نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

السبت 8/7/ 2006

 

 

 تسييس الدين.....طامتنا الكبرى

 

د. صادق إطيمش

لكل ظاهرة إجتماعية أسبابها ونتائجها التي لا يمكن التعرف عليها خارج إطار هذه الظاهرة ولا يمكن التعامل معها إلا ضمن ألثوابت التي تحددها والعوامل المؤثرة بها والنتائج المترتبة عليها . وظاهرة تفشي الإر هاب القاتلة في وطننا العراق
ظاهرة تدمي القلوب لما تحمله من مآسي تكرار حوادث الإغتيالات والإختطاف والسرقات والتهديد التي إزدادت وتيرتها في ألأيام ألأخيرة بحيث برهنت عصابات القتل والجريمة على أنها صاحبة المبادرة في هذا اليم الهادر بأمواج العصابات السائبة التي تحكم البلاد فعلآ وتتحكم بمقدراته .
فلماذا كل ذلك .... ما هي أسبابه ......ولماذا في هذا الوقت بالذات دون غيره.....؟

ظاهرة التعامل الشعبي الواسع النطاق مع الوضع السياسي ليست بظاهرة غريبة على الشعب العراقي الذي مارسها تحت أقسى الظروف شدة وأعقدها موضوعآ , فكان يتفاعل معها في كل مرة من خلال المعطيات ألآنية التي يفرضها هذا الوضع السياسي أو ذاك حيث كان الحوار إلى جانب العنف ألذي وصل إلى درجة محاولة إنهاء الخصم السياسي أحيانآ. ومع كل أساليب العنف التي استُخدِمت في فترات سياسية مختلفة وما ترتب عليها من نتائج كارثية في بعض ألأحيان , فإن ألأمر لم يصل إلى الحد الذي نراه اليوم سائدآ في وطننا ولم يبلغ مستوى فقد ألأمن وتسيب العصابات المنفلتة إلى ما وصل إليه ألآن . فلماذا كل ذلك ...وما هو الجديد بالأمر...؟

ألجديد في ألأمر هو الجديد على الخارطة السياسية العراقية والمتمثل بظهور أحزاب جديدة فاعلة على الساحة لم تكن سابقآ بتلك ألأهمية التي هي عليها اليوم . إنها ألأحزاب التي تفتقر إلى البرنامج السياسي الواضح المعالم فلجأت إلى مخاطبة عاطفة الجماهير قبل أن تخاطب واقعها وقدمت التعامل مع الغيبيات قبل تعاملها مع الحقائق اليومية الآنية التي يعيشها المواطن وأتجهت إلى تقديم الولاء الضيق المتمثل بالطائفة أو العشيرة أو القومية على الولاء لوطن إسمه العراق بكل فسيفساءه وألوانه وشاغلت العقول التي حرمتها البعثفاشية من العلم والمعرفة فنقلتها إلى مجتمعات التخلف , بعناصر تخلُف لا تختلف في سيئاتها عن تلك التي توارثها المجتمع عن فلول البعثفاشية الجاهلة . وداعبت البطون الخاوية بتنويمة الجياع التي حاولت تقديم كلماتها لهم وكأنها الكفيلة بإشباعهم من جوع وإغناءهم عن فقر. إنها المشكلة المتفاقمة من جراء تسييس الدين الذي أعطته هذه الأحزاب زخمآ أخرج الدين عن خصوصيته المتعلقة بعلاقة ألفرد بما يعتقد به لتنظيم علاقاته الغيبية والواقعية والمتمثلة بعلاقة الإنسان بالكون وخالقه من جهة وعلاقة ألإنسان بمجتمعه والناس الذين يتعايش معهم يوميآ من جهة أخرى. لقد أخرجت هذه ألأحزاب الدينية الفكر الديني الثابت والواضح المعالم في كثير من جوانبه , خاصة العبادية منها , إلى عالم السياسة اليومية المتغيرة بتغير معطيات الوضع السياسي الذي لا ثبات له نظرآ لأرتباطه بمصالح وتوجهات تتغير بتغير ما يستجد من الظروف التي تقررها . وجعلت من الدين يتحرك في حقول السياسة التي لا تخلو من المناورة أو حتى المراوغة أحيانآ . وعلى هذا ألأساس لم تعد ممارسة العمل السياسي أليومي لدى هذه ألأحزاب متعلقة بالقدرة والخبرة ألعلمية والعملية التي تتطلبها هذه الممارسة بقدر تعلقها بالإنتماء الديني عمومآ وبالتمحور الطائفي على وجه الخصوص . إن ما أفرزته مثل هذه التوجهات في العمل السياسي والساعية بقصد وإصرار إلى تسييس الدين أصبحت معروفة جدآ لكل من يريد أن يستوعب تجارب التاريخ , وتجاربنا في وطننا العراق ليست بمنأى عن كل ذلك سواءً ما تعلق منها بسياسة ألجهلة في عقود التسلط البعثفاشي ألأسود أو ما نراه اليوم على الساحة السياسية العراقية .

