الثلاثاء 22/7/ 2008
عندما غسل رشدي العامل همومه بالمطر
د. صدام فهد الاسدي
فتح رشدي عينيه طفلاً على الطبيعة في بيئته الأولى (عانة) تلك المدينة النائية على ضفاف الفرات بنواعيرها وأشجارها ونخيلها الباسق وسمائها الصافية فأحبها وهام بها ورسخت في عينيه مناظرها الجميلة وعند انتقاله إلى بغداد رأى جمالاً ساحراً على ضفاف دجلة فأكتملت البيئتان في رؤيا الشاعر ، والطبيعة ليست غريبة عليه زد على ذلك وزياراته إلى البصرة مدينة النخل ، وغربته في مصر وجمال نيلها ورحلته إلى أسبانيا ومروره بالبحر ثم قراءته لشعراء المهجر وحبهم للطبيعة إضافة لكون الشاعر صاحب نفس مطبوعة وراغبة في التجديد والابتكار . وهو يرى في الزهور التي لم تفتح أكمامها بعد أجمل الهوايات وعندما لا تولد القصيدة يبقى لديه الأطفال والزهور بديلاً ) ([1]) .
وعندما تتحدث إليه غيمة ماذا يبادلها وهو لا يعرف لغتها فكان يقول :
سأقول لها
هات عصفوراً وسنبلة وزهرة ([2])
كانت نظرته إلى الطبيعة شاملة يهتم بمفاتنها البسيطة ويجعل من نفسه جزءا منها وإن وحدته وكآبته الدائمة ومزاجه الرومانسي جعله يندمج معها بما يشبه الحلول حتى أمسى هيامه فيها له حدود ، وكان الذي يقرأ بداياته الشعرية يتصور إنه شاعر يختص بالطبيعة وما نكاد نجد قصيدة تخلو من ذكر عناصرها إلاّ ما ندر ومثلما كان الحزن رفيقة الدائم كانت الطبيعة أيضاً ، وإن دواوينه الثمانية تزدحم بمفرداتها والرائع عنده كأنه نظم تلك الدواوين بنفس متصل وشعر واحد كما يرى الناقد حاتم الصكر (رشدي لم يكتب إلاّ قصيدة واحدة يغنيها بألف صوت والف مفردة )([3]).
وعن بدايات رشدي مع الطبيعة ما جاء في ديوانه الأول (همسات عشتروت ) عام 1951 فقد اتخذت من الطبيعة مدخلاً ليصل إلى غرض الغزل يستعين بها على وصف مشاعره فهي شاهد على صبابته وسهره ، تشاركه في لقائها تباريح الهوى . فيبدأ بالطبيعة ثم يذكر غرض الغزل سائراً على الطريقة التقليدية .
انظر قوله في قصيدة حرمان :-
ظلال الحياة .. ظلال الدجى تهوم في لحنها الموعد
سحب السماء بعالي الفضاء وتحوم من جودها الأسود
وليل بهيم يلف الحياة ونجم بأفق الدجى الأبعد
وبحر يثور بأمواجه ويمشي على غير ما مقصد
ورمل كثير على شاطئ نعومته كالفتى الأمرد([4])
وهو ينقل لنا تلك الصورة الجاهلية التي نظر اليها امرؤ القيس في وصف حبيبته وهي تدخل الماء مع صديقاتها, وبعد هذه العناصر المتسلسلة للطبيعة يصل الشاعر إلى وصف المرأة ، يقول :
وألقت ملابسها في العراء وراحت إلى المنهل البارد
ويحس الشاعر بالتقارب والتشابه بين الحبيبتين الأرض والطبيعة فيشير إلى المكان الذي نشأ فيه وهو (عانة) في قصيدة حنين :
تراها تمد شراع الخيال وتبحث في الظلمة الداجيه
تساءل عنه بعيد النجوم وتنظر تستطلع الرابيه
أما ذكر التمتمات القصار وأعينها نحوها رانيه
وإلاّ بقايا رماد السنين وريح تجررها (عانيه) ([5])
وتتجلى روحه في تغلغل روح الطبيعة في شعره الغزلي ووصف محاسن المرأة عندما يرسم ذكرياته الجميلة ممتزجة بالطبيعة الساحرة فيشخص المكان الجميل قائلاً في قصيدة (وهم) :
لقاءاتنا في الليالي الخوال
وماضي الهوى أخيال .. خيال
وأحلامنا قرب ذاك الغدير
إذا البدر نور فوق التلال
لقاءاتنا والسكون العميق
إذا شمنا أو طوتنا الليال
وصوتك أما أردت الرجوع
تعال بقربي هيا تعال([6])
وكلما يستذكر حبيبته في لحظات هنيئة تقف الطبيعة مشاركة (البدر ، الغصون ـ الغدير) فيربط بين محاسن الطبيعة ومحاسن حبيبته وقد وظف فيها مفردات الطبيعة ضمن مضامين شعره المتنوعة كقوله :
كنت بالأمس شاعراً أتغنى في ينابيع حسنك الفتان
قد ملأت الأكوان حباً وشعراً فجرت فيه رائعات الأغاني([7])
ويشبه النهدين بإضمامة الورد وعبير المسك وغفوتها مثلما تغفو الوردة قائلاً :
نهداك يا أضمامة الورد
ويا عبير المسك والند
يا رعشة تسري بأوصالنا
وهوة تنأى عن الرشد
يا غفوة العذراء تطفو على
جبينها إيناعه الورد
نهداك يا برعمة فتحت
أكمامها من فتنة تسبي([8]) .
