| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

السبت 9/6/ 2007

 

 


المقدس والمسدس
 

د. صادق إطيمش

في لقاء مع صديق قادم توآ من جنوب لبنان جرى الحديث حول الوضع الذي يعيشه الشعب اللبناني عامة تحت هذه الظروف ألمأساوية والقوى المحركة لها والعاملة على جر البلاد والعودة بها إلى الحرب الأهلية التي إستنزفت هذا البلد وأهله وخيراته وإمكاناته لعشرات من السنين ولم تخلف وراءها سوى الدمار والخراب الذي ما بدأ أهل لبنان على إزالته حتى جرهم الحاقدون عليهم وعلى بلدهم إلى ذلك المربع الذي بدأت فيه الحرب ألأهلية أوائل الثمانينات من القرن الماضي . وجرّنا ألحديث بشكل خاص إلى الهجمة الصهيونية الشرسة التي تعرض لها جنوب لبنان في تموز الماضي وإلى الهجمة ألإسلاموية الإجرامية التي يتعرض لها شمال لبنان حاليآ ممثلة بالعصابات المسلحة للمنظمات الإرهابية على مخيم اللاجئين الفلسطينييى في نهر البارد وكأن هناك إتفاقآ مسبقآ بين الصهاينة والإرهاب الإسلاموي على خلق المآزق والنكبات ألأبدية لهذا البلد الجميل . فعصابات ما يسمى بفتح ألإسلام تريد تحقيق برنامجها السياسي المتعلق بالدولة ألإسلامية عبر ألإرهاب الذي يجد له من يبرره من فقهاء الإرهاب ومَن يجعل له غطاءً دينيآ بالنص القرآني القائل " وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ألله وعدوكم " وتفسير هذا النوع من ألإرهاب الذي تنفذه قوى ألإسلام السياسي في لبنان والعراق وافغانستان والصومال والإرهاب الذي تمارسه حكومات ألإسلام السياسي ضد من يقف بوجه هذه السياسية ألإرهابية في إيران والسودان على أنه الطريق ألإسلامي لنشر راية هذا الدين بقوة السيف كما نشرها ألأسلاف بهذه القوة التي أرهبوا بها عدو ألله . وحينما دار الحديث حول الجنوب اللبناني بشكل خاص والمآسي التي يعيشها شعبه اليوم بعد الخراب ألإجرامي الذي تعرض له جراء سياسة الحرب التي تتمسك بها الحكومة الصهيونية في إسرائيل والتي تفتش عن اتفه المبررات لتحقيق هذه السياسة التي لم يفقهها بعض القادة الميدانين في الوطن العربي والذين يجرون شعوبهم وأوطانهم إلى كوارث كهذه لم يكونوا قد توقعوها كردود فعل لسياسة حكومة عنصرية لا تقوم لها قائمة دون الحروب , وما القول الذي خرج به السيد نصر ألله قائد حزب ألله في لبنان والذي صرح فيه ما معناه " لو كنا نعلم مسبقآ بأن إسرائيل سترد على إختطاف الجنديين ألإسرائيليين بهذه الشدة لما قمنا بإختطافهما " يا لسذاجة هذا المنطق ممن يضع نفسه على قمة القيادة السياسية والعسكرية لتنظيم ديني سياسي عسكري كبير وهو جاهل بطبيعة ما يدور حوله في سياسة دولة قامت على الحروب التي خسرها العرب معها جميعآ وتظل سياسة هذه الدولة تقوم على الحروب وسيخسرها العرب جميعآ أيضآ لأنهم لم يغيروا شيئآ بأنفسهم , فكيف ينتظرون التغيير من الغيب...؟ إن الوضع المأساوي الذي يعيشه أهالي الجنوب عَكَسَه محدثي على شكل آهات تنم عن خيبة في ألآمال التي كان البعض يعول عليها بعد ما تحقق " ألإنتصار " على الدولة ألإسرائيلية , حيث كان المواطنون في الجنوب , وخاصة أولئك الذين هدم القصف ألإسرائيلي الصهيوني ديارهم وأحرق مزارعهم , ينتظرون العون والدعم وحصتهم من ألأموال الطائلة التي جاءت من إيران إلى حزب ألله والتي جرى ألإعلان عنها كإعانات لهؤلاء الفقراء الذين فقدوا كل شيئ والذين هم على إستعداد دائم للتضحية بما لديهم في سبيل الوطن , إلا أنهم يطالبون بنفس الوقت بتحقيق ظروف الحياة الطبيعية لهم كي يساهموا في تحقيق المشروع الوطني بالدفاع عن الجنوب ضد ألعدوان ألإسرائيلي . فماذا جنى هؤلاء الفقراء من هذا " النصر " الذي حققه لهم نصر ألله ...؟

