| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الجمعة 8/9/ 2006

 

 

ما قبل وما بعد الحادي عشر من أيلول

 

د.  صادق إطيمش

كثير من المراقبين والمحللين السياسين مَن ينظر إلى العمل ألإرهابي على المركز التجاري ألأمريكي وكأنه نقطة التحول الأساسية في الموقف من ألإرهاب , خاصة بعد أن إتخذت جرائمه في الحقبة الأخيرة طابعآ عالميآ وجرى تحديد هويته التي أصبحت ترتبط بالدين ألإسلامي في أغلب ألأحيان . الحادي عشر من أيلول ما هو إلا حلقة في سلسلة ألإرهاب التي عرفتها البشرية منذ نشوئها, إلا انها تعاملت معها ضمن إطار تقييم يختلف اليوم عن سابقه بالأمس. إن إختلاف أساليب ألإرهاب ومنفذيه وضحاياه لا يعني إختلاف فلسفته القائمة على إبعاد ألآخر وتبني ألإكراه والسعي إلى ألإنفراد , دون أن يكون هناك أي إعتبار أوحساب لما يجرّه تطبيق مفردات هذه الفلسفة على ألآخرين . لقد عاش الإنسان ألإرهاب في مختلف أطوار حياته , فكان إرهاب القوي ضد الضعيف وإرهاب الحاكم ضد المحكوم وإرهاب المتطرف ضد المعتدل وإرهاب الإعتدائي ضد المسالم ,نفذه الإنسان متسترآ خلف بعض الرموز الطبيعية تارة وخلف الحق ألإلهي أو ألسياسي أو ألإجتماعي التراثي في أحيان أخرى . فلم تسلم من ويلاته كافة بقاع ألأرض التي عاشته تحت ظروف وأوقات معينة . وفي عصرنا الحاضر وتحديدآ بعد الثورة الصناعية التي عمَّت بعض بقاع المعمورة تمحور دور الإرهاب لتكتوي به تلك القطاعات البشرية التي شكلت وقود هذه الثورة والماكنة التي تدفع بها نحو مزيد من الإستغلال , فكانها بذلك كالضحية التي تقدم وسيلة قتلها ليد قاتلها , إذ أن خيارها ألآخر هو الموت جوعآ . فعرفت البشرية هذا الإرهاب ألمُوَجه ضد هذه القطاعات بالذات , عاملآ على إفراغها من خصائصها ألإنسانية التي كان عليها أن تتلاشى أمام عجلة ألإنتاج ألإقتصادي الذي أصبح المؤشر الوحيد لتحقيق إستمرارية الحياة وإنسجام ذلك مع مقتضيات التطور الجديدة . إلا أن فلسفة هذا ألإرهاب لم يكن يُنظر إليها كونها تُمثل ظاهرة شاذه لم يألفها المجتمع من قبل , بل بالعكس فقد كانت تُسَوَق وكأنها الحق الطبيعي لصاحب العمل أو للحاكم أو حتى لرجل الدين في حالات كثيرة وقفت فيها المؤسسة الدينية إلى جانب الحاكم الظالم أو صاحب العمل المُستَغِل , وكان الصمت الذي رافق هذا الإرهاب .

أن الجديد في سلسلة ألإرهاب اليوم والتي شكل الحادي عشرمن أيلول واحدة من حلقاتها هو الطابع الذي إتسم به والمتمثل بإندماج الرأسمال بالسياسة وكليهما بالدين ليخرج بمعادلات تتغير رموزها بين الحين والآخربحيث يظل العامل المجهول فيها متنقلآ بين هذه الحدود الثلاثة الإقتصاد وما ينتج عنه من علاقات إجتماعية , والسياسة والدين اللذان يمهدان الطريق لتحقيق مثل هذه العلاقات . لقد برز هذا التشابك الذي كانت توجهه قوى لا يستهان بقدراتها السياسية والإقتصادية والدينية بطرح بعض النماذج ألإرهابية التي عاش جيلنا بعض فصولها . وإذا ما أردنا إقتصار ألأمر على التاريخ الحديث لمنطقتنا العربية ألإسلامية بالذات فإن أبرز النماذج التي تبرز أمامنا هي تلك التي جرت على أرض الجزائر وأضمحلت تدريجيآ بعد أن رفض الناس أعمالهم ألإجرامية المتمثلة بالقتل والذبح حتى على ألأطفال الرُضع , حيث كان هؤلاء المجرمون يعللون ذبح ألطفل الرضيع بحجة إنقاذه من الحياة في المجتمع الذي يعتبرونه هم كافرآ , والنموذج الذي فككه مؤسسوه بعد أن ضاق به شعب السودان ذرعآ وبعد أن عاش المواطن السوداني تفاهات وبدائية القيادة التي كان يمثلها محور البشير.. الترابي , والنموذج الطالباني المقبور في أفغانستان وما جرّه على هذا الشعب من نكبات وويلات قذفت به إلى غياهب ماقبل القرون الوسطى , والنماذج التي في طريقها إلى مزبلة التاريخ في إيران وبقية ألأنظمة التي على شاكلتها, والإرهاب بالعراق .