ويربط بين نهدها حين يكون ممتلئا بالحنين مثل الغصن الممتلئ بالورد والزهر والحلم
نهــــداك في روعتها عالم بالخير مملوء وبالشر
يا غصن حب في الهوى مورق بالورد والأحلام والزهر([9])
ويبحر رشدي في أسرار الجمال الألهي الأزلي واصفا الأبداع الآلهي على طريقة المتصوفين قائلاً في القصيدة ذاتها :
نهداك يا مرآة طرف سها في غفوة صورها ربى
يا خاطراً يسبح في عالم عبر عنه الله بالحب([10])
وقوله في قصيدة أخرى :
عن الحب همسات الربيع عن الموج عن لجة طاميه
ينقلها حيث شاء الخيال قعيدا ويدنو بها ساهيه([11])
وكلما خطأ رشدي إلى الأمام كبرت عنده الطبيعة فيأنس بها بنزوع رومانسي حالم بكل مظاهرها ، فالليل أكثر ما يأخذه سبيلاً لأنطلاق مشاعره الذاتية وتوليد تأملاته فيراه كابوساً ثقيلاً يبعده عن أحبته لذا يعدد صفاته (قسوة الليل – صمت الليل – عتمة الليل – هموم الليل – سبات الليل – سراب الليل ) ([12]) .
ولذلك يشخص لليل صفات الإنسان (كف الليل - ضلوع الليل - صدر الليل - عيون الليل - عروق الليل) ([13]) .
ويستعين بالليل ليعبر عن ذاته الحزينة ويحس خلاله بالخوف والرعب والقلق خاصة عند سنتصف الليل قائلاً :
ينتصف الليل .. يظل الجرس الأعمى مشلولاً
والخطوات تغيب عن الدرب([14])
وقوله في قصيدة من الأوراق المطوية ..
وراء سور العشق يا راحلة الجبين
إني أذن عرفت ، نصف الليل ، إنني حزين([15]) .
ويخاف من زحف الليل ورياحه عندما تهب :
هل ترتجفين الآن
في هذا الليل الزاحف فوق الجزر المنسية
وأنا وحدي ، أحلم بالخصلات المرخية([16]) .
فتبرز من خلاله وحدته القاتلة فيخشى الغربة فيه فيكثف معاناته باستعماله رموزاً خاصة بذاته .. (ليل الغربة ، ليل الليل ) ، وقد يأخذ الشاعر من كلتا الطبيعتين ويركب منهما تركيباً مجازيا مثل شراع الليل – ثلوج الليل شخص الليل – سراب الليل – غابات الليل([17])، ويكره صمت الليل المخيف الذي يزحف ويلف الكون بالخوف:
زحف الليل يلف الكون في صمت رهيب
فادن من قلبي مع الليل لنشدو يا حبيبي([18])
ومن الليل يختار من يشاركه سهره ومعاناته فهو الذي يحمل شعاراً ثابتاً (أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد) ([19]) ويختار رشدي النجمة في طي أحزانه حتى يرى شمس النهار وقد يطمئن إليها لأنها عالية بعيدة عن المدينة ونفاقها وهي كتومة لأسراره ...