ألشارع في الجنوب اللبناني وفي المناطق التي دمرتها حرب تموز الماضي يعج بالشعارات التي أصبحت النشاط الذي لا تباري به العرب أية أمة من أمم هذا الكون . الشعارات التي تضع ألمواطن أمام خيارين لا ثالث لهما وهما : إما ألرضوخ للمقدس الذي يفرضه الخطاب الديني ألسائد في هذه المنطقة , وما أكثر هذه الخطابات في العالمين العربي والإسلامي اليوم , فتكون بذلك من ذوي الحظوة وصاحب حصة من المساعدات الإيرانية التي يشرف على توزيعها بين الرعية قادة حزب ألله , وإن لم ترضخ لهذا الخطاب فإنك والحالة هذه أمام خطاب فوهة المسدس , هذا الخطاب الذي يجعلك تراجع أفكارك أكثر من مرة حينما تفكر باتخاذ موقف معين يترتب عليه مصير وجودك ووجود عائلتك على هذه المنطقة من ألأرض . المقدس والمسدس ....خطابان يعيشهما اليوم ليس الشعب أللبناني في الجنوب وحسب , بل كثير من الشعوب العربية والإسلامية التي تنوء تحت تسلط عصابات ألإسلام السياسي وتئن مما تعانيه من إرهابها وجرائمها التي قننها لها بعض فقهاء الإرهاب ومموليه من الحكومات الرجعية الديكتاتورية التي تتباكى على الدين المسلوب والشرف المهتوك وتدعوا الناس لحماية دينهم والإنتقام لشرفهم , إلا أن كل ما تريد هذه ألأنظمة المتهرئة تحقيقه هو الحفاظ على طغيانها وجبروتها باسم الدين ومن لم يفهم خطابها " المقدس " هذا فسوف لن يسمع غير خطاب المسدس الذي يجعل المواطن يراجع قناعاته ويفكر في مواقفه أمام خطاب المسدس هذا .

هل وصل ألأمر بالدين ألإسلامي إلى هذا ألحد فعلآ بحيث لم يعد قادرآ على إيصال أفكاره من خلال خطاب القناعة الذي جاء به القرآن الكريم في أكثر من موقع وأكده في أكثر من نص ..؟ وأين هم أولئك الذين يدعون التمثيل الحق للإسلام بكل ما يحتويه من قيم ومبادئ وأخلاق وتقاليد وتراث في المحبة والوئام والتسامح التي أصبح ترديدها الببغاوي اليوم يصطدم بآذان موصدة وأفئدة مغلقة لأنها إمتلئت بمثل هذه المبررات التي لم يجد غيرها , لإدانة ألإرهاب باسم الدين , أولئك الذين يدعون قيامهم على هذا الدين الذي كثرت خطاباته وتعددت أحزابه وجماعاته وأصبح خطاب العنف والقوة والخوف والإرهاب خطابه الطاغي أينما حللت وكيفما توجهت في ربوع هذا العالم الذي يسمونه إسلاميآ . هل يعجز الدين ألإسلامي ومن يمثله من الفقهاء والعلماء عن تقديم خطاب, لذويه قبل ألآخرين , ينشر فيه المقدسات التي يعتقد بها بلغة غير لغة المسدسات...؟

لقد أثبت الخطاب الديني السائد , ومنذ أمد طويل , عجزه عن محاكاة الفكر الإسلامي النير وأثبت أيضآ عجزه عن تحقيق بعض مفاصل هذا الفكر على المجال اليومي في المجتمعات ألإسلامية التي لم تستطع ألإنتقال , وبسبب هذا الخطاب أيضآ , من مواقع التخلف التي تعيشها منذ حقب تاريخية طويلة رغم إمتلاكها لكل المؤهلات التي تساعدها على ذلك . أما إذا اراد البعض أن يجعل من مطارات بعض الدول الخليجية النفطية وفنادقها على البحر ونوادي التزحلق على الجليد في الصحراء أمثلة على التقدم والرقي الذي يعيشه العالم ألإسلامي والعربي اليوم , فسوف لا نجد ما نقوله لهذا البعض سوى ما قاله فيلسوف العرب أبو العلاء المعري :

                        دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تُقصُّ,وقرآنُ ينص, وتوراة وإنجيلُ
                     في كل جيل أباطيلٌ يُدان بها     فهل تفرد يومآ بالنُهى جيلُ
                   ومن أتاه سجلُّ السعد عن قدرِ     عالِ فليس له بالخلد تسجيلُ
                    وما تزال لأهل الفضل منقصةٌ     وللأصاغر تعظيم ٌوتبجيلُ