع الحزب الرئيسي اليسار الدانماركي- اللبرالي، لا يرغب بالتعاون مع حزب الشعب الدانماركي مستقبلا.
ان النقاشات الدائرة بين مرشحي كتلتي الحمراء والزرقاء والاحزاب الاخرى ، تشمل مواضيع متعددة، منها الوضع الاقتصادي، سياسة المهاجرين واللاجئين والاجانب، الوحدة الاوربية، مكافحة الجرائم والتصدي للارهاب الدولي، السياسة الخارجية ، البيئة. ان المواضيع الاساسية والمهمة التي نركز عليها في هذه النقاشات، تتمحور في الموضوعين الاساسيين، هما:-
1- الوضع الاقتصادي: ان الاحزاب اليمينية الحاكمة في الدانمارك بشكل مستمر منذ عشر سنوات، تستند برامجها الاقتصادية على فكرة اللبرالية الجديدة وتطبيقها على كل مرافق الحياة. تطبيق نموذج اقتصاد السوق وخصخصة قطاعاته . تضعيف دور الدولة في الاقتصاد، وخاصة في المجالات الاساسية ، التعليم والصحة والتقل والمواصلات والبني التحتية والانشطة الاجتماعية، دعم الادوية والسكن لمحدودي الدخل وغيرها. وعلى اثر هذه السياسة وتفاقم الازمة الاقتصادية والمالية العالمية ، افلست كثير من الشركات الصغيرة في القطاع الصناعي، او اصبحت شركات تابعة للشركات الكبرى لاصحابها الاغنياء في الدانمارك. نقل كثير من الشركات الوطنية الكبيرة الى الخارج ، مما سببت في ارتفاع معدل البطالة الى اكثر من 10% للدانماركيين وبحدود 25% في صفوف المهاجرين واللاجئين. ارتفاع اسعار الاغذية والسلع والخدمات، وخاصة الاساسية منها بمعدلات اكثر من 10%، مع ارتفاع التضخم بحدود 2-3% ، كان في السابق بحدود 1-2%. ان السياسة الضريبية التي اعتمدتها الحكومة الحالية ، تهدف بالاساس الى تخفيض كاهل الضريبة على الفئات الغنية. تدني اسعار العقارات في سوق المضاربات العقارية ودخوله طور الركود، وارتفاع فوائد القروض للديون العقارية. انخفاض مستمر في قيمة بعض اسهم الشركات الدانماركية الكبرى في سوق بورصة الاسهم والاوراق المالية. وتزايد مديونية الدانمارك في الوقت الحاضر. وهناك جدل ايضا بين الكتلتين حول معالجة مسألة التقاعد المبكر للعاملين في الخدمة. يحق العامل المستمر في الخدمة ان يحصل على تقاعد مبكر قبل خمس سنوات من بلوغه سن التقاعد الاعتيادي الذي كان محددا ب 65 سنة. اي عند بلوغه 60 سنة. يرتفع هذا السقف خلال المدة من 2019- 2022، الى بلوغ سن 62 سنة ، وذلك بسبب تغيير سن التقاعد الاعتيادي من 65 الى 67 سنة. ان جوهر المناقشة بين الكتلتين في هذه المسألة، ينصب في مدى تحمل ميزانية الدولة لدفع رواتب هؤلاء المتقاعدين ، وهي عادة 80% من اخر راتب، واثرها على البطالة في سوق العمل.
تؤكد الحكومة اللبرالية من جديد خلال البرامج والمناقشات المطروحة من قبلها على الاستمرار بمواصلة نهجها في الحكومة القادمة في حالة فوزها، والمضي قدما في تطبيق نموذج الاقتصاد الحر، وخصخصة القطاعات الاقتصادية، والتقليل من اهمية دور القطاع العام في تقديم الخدمات الاساسية والضرورية للشعب في المجالات الاجتماعية ، الصحية ، التعليمية والاقتصادية ، وذلك من خلال تخفيض الاعتمادات المرصدة لها في الميزانية العامة للدولة .