ألسؤال الذي يتردد على لسان كل مواطن عراقي يعيش هذه المآسي اليومية عن بعد أو قرب هو ذلك السؤال الذي لا يبحث عن الأسباب والمسببات , إذ أنها أصبحت تصب في مجرى واحد رغم إختلاف مشاربها وتنوع مصادرها , فلا فرق أن يُقتل ألإنسان العراقي بسلاح التكفيريين أو البعثفاشيين أو على يد الجنود ألأجانب في الوطن أو بسلاح مليشيات هذا الحزب الديني أو ذاك أو حتى بسلاح أولئك الذين يقتلون المواطن بسلاح الدولة مِن خلال ما يرتدونه من الأزياء الرسمية ويستقلون السيارات الحكومية التي لا يعلم المواطن كيف يستطيع أن يفرق بينها وبين ما يعود إلى الدولة فعلآ , لا.. إن السؤال ليس عن هذا أو ذاك , بل عن المدة التي ستستغرقها هذه المأساة ..... إلى متى ؟؟؟؟ إلى متى سيستمر هذا النزف العراقي...؟ إلى متى سيستمر تفكير ألأهل بحياة وسلامة أطفالهم عند خروجهم إلى المدرسة وأثناء وجودهم فيها وحتى عودتهم منها..؟ إلى متى سيلازم الخوف من ألموت أو ألإختطاف كل من يخرج من بيته لقضاء حاجة ما حتى وإن كان قضاء هذه الحاجة لا يتطلب إلا ألسير بضعة أمتار بعدآ عن محل السكن...؟ ولا حدود لهذا ألسؤال الذي إرتبط بكل مفاصل حياة المواطن العراقي أمنيآ وخدميآ واجتماعيآ واقتصاديآ وسياسيآ, بحيث أصبح يتردد على لسان المواطن عدة مرات في كل ساعة .