كنت في الليل أحصي على شفتيك القبل
عدت أحصي نجوم السماء([20])
ويرى النجمة بعيدا عن وحدته ولا يجد من يسهر معه غيرها فهي التي تحدق إليه:
حدقت النجمة في وجهي
- عاشقة التيه - عاشقة البحر
وسيف الفارس والموت([21]) .
ولفت نظر الشاعر النهر فيعقد موازنة بين النهر وقلبه الذي كان ضاحكاً مثل المروج ولكن جمدت فيه أمواج الأمل كما جمدت مياه النهر ..
ويرى أن النهر طروباً وحنوناً يرقص للغروب ([22]).
ولعلها لحظة تفاؤل يبحث عنها ويتألم عندما يهجر النهر رافداً من روافده فيسميه الشاطئ المهجور ويريد وصف ذاته عندما تهجره الأحبة قائلاً :
كان عند الشاطئ المهجور فوق الرمل زهرة . ([23])
وكذلك يسميه نهر الوحشة .. ويرى الدكتور حسين عبود حميد في دراسته شعر الطبيعة (الأنهار تحمل الكثير من السمات الرومانسية فالنهر كائن حي يضحك يبكي، ويهدأ ، ويحب ويكره ،والنهر صديق حميم محيط بالأسرار ولا يبوح بها إلا لعاشقه)([24]).
ويرى النهار أليفاً يجف مثل جفاف قلبه وكأن دمه السائل من النهر قائلاً :
فأغفا جبينا وعيناً وفم
وعمده قطرة قطرة
مسيح وأمطره نهر دم ([25]).
ويخشى رشدي انتقال الماء وعدم استقراره أو قلته لذا يوصي ولده (علياً) ابنه المغترب قائلاً له : يا ولدي لن تثبت أقدامك في هذا الزمان انظر قوله :
قلت لك الأشياء
علمتك أن لا تكتب اسمك فوق الماء .. ([26])
ومما يؤلم الشاعر أن يرى دجلة والفرات يغليان دماً وهذا يريد به تلميحاً سياسياً مقصوداً فيقول في قصيدة (أيهذا الوطن) :
كيف ترخي عيونك
والنهر يغلي دماً
والعناق
بين نهريك .. دجلة تأتي إليك
ويأتي إليك ، ويأتي الفرات ، وتأتي عيون الرفاق([27]) .
وتكثر إشاراته السياسية إلى الوضع الذي كان يعيشه الوطن مستفيداً من مظاهر الطبيعة ـ قائلاً :
يوقظ فيها الملح حتى الخدر
فتصرخ الأغصان
قطرات ماء
ويذبل الورد
ويذوى الزهر
حتى تمص الريح
ماء الثمر([28]) ..
وللخيبة التي يشعر بها دائماً يرى النهر خائباً مثله فكيف يتحول نهر الفرات إلى مذبل للشجيرات ؟
ها ذبلنا وأذبل نهر الفرات الشجيرات
ما عدا في الغصن ورد
وفي النخل عذق
وما عاد بين الحناجر غير السكوت([29]).
وفي البحر يرى اضطراباً وهيجاناً مثل اضطراب مشاعره ، والبحر يمتلك الريح والنهر والأسماك فيثور والشاعر لايملك إلاّ الحزن وما في قلبه غير الصراع ومثلما وصف الليل باكياً وصف البحر ..
والزهر والليلك ينبت إذ نضحك
والبحر في عينيك يبكي ضفة تضحك([30])
وفي المطر يجد عاملاً للثورة والولادة ويريده مطراً ثقيلاً يغير الظلام الدامس وليس مطراً ناعماً .
أدري إن المطر الناعم لا يمطر شيئاً ... ([31])
وها هو يفصح عن إشارة سياسية معروفة في قصيدة رحلة جديدة مستفيدا من رمزية المطر .. قائلاً :
أواه لو تدرين .. في هذه الليلة يا ناعسة الجبين
أراقب الفجر وضوء المطر الناعم في تشرين([32]) .