2- في مجال سياسة المهاجرين واللاجئين والاجانب: استمرار كتلة اليمين الحاكم في مزيد من التشديدات وبالتعاون مع حزب الشعب الدانماركي حليف الكتلة ، من دون مشاركته في الحكومة، على قوانين اللاجئين، وجمع شمل العائلة.ان الاقامة الدائمة كانت تتم تلقائيا بعد الحصول على الاقامة، ومضى ثلاث سنوات على ذلك. اما الان على طالبي الاقامة الدائمة تقديم طلب بذلك والانتظار لمدة سنة واحدة للنظر في المعاملة. وفي حالة الموافقة وفق الشروط الموضوعة ،على طالب الاقامة الدائمة دفع مبلغ بحدود 3000 كرون رسم تسجيل الاقامة في الوقت الذي كانت مجانا قبل صدور هذه القوانين والتعليمات. صعوبة الحصول على المواطنة الدانماركية ووضع شروط مايسمى ب (Greencart) ، وهي شروط معقدة من حيث المدة،اصبحت من6 الى 10 سنوات في الاقامة الدائمة . اداء الامتحانات في اللغة وتاريخ المجتمع الدانماركي، مع الزام وجود العمل لطالبي المواطنة مدة لا تقل عن اربع سنوات عند تقديم الطلب بذلك. انتهاج سياسة تعقيد في برامج الاندماج الاجتماعي وفي سوق العمل.التفكير الجدي مع التطبيق الفعلي في ارجاع معظم اللاجئين والمهاجرين الى بلدانهم، وخاصة طالبي اللجوء الجدد واغلاق الحدود بوجه المهاجرين الجدد. اتباع سياسة تشديد وتقليص الاعتمادات والمساعدات الخارجية التي تقدمها عادة الدانمارك الى البلدان الفقيرة والمتأخرة ، او التي تتعرض الى الكوارث الطبيعية او الامراض والحروب وغيرها . اما كتلة اليسار لها تباين في سياستها تجاه الاجانب ، اذ ان الاحزاب ، اليسار الراديكالي والشعب الاشتراكي والقائمة الموحدة ، يتضامنون ويدعمون قضايا الاجانب ، وخاصة في مجال برنامج الاندماج وسوق العمل، ومنح اللجوء ، في الوقت الذي نجد هناك تراجع نسبي من قبل الاشتراكي الديمقراطي في سياسته هذه .
وبهذه المناسبة ، لابد من وقفة سريعة ومختصرة على بعض الاسباب التي اعتقد ، انها ادت الى خسارة كتلة اليسار في الانتخابات السابقة ، ومنها على سبيل المثال ( دون الدخول في التفاصيل ) ، عدم قدرة هذه الكتلة ، وخاصة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، الذي يعتبر اكبر حزبا في هذه الكتلة ، وكان في الحكم قبل 2001، في اختيار وتطبيق البرامج الاصلاحية الملائمة لمعالجة مشكلة البطالة المزمنة والمتزايدة في البلد وفي السياسة الاقتصادية والاجتماعية.عدم اعتماد مواجهة حاسمة تجاه الحكومة الليبرالية اليمينية الحاكمة، منذ توليها السلطة ازاء استمرار نهجها في سياستها اللبرالية على كافة مجالات الحياة اليومية. واستمرار الحكومة الليبرالية اليمينية ، في تطبيق نهج السياسة الخارجية المؤيدة للمواقف الامريكية تجاه الاحداث العالمية ، وخاصة دعمها السياسي والعسكري لها في الحربين الافغانية والعراقية.
لقد حان الوقت لكتلة اليسار ، ان تعيد النظر في برامجها ، وخاصة الحزب الاشتراكي الديموقراطي . باجراء الاصلاحات التنظيمية في هيكلها وعلى مستوى قياداتها ، التي لا تزال تهيمن عليها عناصر كلاسيكية في قدراتها وطروحاتها ، والتي لا تتماشى مع التطورات والاحداث والمتغيرات السريعة التي تحدث في شتى مجالات الحياة ، وخاصة دخول العالم في مرحلة جديدة من الصراع والعنف ، على اثر التوسع الرأسمالي ، وانشاء التكتلات الاقتصادية والتقدم التكنولوجي، واستمرار الارهاب الدولي ، والازمة الاقتصادية والمالية العالمية المستفحلة واثرها على الدانمارك. والحالة هذه تتطلب من كتلة الحمراء التي لها امل كبير في فوز الانتخابات القادمة، وبذل جهود استثنائية لمواجهة هذه الحالة، والاستفادة من الاخطاء والخبرات الجيدة في السابق، للمضي قدما في الحكم لتحقيق مجتمع الرفاهية الحقيقية الذي هو في التراجع من جراء سياسات الحكومة اليمنية الحالية، ومزيد من التضامن والتفاعل مع المهاجرين واللاجئين والاجانب في سياسة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والمواطنة في المجتمع. لا تزال نسبة مشاركة الاجانب في الانتخابات البرلمانية ضعيفة ومنخفضة ، وهي ظاهرة سلبية تعكس اثرها على نتائج الانتخابات لصالح كتلة اليمين ، التي هي مستمرة في سياستها المعادية للاجانب وفي كافة المجالات. لذا نحث كل من يمتلك الحق القانوني للمشاركة في هذه الانتخابات ان يوجه صوته الى كتلة الحمراء، وذلك للحصول على مزيد من التضامن والدعم من الحكومة القادمة، وضمان اكثر في تحقيق الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والمشاركة النشطة والفعالة في عملية الاندماج المستمر والتفاعل مع المجتمع.