من الطبيعي لا يمكننا التطرق في هذا المجال إلى كل هذه النماذج التي تشابكت فيها جميعآ حدود المعادلة السياسية والإقتصادية والدينية , ولكننا يمكن أن نأخذ نموذجآ واحدآ لنرى مدى إنطباق هذه المعادلة على النماذج الأخرى أيضآ . يتمثل هذا الطرح بالنظام الطالباني المقبور في أفغانستان . وبكل إختصار يمكن القول أنه بعد أن جرى تغيير النظام الملكي في هذا البلد وتعاقبت عليه الحكومات بعدئذ حيث إستقر به المقام أخيرآ بين يدي حكومة تبنت ألإشتراكية كإسلوب للإنتاج الإقتصادي . ونظرآ لعدم قدرة هذه الحكومة آنذاك على المحافظة على الإستقرار ألأمني والتطور الإقتصادي والإكتساح الخارجي من قبل المحور الباكستاني الإمريكي, إستعانت بقوات حليفة لها من جارتها الكبرى , دولة ألإتحاد السوفيتي آنذاك, فأعطت للإحتلال الرسمي طابعآ مبدأيآ سرعان ما أثار غضب القطب الآخر الذي إنطلق للدفاع عن الدين ألإسلامي الذي يريد الشيوعيون ألأفغان إنتهاكه مع رفاقهم السوفيت. فهرعت إلى أفغانستان , جموع المجاهدين من خبراء وكالة المخابرات المركزية ألأمريكية للقاء إخوتهم في الجهاد من ألأفغان والباكستان والعربان , وتدفقت ألأموال السعودية والخليجية والإسلاموية لشراء السلاح والذخيرة من حماة ألإسلام في ديار العم سام فتم تنسيق الصفقات بين عائلتين قدمتا نفسيهما كحاميتين ومدافعتين عن الدين وأصوله , يمثل الأولى تاجر ألأسلحة أسامة بن لادن الذي أصبح محط ثقة المجاهدين مسلمين وغير مسلمين, ويمثل الثانية آل بوش المرتبطين بآل لادن برباط قديم هدفه حماية ألإسلام , متسترين خلف شعار عدوهم ألأزلي , الشيوعية , وذلك بأموال سعودية وأسلحة أمريكية وتخطيط مشترك تحققت به حدود معادلة ألإرهاب ألإقتصادي السياسي الديني . وأنتصر المجاهدون جميعآ , مسلمون وغير مسلمين , وأنتصر ألإسلام الذي عرفه العالم بعدئذ مُمَثلآ بأوباش الطالبان الذي لم يستطع حلفاؤهم القدامى على ترويضهم إذ أن توحشهم نادرآ ووحشيتهم تخجل منها أكثر الوحوش بدائية , فاختل ميزان الود وتعطلت لغة الجهاد وسادت الجفوة بين المجاهدين من العرب وغير العرب والمسلمين وغير المسلمين . فماذا يتوقع الإنسان السوي من وحش يزداد شعوره يوميآ بالعزلة وإحتقاره وإزدراءه من قِبل ألآخرين ؟ لا شيء إلا الهيجان ولا شيئ إلا زيادة التوحش والهمجية التي تعلمها من إخوانه المجاهدين بالأمس والتي أنقذته وأنقذت ألإسلام الذي يدّعيه من بعبع الشيوعية , ولابد أن هذه الوحشية ستنقذه اليوم أيضآ من مكائد مجاهدي وكالة المخابرات المركزية ألأمريكية , رفاق درب الأمس على العقيدة والجهاد في سبيل ألإسلام . فكانت حلقة الحادي عشر من أيلول التي لا مكان لها خارج السلسلة التي تنتمي إليها والتي تشدها إلى الحلقات ألأخرى في مسلسل الإرهاب العالمي الذي نشهده اليوم .