وغسل رشدي أحزانه بالمطر وعندما يسأله عادل كاظم يقول : (إنك تحب المستقبل مثلما تحب الشعر ) ، أجاب رشدي : (إلاّ تحب الأرض بعد الجفاف وسقوط المطر .. وأشعر أن السماء ستمطر ذات يوم ) ([33]) . وقد تأثر بالسياب الذي سبقه في وصف المطر وقد قلده مسمياً ديوانه الثالث (عيون بغداد والمطر ) عام 1962 ، ومما يلفت نظره من صور الطبيعة الزهرة التي يصفها ضاحكة ، نائمة ، تغمض عينها ، تبكي : وهي تذوي كما يذوي عمره .. أنظر قوله :
فلقد ذوي عمري كالورد كالزهر([34])
ويلبس الوردة صفاته فلها وجنة ، جبين ، شفة ، عروق ، نظرة حزينة([35]) .
ويستفيد من الزهرة والوردة بديلا يقدمه إلى المرأة التي يحبها ، يبكي بين أحضانها يقدم إليها المطر والزهرة أو النجمة اللامعة تائباً ومعتذراً وهو يومئ بالزهرة لموقف عاطفي في حضرة المرأة المعشوقة والوطن المعشوق لآن هذين في حالة توحدهما هما أمنه وسكنه ومثواه)([36]) ، ويشرك الأزهار في ذكرياته ولقاءاته بالحبيبة فيقول :
كنت معي تضحك جذلى لو رأت أهدابك الأزهار([37]) .
ويصف رشدي الزهرة التي تعاني سكرات الموت مثلما يعاني وحياتها تنتهي بسرعة دون تحقيق آمالها ناظراً إلى الموت والحياة فيوجه عتابه إلى الريح التي تستخدم قوتها في تحطيم الزهرة الضعيفة :
هربت وما أقسى رياح الهوى / تعبث في زهرة([38])
ويجمع بين بكاء الوردة والحمامة بكاء طبيعة جامدة ومتحركة في آن واحد فيقول مشيراً إلى نفسه بالصمت :
يخرج الصمت من بيته في الصباح
يعانق برد الأزقة
يبكي الورد .. تبكي الحمامات
يسأله النهر .. هلا نعود إلى بيتنا ([39]).
انظر إلى استخدامه عناصر الطبيعة بديلاً عن الإنسان يسأل بشراً الاّ النهر ويطلب منه العودة إلى البيت وهذه دلالة يريد بها حرمانه ووحدته وانعزاله عن الآخرين ، وأقسى ما يرى من حرمان أن يرى الزهرة محصورة بين الأشواك فمن حق الزهرة بجمالها أن يشمها الناس لا أن تحاط بالشوك ..
في وجهي زهرة .. من يقطفها بين الأشواك ([40])
ويلفت نظره إلى الطير الذي يراه شبيهاً بنفسه فهو (الطائر المذبوح ، الطائر المأسور ، عصفور جريح ، طائر الحزن ) ([41])، ولأن الطير مثل للبراءة والضعف وهو بحاجة إلى المساعدة فيصف ذاته وطفولته التي كسرت أجنحته بها ويرى في المجتمع ظالماً يطلق إطلاقه نقمته عليه :
في كفك المسحوق ، يا طاغيه
مثل العصافير ، إذا رنحت
أجنحها إطلاقة داميه([42]) .
وكثيراً ما يرى الطائر رمزاً يخاطب به شاعراً آخر مثله يشجي الكون بالحانة فهو يخاطب الفنان (خالد الجادر) الرسام المعروف قائلاً له :
نجماً بلا ضوء وأغنية بلا صوت
وطيراً مغمض العينين يبحث عن جزيرة
وأصابعاً في البرد يابسة([43])..
ويرى في الطائر خلا وفيا يرمز بتلك الصورة إلى صديقه (جيان):
كان يمشي مسرعاً في ظل غيمه
كان يطوي عن عيون الناس حلمه
دونما صوت يغنينا ويبكي
طائرً يدفأ في غابة شوك([44]).
وأكثر ما يصف رشدي ذاته بالطير عندما يرحل عن وطنه ويترك زوجه وطفليه عام 1964 هارباً إلى أسبانيا قائلاً:
الطائر المأسور ..
فر إلى جزيرة النسور
خلف عشا موحشاً مهجور
وريشتين من جناحه المكسور([45]) .
وأراد بالريشتين ولديه ( علي و محمد )، ونتلمس عنده ألما على وصف ذاته بالطائر المذبوح قائلاً :
الطائر المذبوح يشم لون عشه
فتستفيق الروح([46]) ..
وأطال رشدي كثيراً في مناجاة القمر (معشوق الشعراء وسميرهم في ليل الهموم ، ويبدو له قمرا شاحباً متعباً أبيض وله جبين )([47]) .