قبل المحاولة على التفكير برسم صورة ألأمل بأبسط خطوطها ينبغي معرفة ألإطار الذي يمكن لنا تحديد هذه الصورة بموجبه , صورة عراق المستقبل الذي نصبو إليه حتى وإن كانت مسيرتنا نحو هذا ألأمل بخطى وئيدة متثاقلة .
إذا كان هناك ما يُطلق عليه سمة العصر التي تنشد الشعوب تحقيقها في القرن الحادي والعشرين من تاريخ البشرية فإن ذلك سيكون بالتأكيد دولة القانون . إذ ان تحقيق دولة القانون يتمخض عنه تحقيق المؤسسات التي تحتاجها هذه الدولة التي لا تستطيع الحركة بدونها , اي ان إدارة شؤون الناس لا تتم عن طريق مركزي قد يتطور إلى دكتاتوري فردي , بل عن طريق هيئات ومؤسسات متخصصة تتمتع بصلاحيات ومؤهلات تستطيع من خلالها توجيه العمل ذاتيآ دون أن يكون للمركز أي تدخل في مثل هذا الإنجاز . وحتى تتمكن هذه المؤسسات من أن تقوم بعملها هذا يجب ان تضم بين عامليها ذوي الإختصاصات الكفيلة بإنجاز المهام الموكلة إليها, دون أن تضع صورة غير صورة الإنسان أمامها بغض النظر عن دينه وقوميته وعشيرته . وهذا يقود بدوره إلى ضرورة وجود مراكز علمية ترفد هذه المؤسسات بما تحتاج إليه من الكوادر المتخصصة علميآ وفنيآ وتربويآ أيضآ, أي أن ألإهتمام بالتعليم يصبح حصيلة حاصل في دولة كهذه . وإذا ما إنتعش التعليم وتقدم المجتمع خطوات على طريق العلم والمعرفة والسلام أإجتماعي , أي إذا إنعدم الجهل وزال التعصب , أيآ كان نوعه, من المجتمع , فإن ذلك سيقود حتمآ إلى رفع مستوى الوعي ألإجتماعي الذي سوف يساهم مساهمة فعالة في مراقبة مؤسسات الدولة التي سيرتبط وجودها ووجود العاملين فيها على مدى الإخلاص في أعمالهم بحيث يجري إنتخابهم مجددآ إلى مثل هذه المواقع التي سيغادرونها يومآ ما لهذا السبب أو ذاك , أي أن المجتمع سيمارس , من خلال وعيه العلمي المتنامي وتعمق الشعور بالمسؤولية الفردية والإجتماعية , طريق ألإختيار الحر لإيصال ممثليه إلى مراكز عملهم التي سيقدمون الخدمة له من خلالها . كل ذلك يجري ضمن قوانين عامة وشاملة تُنظم هذه العلاقات وتشد بعضها إلى بعض ضمن روابط لا تقبل الإنفصال , وإذا ما حدث مثل هذا ألإنفصال فعلآ فسيكون ذلك نذيرآ بوجود خطأ ما يتطلب الأمر معالجته وإزالته , إذ ان إستمرار نظام الحياة في دولة كهذه يتكون من حلقات مترابطة غير قابلة للإنفصال . فعمل المؤسسات إذن سياسية كانت أم إعلامية , تشريعية أم تنفيذية أم قضائية ومدى تطور هذا العمل سيعكس المنهج الذي يتبناه المجتمع ويُصور درجة ألمُعاصَرة التي يتبوءها بين مجتمعات العالم . ولا يمكن الوصول إلى درجة متقدمة من التطور ألإجتماعي المُعاصر هذا إذا لم تكن هناك قاعدة عامة وأساس متين لسن مثل هذه القوانين التي تُنظم حياة المجتمع , أي بعبارة أخرى يصبح من الضرورة القصوى في مجتمع كهذا وجود دستور رصين مؤهل ومؤسسات كفوءة لتحقيق هذه المهمة العظمى التي لا يمكن لها ان ترى النور الحقيقي بدون ذلك .
فهل حققنا شيئآ من هذا منذ سقوط البعثفاشية حتى ألآن ؟ وإن كنا قد حققنا بعض الشيئ فعلآ , فهل أن ما تحقق يسمو إلى بعض ما كنا نأمله بعد التخلص من النظام البعثفاشي ؟ وهل ستتقبل قوى ألظلام ألسوداء الجاهلة تحقيق مثل هذه ألأهداف الوطنية أو ألوصول إلى مثل هذه ألدولة ؟ بالتأكيد لا , وسبب ذلك بسيط جدآ , وهو أن قوى ألظلام هذه قد سخرت كثيرآ من الجهلة لتحقيق بعض ما تريده من مكاسب تدعي أنها دينية وما هي إلا دنيوية بحتة , إن مثل هؤلاء ألجهلة لا يفقهون من الحياة غير ما تربوا عليه من إنكار ألآخر وإنهاءه , لم يتعودوا ويتعلموا الحجة بالمنطق السليم والأسلوب المُقنِع, والأعمال الهمجية التي يرتكبونها يوميآ ضد الشعب العراقي , سواءً بإسم الدين أو بإسم ألطائفة حتى والمقنعة بأقنعة سياسية أحيانآ , تشير إلى ذلك بوضوح . إلا ان ما يزيد الأمر تقززآ وغثيانآ ربطهم لكل تبجحاتهم الهمجية السوداء هذه وتوجهاتهم السياسية البحتة بالدين ألإسلامي ألحنيف الذي يعكسونه وكأنه والقتل والإضطهاد والعبودية سواء . ربما هناك بينهم من المخلصين للدين حقآ , وهذا شيئ جميل جدآ , إلا أن هؤلاء المخلصون الذين يتحدثون عن ألإسلام كدين ومبادئ وقيم ننتمي لها جميعآ لا يفرقون بين المبادئ وبين بعض ألجهلة والمُدعين بتطبيق هذه المبادئ والذين يجرّونَهم لإرتكاب الجرائم بإسم ألإسلام , وما هدفهم من ذلك إلا ألسلطة السياسية , ولا علاقة للدين بذلك من قريب أو بعيد..