ألإرهاب الذي كان ظاهرة عالمية منذ قابيل بن آدم سوف لن يتوقف عند أسامة بن لادن إذا ما ظلت ينابيعه ترفده بما يحتاج إليه من البشر التواق إلى الحصول على ما يقدمه له ألإرهاب من جَنات النعيم ومن الحور العين والفوز بالحياة ألأبدية بعد هذه الحياة الفانية البائسه. الإرهاب الذي بدأ بقتل هابيل سوف لن ينتهي بقتل ألمئات على جسر ألأئمة الذين هرعوا للأستنجاد بمن يعينهم على العوز والحاجة ويلوذون بمن ينقذهم من شرورهذه الحياة التي يعانون منها والتي خلت من الناصر والمعين لمثل هذه الطبقات المسحوقة , ولا غرابة أن يكون أكثر شهداء جسر ألأئمة من سكنة مدينة الثورة التي شيدها الزعيم الخالد الذكر عبد الكريم قاسم أبو الفقراء لأبناءه الفقراء من طبقات الشعب المسحوقة . وظاهرة ألإرهاب العالمية هذه سوف لن تنتهي إذا ما ظل الطغاة والجبابرة متربعين على أرائكهم يتحكمون برقاب الناس لأجيال ولا أمل للخلاص منهم إلا بموتهم , هذا في حالة عدم تفويض أحد جلاوزتهم بديمومة السلطنة وإستمرار التعسف والإرهاب . فماذا ترانا فاعلين للخلاص من كل ذلك..؟

تجفيف ينابيع ألإرهاب العالمي يقودنا شئنا أم أبينا إلى التعامل مع حدود معادلته الثلاثة ألآنفة الذكر والمتمثلة بالجهل والفقر وتسلط الحكام الطغاة . هذه الينابيع الثلاثة التي يجاهد الإرهاب من أجل ديمومتها وصيانتها حتى لا تنضب , إذ أن وجوده متعلق جدليآ بوجودها , فحياته ببقاءها وفناؤه بزوالها .

إن ردم مستنقعات الجهل المنتشرة على بقاع الأرض العربية والإسلامية , كإحدى روافد ألإرهاب , بفيض العلوم والمعارف التي إكتسبتها البشرية طوال مسيرتها التنويرية التي أخذنا نتأخر عنها كلما زادت خطى هذه المسيرة , أمر لا يمكن تجاهله عند وضع خطط محاربة ألإرهاب والتخلص من شروره . ألتعليم المُوَجَه الذي يجب أن يبدأ برياض ألأطفال ولا يتوقف عند حد معين , فطلب العلم ينبغي أن يكون من المهد إلى أللحد , هذا العلم سوف لن يجعل ألإنسان مستقبلآ لقمة سهلة لذوي الإفكار الشريرة المعادية للإنسانية والمتآلفة مع كل ما هو سيئ وقبيح . الإنسان الذي يستطيع أن يميز بعِلمِه وعقله وثقته بنفسه بين جوهر الدين وقشوره وبين الظواهر العلمية وخرافات الد جالين مُلتحين وغير ملتحين , الإنسان الذي يطَّلع على أسرار الكون ويلُّم بألغاز الطبيعة ويفهم عناصر الحياة ويعي حركة الكواكب والنجوم والقادر على أن يتفاهم مع قوم غير قومه ويتربى على قبول ألآخر وإحترامه , ألإنسان الذي يرى صيرورته ووجوده من خلال صيرورة ووجود ألآخرين لا بمعزل عنهم , ونقولها بإختصار شديد الإنسان المؤمن بالمقولة القرآنية التي لا تساوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون ويعمل على تطبيقها على جميع مفاصل حياته , سيكون في منجى من ألإنزلاق في متاهات التفسير والتأويل السلفي التكفيري والطائفي المتزمت للدين ونصوصه , ومنيعآ ضد فبركات التوجهات القومية العنصرية المتطرفة , أي أنه سيكون في نهاية المطاف متسلحآ بالعلم والمعرفة فلا يجد حاجة وضرورة لإستعمال سلاح آخر لإثبات وجوده من خلاله . فالعلم مال المعدمين إذا هُمُ خرجوا إلى الدنيا بغير قِوام