وعندما ينظر قليلاً يطمئن من وحشة الليل ، وهنا يلتقي مع السياب في صوره عن القمر قائلاً بحزن عندما يبتعد القمر :
وأمس ، تساءل عنك المطر
ونافذة غاب عنها القمر
وشباكها..والندى والزهر([48])
ولما لم يجد عالماً مثالياً ألتجأ إلى الغاب (رمز الطبيعة البكر والحياة المثلى) ([49]) ، وكثرت عنده ملامح الغاب (غابات الشعر ، غابات النسيان)([50]) .
ويتحول الغاب إلى حلم يحلم به الشاعر وخاصة لو جاء حطابا إلى الغابة هروبا من إضطراب المدينة ..
أني وراء البحر مستيقظ أحلم لو جئت إلى الغابة
أحلم لو أسرجت لي شمعة لو جئت حطابا إلى الغابة([51])
ولعله يجد البساطة والألفة التي ينشدها فالغاب يساوي بين حيواناته مما لا يجده في المدينة غير التفرقة والحرمان ..
قد مللت الجراح أبعدوني
إلى غابة لا تقيح فيها الجراح
وسأمت الوجوه خذوني
إلى جزر ، لا تتلصص فيها العيون([52])
ويطلب من الزمن بصوت عال أن يفتح له طريقاً إلى الغابة ..
فأصرخ أيها الزمن
إلاّ درب إلى الغابة([53])
وفي المساء أفضل أوقات كتابة الشعر عند رشدي (عندما يختفي ضجيج المدينة ويأتيني صوت الليل مفعماً بالتطلع والكآبة اللذيذة ) ([54]) فيتجاوب معه لأنه يكتب عن عينيها في السماء ..
أكتب عن عينيك في المساء([55])
وقد يبعث عنده الغروب بنهاية يوم تصعد فيه النجوم لأبراجها فيسميه المساء الجميل([56])، وتبرز رومانسية رشدي كثيراً وقد أفاض بها أفاضة بالغة في الخريف الذي تجف أوراق أشجاره تتخذه محوراً ليعبر عن فكرة فلسفية مفادها كموت المادة وتناسخها وانتقالها في أطوار مختلفة من الحياة([57]) ، ويكون مستفيداً من وصف الخريف مجازياً ..
ورجعت أسأل ، خريف منابعي ، كأسي ودني([58])
وقوله ..
والجسد النائم يشكو من ذبول الروح
هذا طريقي جربي ان تعرفي النسيان
ويربط بين فراق زوجة عمره الذي ابتدأ بفراقها له :
متى ألقاك
قلت الليلة
تمتمت(غداً)
مر ربيع
مر الصيف وزاد المرقد برد الشتاء
لكنك لم تأتِ
قالوا لي أنك في خريف العمر
رحلت .. ([59])
ويتخذ أوراق الخريف رمزاً للآمال المحطمة داخل النفس الكئيبة ولآن الخريف (إيذان بالفناء الذي أحسه والوحدة في ورقة الخريف باصفرارها وارتعاشها يمثل عوامل تكون مصدر الأسى في الصورة وتمثل في نفس الوقت اللمسة الرومانسية في التناول لها) ([60]).، ويختلق رشدي حواراً مع الطبيعة ليؤكد تفاعله الدائم معها ويؤكد عبد الرحمن طهمازي ذلك قائلاً أن(الشاعر لا يتردد في توجيه الدعوة إلى رؤية مشتركة فالذي يتحاور معه ليس له ملامح خاصة ) ([61]).
قالت : ماذا تفعل ، لو غبت الآن
فقال : أحدق في كل نجوم الليل
وحين أشاهد أحلى نجمة صبح
تومض في الفجر ، أراك .. ([62])
وقد يتفاءل رشدي أحياناً برغم حزنه وكآبته فيرى الشمس التي لا تغيب والمطر الذي يغسل جفاف الأرض ويرمز إلى الشمس بالحرية الغائبة عنه وعن الناس جميعاً والتي يسميها صديقه على الشوك(الشمس الحلوة التي يشتهي كل منا أن يضعها في بيته) ([63]). ومن هذا التأمل المتفائل :
أن دفء الشمس لن يهجر غابات العراق
وبعيداً خلف آلاف الركامات اللعينة
لن تضيع الشمس لن تخنقها كف المدينة ([64]).
