| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الأحد 8/1/ 2006

 

 

 

البعبع الشيوعي المرعب........

 

الدكتور صادق إطيمش

 حكايات العجائز التي كنا نستمع إليها بلهفة مشفوعة بالخوف من الطنطل والسعلوَّة التي طالما يتكرر ذكرها في مثل هذه الأساطير , أصبحت , لمن تجاوز سن الطفولة حاملآ معه شيئآ من العلم والثقافة بما يدور حوله في هذا الخضم العارم من الحياة , خرافات لا أثر لها في حياة إنسان كهذا الذي إنفتحت أمامه أبواب العلم والمعرفة فأخذ منها ما إستطاع إليه سبيلآ فلم تعد أشباح تلك ألأساطيربقادرة على أن تجد لها فسحة ولو ضيقة جدآ في حياته , إذ أن وجود مثل هذه الفسحة سيصطدم في تناقض عنيف مع ما يحمله من العلم والمعرفة . وبخلاف ذلك لم يستطع من لم تتوفر له الفرصة بالحصول على أبسط مقومات المعرفة العلمية أن يتخلص من هذه المخاوف والإعتقاد بها وربما رافقت بعض هؤلاء حتى آخر حياتهم لتنغص عليهم هدوء المقابر.

الخوف من الشيوعية لا يختلف في أساسه الفكري عن الخوف من الطنطل والسعلوة إذ أن كلاهما يتأسس على مبدأ الجهل بالحقيقة . الجهل عمومآ مرض يقتل صاحبه ببطئ حتى وإن فهمنا هذا القتل بمعناه المجازي . وجهل الحقائق الكونية والإجتماعية التي جاء بها العلم قديمه وحديثه ليشبع بعض رغبات ألإنسان المتطلع إلى المزيد من المعرفة دومآ , حفزت البعض على إستكشاف المزيد والمزيد ليشبع هذه الرغبة العارمة للتزود بالمعارف وإكتشاف أسرار الحياة .

لو ألقينا نظرة عابرة على تاريخ العراق السياسي الحديث لوجد نا , بما لا يقبل الشك , أن نشر نظرية الخوف من الشيوعية قد إرتبط دومآ بنشر الجهل بالشيوعية والتعتيم على مبادئها والرهان على ربط هذا الجهل بالجهل العام في بعض مفاصل الحياة المهمة كالتعليم مثلآ . لذلك لا يصعب تحليل ظاهرة الأميةآ التي بلغت نسبة 70 بالمئة في مرحلة العهد الملكي بالعراق والتي أسست عليها أجهزة أمن بهجت العطية وعصابته الحاكمة آنذاك بفتح جبهة العداء للشيوعية إنطلاقآ من عدم توفر المجال لدى الطبقات الشعبية العامة لفهم ألأسس الفكرية لهذه المبادئ السياسية والإقتصادية في جوهرها , ومحاولات تلك ألأجهزة ألأمنية بإختلاق الأكاذيب والإفتراءات التي داعبت المشاعر الحساسة في مجتمع كالمجتمع العراقي فضربت على أوتار الدين تارة والأخلاق تارة أخرى لتعطي ألإنسان العراقي صورة مشوهة عن مبادئ هدفها ألأساسي تقويض أنظمة إقتصادية نشأت على نمط ألإنتاج الشبه إقطاعي كالنظام ألعراقي في العهد الملكي آنذاك ولتوفر لنفسها نوعآ من الحماية باستخدامها سلاح الجهل المقيت هذا . يتذكر من عاش إنتفاضات ووثبات أواخر الأربعينات وخمسينات القرن الماضي بالعراق وحتى سقوط الملكية نوعية المواجهات التي كان يعيشها الشيوعيون العراقيون لا مع الموسسات ألأمنية فقط , وهذه هي ألأسهل ربما , بل مع بعض الفئات الوطنية من الجماهيرالشعبية التي كانت ترى في خوض الشيوعيين العراقيين سوح النضال القاسية تعبيرآ عن طموحاتها فتنجذب إلى الحزب الشيوعي العراقي ونضاله ضد الطغمة الحاكمة روحيآ إلا أنها تتلكأ من ألإرتباط به تنظيميآ , لا خوفآ من ألأجهزة ألأمنية , بل تأثرآ بتلك الشائعات والأكاذيب التي دأبت قوى ألنظام وأجهزته الإعلامية على نشرها ضد المبادئ الشيوعية .