كما أن ردم مستنقع الفقر, كرافد آخر للإرهاب , بخلق علاقات إنتاجية في المجتمع تلبي حاجة إنسان القرن الحادي والعشرين وتتجاوب مع وتائر التقدم ألإجتماعي والإقتصادي العالمي , من شأنه أن يخطو بالمجتمع خطوات هامة على طريق تحقيق العدالة ألإجتماعية , العدو أللدود للإرهاب ونقيضه ألأبدي . فالعامل ألإقتصادي إذن ونظام ألإنتاج الذي يمثله وعلاقات الإنتاج الناشئة عن ذلك ينبغي أن تصب في رافد العدالة ألإجتماعية التي من شأنها أن تخلق مجتمعآ تتوفر فيه متطلبات الحياة ألإنساية بأوجهها الفنية والغذائية والصحية والأمنية وكل ما من شأنه خلق مجتمع يحترم العمل ويسعى للبناء ويزيد أواصر الإلتحام بين منتسبيه . وإذا ما تحقق ذلك في مجتمع ما فسوف لا يكون هناك فسحة يستطيع ألإرهاب أن يتحرك بها بسهولة في هذا المجتمع . ولتكن لنا عِبرة حسنة في مقالة رائد العدالة ألإجتماعية في المجتمع العربي علي إبن أبي طالب : لو كان الفقر رجلآ لقتلته , فإقتلوا الفقرالشاخص بكل قِوامه بين أهلنا بالعراق بالعمل ثم العمل ثم العمل يا من تريدون السير خلف راية علي حقآ وحقيقة لا نفاقآ ودجلآ .

أما مستنقع الإرهاب الذي لا يقل عمقآ عن مستنقعي الجهل والفقر والمتمثل بالوضع السياسي السائد في هذا البلد العربي أو ذاك البلد ألإسلامي والمؤدي إلى إستغلاله من بعض قوى ألإرهاب لتمرير عمليات إرهابية تسيئ إلى النضال الوطني الهادف إلى التخلض من الزعانف الحاكمة ومن جبابرة الجريمة القابعين منذ عقود من الزمن في متاهات قصورهم العربية الإسلامية ,لا علاقة لهم بالشعب الذي يدَّعون تمثيله في المحافل الدولية التي يكشفون فيها عن عوراتهم بين الحين والحين . هذا المستنقع الذي يتغذى منه ألإرهاب ليزيد بلاء الناس بلاءً , وكأن إرهاب المتسلطين عليهم من الحكام ألأوباش بحاجة إلى من يغذيه كمن يغذي النار بمزيد من الحطب . هذا المستنقع ألآسن الذي أزكمت روائحه النتنة أنوف أجيال قضت ولا زالت تزكم أنوفآ لا تريد , كسابقتها , ان تغادر هذه الدنيا قبل أن تنزل القصاص العادل بقتلة أجيال هذه ألأمة وبذلك ستنقذ ألأجيال القادمة ليس من تسلط الجبابرة وحسب , بل ومن تسلط ألإرهاب وألإرهابيين أيضآ . وفي هذه ألأيام التي يجري فيها التذكير بثورة الحسين بن علي الذي لم يسكت عن الظلم ولم يستكن للجبابرة فوضع مبدأ إحقاق الحق قبل الرغبة في الحكم والدفاع عن المظلومين بالإقتصاص من الجبابرة سيان من كانوا وإلى أي قوم إنتموا . متى يحين الوقت الذي نفهم به هذه المبادئ ونعمل على تطبيقها كما أراد لها الحسين.....؟