| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الأثنين 8/9/ 2008

 

صحافة السجون ...... مرة أخرى

د. صادق إطيمش

المقالة الجميلة التي أتحفنا بها الكاتب ألأستاذ عبد القادر العيداني حول صحافة السجون التي اتخذ من سجن السلمان نموذجاً لها ، والمنشورة على صفحة الطريق بتاريخ 08.09.2008 ، أثارت بعض الشجون التي تراكمت عليها ذكريات عشرات السنين التي إرتبطت بأحداث جمة داخل هذا السجن الرهيب ، سجن النگرة ، كما يسميه الشعب . لقد عادت بي هذه الذكريات التي إرتبطت بالصحافة الشيوعية إلى بعض ما عشته من خلال إرتباطي بهذه الصحافة داخل سجن نكرة السلمان . وتأكيداً لما طرحه الأستاذ العيداني حول الحرص على سرية العمل الصحفي هذا حتى داخل السجن ، أذكر ما لمسته وعشته شخصياً حول هذا الأمر .

وصلت سجن النكرة في تموز من عام 1963 قادماً من سجن البصرة العسكري مع وجبة كبيرة من السجناء العسكريين الذين تم نقلهم عبر الطريق الصحراوي أو ما كان يسمى آنذاك ( طريق إبصية ) وذلك إنتقاماً منهم ، إثر الإنتفاضة العسكرية الثورية التي قادها الشهيد البطل حسن سريع في معسكر الرشيد في بغداد ضد العصابة البعثفاشية التي قتلت جمهورية الرابع عشر من تموز في الثامن من شباط الأسود عام 1963.

وحينما وصلنا السجن وتم توزيعنا على الردهات التي أخذت تضيق بنزلاءها بمرور الزمن ، لاحظت ظاهرة غريبة لدى بعض نزلاء الردهة. إذ بعد الإنتهاء من تنظيف الردهة صباحاً يتجه هذا البعض إلى فراشه فوراً ويتغطى بالبطانية ويشد رأسه بالغترة البيضاء أو باليشماغ ، رغم حرارة الجو ، ويجلس على فراشه ممسكاُ بقلم وورقة ويكتب ، ولا أحد يرى طبعاً ماذا يكتب . تصورت في بادئ الأمر أن هؤلاء مرضى وقد يحتاجون إلى الراحة في فراشهم . إلا ان هذه الحالة لا تستمر إلا بعض الساعات لينهض هؤلاء ( المرضى ) وهم على أحسن حال ، لا بل ويمارسون نشاطاً رياضياً أحياناً . وما زاد في حيرتي هو أن أرى هذه الحالة تتكرر عند نفس الأشخاص يومياً ، ولم اكن في ذلك الوقت بالعمر الذي يقودني إلى إيجاد التفسير المعقول لهذا الأمر الذي إضطرني إلى ألإستفسار عنه لدى بعض الأصدقاء الذين أوضحوا لي بأن هؤلاء ألأشخاص يلتقطون ألأخبار العالمية من راديوات صغيرة عبر سماعات يغطونها بغطاء الرأس ، والبطانية تستعمل لتغطية الراديو . إذن هم ليسوا مرضاء بل يهيئون الأخبار التي نستمع لها يومياً كل في ردهته .

لقد استمرت معايشتي النظرية لهذا العمل الصحفي لتنتهي بانخراطي في هذا العمل داخل السجن وذلك حينما سألني الشهيد المرحوم سامي أحمد (ابو وميض) إن كنت أرغب بالمشاركة في العمل ضمن كادر صحيفة السجن . فتصورت للوهلة ألأولى بانني سأقوم بنفس العمل الذي يقوم به الرفاق الآخرون في مجال إلتقاط الأخبار . إلا أن ابو وميض أخبرني بأن عملي سيكون في مجال آخر ، وحينما إستفسرت منه عن طبيعة هذا العمل أجابني بأنني سأعمل مذيعاً لأنني امتلك صوتاً عالي النبرات والردهة كبيرة ولا توجد أية وسائل لإسماع الأخبار سوى قراءتها على نزلاء الردهة في وقت معين من كل يوم . فوافقت على العمل في هذا المجال الذي اصبحت بموجبه أستلم نشرة أخبار مكتوبة يومياً مع بعض التعليقات السياسية وذلك بوقت كاف يسمح لي بالأطلاع عليها اولاً للتأكد من مضمونها واستطاعتي قراءته على نزلاء الردهة دون أخطاء أو تلكؤ أو توقف ، حيث ان الوقت المخصص لذلك محدود جداً ، خوفاً من أن ينكشف الأمر من قبل حراس السجن .

لا انكر إضطرابي ، لا بل وارتجاف ساقاي ، حينما وقفت للمرة الأولى وسط الردهة المليئة بالنزلاء لأعلن وقت نشرة الأخبار ثم البدء بقراءتها.

ومرّت ألأيام التي اصبح فيها موعد قراءة نشرة الأخبار من اسعد اللحظات التي اترقبها بدءً من إستلام النشرة ثم الإطلاع عليها وإتقان مفرداتها ثم الإعلان عنها فقراءتها وسط الحشد الذي يملأ الردهة للإستماع بلهفة شديدة إلى هذه النشرة التي كانت بحق رابطة الوصل الوحيدة بين السجين والعالم الخارجي .

وحينما يستعيد المرء هذه الذكريات الجميلة حقاً وسط الجو الإرهابي الذي كان يؤججه حراس السجن بين فترة وأخرى ، خاصة قبل ان ينقلب القوميون على أقرانهم البعثيين ، وعندما كان البعثيون الأوباش يختلقون مختلف الحجج للتنكيل بالسجناء ومحاولات النيل من عزيمتهم التي لم يستطيعوا ليها حتى بعد أن استهدفوا السجناء العزل برصاص رشاشاتهم الغادرة التي واجهتها عزيمة الشيوعيين واصدقاءهم في سجن النكرة آنذاك بالثبات والسعي لتحقيق كل ما يمكن تحقيقه من خلال التثقيف والتعليم والدراسات والنشاطات الإجتماعية والرياضية والفنية والسياسية والعلمية التي كانت تمارسها وتساهم بها وتعمل على إحياءها الكوادر التي كان يضمها ذلك السجن الذي حول الشيوعيون واصدقاءهم رهبة ساحاته وردهاته إلى منتجعات للعلم والمعرفة والنشاط اليومي الدائب على مختلف المستويات.


 

free web counter