ولم تنته مسرحية التعتيم على ألأفكار الشيوعية بإنتهاء العهد الملكي بالعراق , بل إستمرت مند بداية العهد الجمهوري الوطني مضافآ إليها هذه المرة آخر ما توصل إليه الفكر الشوفيني العالمي الذي وضع النظام الرأسمالي العالمي كنظام يدافع عن الدين وألأخلاق في مواجهة الأفكار التي عملت الرجعية الحاكمة وأنصارها على التعتيم على طابعها الفكري السياسي والإقتصادي, وبرزت إلى الوجود آنذاك مفردة الأفكار الهدامة بشكل أكثر وضوحآ من ذي قبل , وهي هدامة فعلآ , إذا ما روعي ما تريد هذه الأفكار هدمه من أنظمة إستغلالية جائرة ومن حكام جبابرة فاسقين . لقد ظل توظيف سلاح الجهل بالحقيقة هو السلاح ألأكثر إستعمالآ في هذه الفترة أيضآ , بالرغم من التوجه الجديد الذي إتسم به العهد الجمهوري الوطني أثناء حكم الزعيم الوطني الراحل المرحوم عبد الكريم قاسم والذي حاول رفع المستوى التعليمي لدى عامة الشعب بفتح مراكز محو الأمية وإتساع رقعة التعبير عن ألرأي خاصة في ألأشهر ألأولى بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وبعد أن تعرف الناس بطريقة مباشرة على هذه ألأفكار ومحتواها التحرري ورصيدها النضالي محليآ وعربيآ وعالميآ, بدء إزدراء بعض الجماهير لما تردده بعض الأوساط الحكومية وغير الحكومية من دعايات ضد الحزب الشيوعي ونضاله الوطني . فنظرية الكفر والإلحاد التي تم تعزيزها روحيآ بفتوى شرعية كانت آخرما وظفه العاملون على شهر سلاح الدين في تلك الفترة داعين إلى العمل علنآ مع القوى التي وصفوها بالخيرة في العالم آنذاك والتي إعتبروها تحترم الأديان والشعائر الدينية والمتمثلة بامريكا مثلآ ضد قوى الكفر والإلحاد المتمثلة بالشيوعية العالمية . ويخطأ من يظن أن سلاح الدين هذا ضد الشيوعية في العراق خصوصآ وفي العالم ألإسلامي عمومآ هو إبتكار المدعين بإسم الدين ألإسلامي , إنه سلاح مستورد من جعبة ألأفكار الكنسية المسيحية في القرن التاسع عشر والتي تبلورت على شكل مساهمة دينية من الكنيسة لحماية الملوك المستبدين والقياصرة المتجبرين من الأفكار التي بلورها البيان الشيوعي والذي أعلن سنة 1848, وبكل وضوح, موقف الفكر الشيوعي من هذه الطغم الحاكمة التي إنبرت الكنيسة للدفاع عنها بإسم الدين .