ويخلق رشدي بين عناصر الطبيعة علاقات مهمة كإحساسه بالألوان والعطور لا ترى ولا تشم مثل استخدامه(جرح الضوء ، عطر لون ، لون الهمسات ، لون الكلمات، لون الحلم الراقص ، لون الأحزان ، لون الشمس ..).
(وهذه العلاقات المركبة يراها تركيباً معقدا تستدعي أحساسا خاصا بإنسانية الطبيعة)([65]).ٍٍ وكلها تدل على تلاشي ذات الشاعر بالطرح الرومانسي الذي تميز به رشدي حين يقول:
جرح ضوء مر كاللمح وغابا
ما غدا حلماً ولا أبقى سراباً .
وقوله:
قد تجف الأعين ويدخل في الأوجه لون الهمسات
ينأى عن بهجتها لون الكلمات([66])
وللون عند رشدي في قصائد الطبيعة وقع خاص يقترب من حالته النفسية ، واللون الأخضر طغى على كل الألوان وجعله خير شاهد على طبيعة مزاجه ومن خلاله نتعرف على وضعه النفسي وحسبي إن الشاعر يتفاءل من خلاله لذا يتكرر في أقواله ..
(النجوم الخضر ، خضرة الغاب ، الضفاف الخضر ، خضرة الأعشاب ، منقاره الأخضر )([67])، وكما يعلل الدكتور ماهر حسن فهمي في دراسته لشعر الحنين والغربة سبب استخدام الشاعر اللون الأخضر يقول : (يعني الشاعر باللون الأخضر رمزاً يتخلص من الإحساس بالبهجة والطمأنينة اللتين يريد أن يوحي بهما )([68]) كما قال رشدي :
هذا وطني سأقبل تربته الخضراء
هذا وطني خذني من أحضان المهد إلى اللحد ..
وطرز أقمطتي السمراء([69]) ..
ويريد باللون الأسود التشاؤم والتعتيم، واللون الأبيض النقاء والصفاء، والأزرق يشير به إلى زرقة السماء والماء ، واللون الأحمر يريد به استعارة سياسية([70]) .
وأهتم رشدي بإيراد الحكمة في تنويعه لشعر الطبيعة ..
قد يموت الغصن مسحوقاً ولكن جذوره ...
أبداً تحضنها الأرض المدماة الحزينة ..
وقوله : أعرف أن الدم لا يغدو ماء في جسد الإنسان([71])
وعد الطبيعة ذات روح يمكن مخاطبتها ومناجاتها ومبادلتها الأفكار والعواطف وماشياً على طريقة القدماء الذين أنطقوا الطبيعية ونسبوا إليها التفكير والتأمل ومنهم من جعل لسان العقلاء مثلما حاكى عبد الرحمن الداخل – النخلة قائلاً :
يا نخل أنت غريبة مثلي في الأرض نائية عن الأهل([72])
ورشدي أحس بالطبيعة وسمع ضربات فؤادها فخاطب الشجر والمطر والغيمة والليل والربيع ..
ووحيد يا شجر النخل
تناوحك الريح
يا شجر النخل ، ملئ قلبك بالأسرار([73])
ويخاطب الحمام قائلاً :
قد هوى الروح فاصمتي يا حمائم([74])
ويخاطب الغيمة قائلاً :
من أجل حقل عربدت فيه ريح
هبي لي يا غيمة مجدبة
شيئاً من الماء([75])
وأكثر ما يخاطب رشدي المطر .. مثل قوله ..
يا مطر الليل على زندها يضحك يا سكرة السكر([76])
وقوله ..
أيهذا المطر الناعم لا يعرف سر الأرض
غير المطر الناعم
يروي الحقل والبستان
أيهذا المطر .. أننا ننتظر .. ([77])
ومن هذا الفرض نستنتج أن الطبيعة أقتسمت مع الغزل قصائد رشدي فقد أعطاها اهتماماً كبيراً ولم يفرد لها قصيدة مستقلة بل جاءت ضمن موضوعاته الأخرى كالغزل وغيره ، ونرى عنوانات الطبيعة بارزة ومثل شجرة حنين ، الربيع ، نهر الوحشة ، أشجار التاريخ ، ولا تعني تلك العنوانات الطبيعة ذاتها بل يرمز بها الشاعر لشيء يريد التعبير عنه([78]) .