إلا أن جبهة الرعب من الشيوعية بالعراق لم تتوقب عند توظيف سلاح الدين , بل فتحت جبهة أخرى إستعملت فيها نوعآ آخر من الأفكار المستوردة التي إنتزعتها من جعبة الفاشية والنازية والمكارثية التي وجدت في ألأفكار الشيوعية العالمية وسعيها الدائب ونضالها العنيد ضد ألإستغلال ألإقتصادي والقمع السياسي عدوها اللدود الذي لم تجد طريقآ للمساومة معه على حساب حقوق الجماهير وحمايتها من الإستغلال ألإقتصادي والقهر السياسي . وبنفس ألأسلوب الذي إتبعه أعداء الشيوعية في العالم تحركت القوى الظلامية بالعراق رافعة الفتاوى الدينية على أسنة حرابها التي إستعانت بها , وكأنها تحاكي عمر بن العاص في صفين , لتنقضّ على النقابات العمالية والمنظمات المهنية والتجمعات الديمقراطية ظنآ منها أنها منظمات شيوعية تقض مضاجعها تعمل على نشر النور في ظلماتها التي لا تريد أن تخرج منها إلى هذا العالم الواسع الرحيب , فجهلها أفضل وظلامها أجمل . تمامآ كما يجري حديث الجهلاء اليوم عن العلمانية والفدرالية التي يلصقون بها ما لم يسمع به أي إنسان يعيش في كنف أنظمة كهذه منذ عقود من الزمن , تفتقت عقول رافعي الفتاوى الدينية عن كفر الشيوعية وإلحادها عن تعاريف للشيوعية وأفكارها لم تخطر ببال من أسسوا لهذا الفكر أو لمن تبنوه في مختلف المجتمعات وعلى بقاع عديدة من المعمورة . وقد بلغ ألإنحطاط الخلقي والفكري لمثل هذه التخريجات الرخيصة ضد الأفكار الشيوعية مستوى يخجل المرء حتى من ألإشارة إليه إشارة عابرة . وكما هو معروف لكل عراقي عاش أحداث هذه الفترة جاء مخاض الظلاميين أعداء الشيوعية بوليده المتمثل بالبعثفاشية التي لم تعمل على قتل الشيوعيين فقط , بل عملت على قتل العراق برمته سياسيآ وإقتصاديآ وثقافيآ حتى إنقلب موطن الحضارات إلى جمهورية الرعب , وعند ذلك فقط إقتنع البعض بأن طريق محاربة الشيوعية لا يؤدي إلا إلى التنكر للمصالح الوطنية العليا ولطموحات الشعب النبيلة , فهل يعي ذلك اليوم من لم يستوعب هذه المعادلة بعد......؟
لم يقتصر الخوف من الشيوعية وأفكارها على الجهلة بالعراق فقط , بل أن التعتيم على هذه ألأفكار ونشر الخوف والذعر منها أخذ طابعآ تشويشيآ عربيآ أيضآ . لقد وجدت الحكومات العربية متنفسآ لها عند بعض رجال الدين الذين نذروا أنفسهم ووظفوا ما يضنونه دينآ سماويآ لخدمة العروش والحكام الطغاة إستنادآ إلى ما نسبوه إلى بعض فقهائهم بوجوب طاعة ذوي الشوكة , أي طاعة الحاكم وإن كان ظالمآ . ولا نريد أن نظلم ألإسلام وتعاليمه السمحاء بمواقف مثل هؤلاء ألأدعياء الذين قلدوا أشباههم من الديانات الأخرى , المؤسسة الكنسية المسيحية على وجه الخصوص , التي لم تفرق بين المحراب والعرش فأفتت بوجوب طاعتهما معآ وحرمت الفصل بينهما . هذه ألأساليب المستوردة أيضآ لمحاربة أي فكر يدعو إلى رفض الظلم والإضطهاد ويدعو إلى التحرر من عبودية رأس المال وجور ألإقطاع تفتقت عنها عقلية الحكام العرب بنبشهم التاريخ العربي ليفتشوا فيه عما يمكن إعادة تسويقه اليوم ليصب في مجرى المحافظة على ممالكهم وإقطاعياتهم الذين تربعوا عليها منذ عقود ولا يريدون فراقها بعد عقود أخرى . وككل تاريخ , لم يخل التاريخ العربي من الغث والسمين , الذي أسعفهم بمفردة الشعوبية التي أرادوا بها جعل هويتهم العربية رمزآ لجبروتهم وعنوانآ لتسلطهم ودليلآ لإنتهاكهم لكل ما يدعون به من دين وأخلاق وشيمة وحمية . لا نريد البحث هنا في أحقية أو عدم أحقية هؤلاء الحكام بإستمرار الجلوس على عروشهم , إذ أن نظرة خاطفة على طبيعة وجود وإستمرار أنظمة الحكم هذه تغنينا عن مفصل الشرح , إلا أن ما يعنينا هنا هو أن يتجرأ هكذا جبابرة على إيهام الناس بتصوير من يضحي من إجل إنتزاع حقوق المسحوقين كغرباء عن هذه الأمة وخارجين عنها وعن تراثها وقيمها ومبادئها . وبذلك حاولوا من التجارة بسلعة ألأمة أن يحققوا ما يستطيعون من خلاله تثبيت عروشهم الواهية وجشعهم المقيت . لقد أطلقوا مفردة الشعوبية , التي تنطبق عليهم قبل غيرهم وذلك بسبب تنكرهم الدائم وجهلهم المستمر لبني قومهم وتوجههم الدائب للمحافظة على عروشهم ليس إلا , على الشيوعيين الذين ما تلكأوا يومآ ما عن الدفاع عن بني قومهم , وكيف يتلكأون عن ذلك وهم المدافعون الصلبون عن حقوق المظلومين والمضطهَدين في كل ألعالم وهم الذين يتمثلون دومآ بجعل النضال الوطني والقومي طريقآ إلى ألنضال ألأممي .

وأستمر هذا الخوف من هذا الخطر الذي يداهم الجبابرة حتى في أحلامهم , واستمر الجبابرة على الرهان على سلاح الجهل والتعتيم على كل الأفكار التحررية النيرة وفي مقدمتها الفكر الشيوعي . وفي وطننا العراق لنا وقفة اليوم مع أحزاب كانت بالأمس القريب وقبل تحرير العراق من البعثفاسية تتعامل مع الشيوعيين العراقيين ومنظماتهم في داخل الوطن وخارجه كأصحاب قضية واحدة تتعلق بمحاربة النظام البعثفاشي وتحرير الوطن من شروره . لقد أفرزت المعطيات السياسية ألأخيرة على الساحة العراقية سلوكآ وتصرفآ لا يمكن أن يوضع إلا في مجال العودة إلى إستعمال أساليب جلاوزة أمن بهجت العطية وشقاوات مخابرات البعثفاشية ضد الشيوعيين العراقيين وضد حزبهم بكل تاريخه النضالي وعمله الدؤوب والمستمر دون هوادة لشعاره الأول مند تأسيسه لتحقيق وطن حر وشعب سعيد . ومن يعتقد بغير ذلك فسأكون مدينآ له بالشكر والإمتنان إن د لني على تحليل آخر للإعتداءات ألإجرامية التي تتعرض لها مقرات الحزب الشيوعي العراقي وآخرها ألإعتداء الوحشي الجبان على مقر الحزب في مدينة الناصرية البطلة .