جميع ألأحزاب الدينية الفاعلة ألآن على الساحة السياسية العراقية التي جاءت بالطائفية التي يتهم كل منها الآخر بها لم تسأل نفسها عن سبب إستفحال هذه الآفة في المجتمع العراقي في هذا الوقت بالذات , أي في الوقت الذي بدأت به هذه ألأحزاب نشاطها المؤثر على الساحة السياسية العراقية , في حين لم يكن للطائفية وجود في فكر وتعامل الغالبية العظمى من العراقيين قبل أن يكون لهذه ألأحزاب دورآ يُذكر على هذه الساحة . جميعهم يتنكر للطائفية وينكر توظيفها في عمله السياسي اليومي , إلا أن جل تصرفاتهم الفعلية تصب أولآ وأخيرآ في هذا المستنقع النتن , فأحزابهم التي ألبسوها لباس الدين لا ترضى بغير المحاصصة الطائفية سواءً أكان ذلك في البرلمان الذي تحاول كل فئة السيطرة على مجريات ألأمور فيه ليبدوا في النهاية وكأنه لم يُنتخب لتمثيل وتحقيق تطلعات الناخبين , بل ليمرر رغبات هذا القائد أو ذاك الزعيم في هذا الحزب أو ذاك حتى جاءت قوائمهم مليئة بأشباه من لم يمارسوا من عملهم البرلماني غير قولة ( موافج ) التي إشتهر بها كثير من نواب العهد الملكي المقبور, حتى إضطر أحد قادة هذه الأحزاب الجديدة العتيدة التي تشكلت بعد سقوط البعثفاشية إلى طلب تعيين مستشاريين في المحافظات للنواب في المجلس النيابي لأن هؤلاء النواب لا يفقهون شيئآ من أمور المحافظات التي يمثلونها .
كل منهم يضع ألإتهامات التي لا نهاية لها برمي ألآخر بتشجيع ألإرهاب ونشر الجريمة بواسطة مليشياته المباشرة وغير المباشرة والمسلحة بمختلف أنواع ألأسلحة , وحينما يضع رئيس الحكومة المتكونة من هذه ألأحزاب برنامجآ لحل هذه العصابات السائبة , تقوم قائمة ألأحزاب الدينية التي يدعي كل منها عدم شمول عصاباته بهذا القرار , حتى أن بعضهم لم يخجل من أن يضع مثل هذه المجموعات المسلحة التي تقتل وتعتقل وتختطف رغمآ عن أجهزة الحكومة التي تنتمي هي إليها بموضع يجعلها بعيدة عن المساءلة القانونية لأنها تمثل الشعب حسب زعمه , فما حاجتنا للبرلمان والإنتخابات إذن..؟
لقد أثبتت هذه ألأحزاب فشلها الدائم والمستمر حين حاولت التصدي للمشاكل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والفكرية التي خلفها النظام البعثفاشي المقبور ووضعت الوطن في دوامة العداء الطائفي المقيت الذي وُجد بوجودها وإستمر بإصرارها عليه وسيبقى الوطن والشعب يعانيان منه طالم ظل إستغلال الدين ألإسلامي وتعاليمه القيمة السمحاء كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية لهذه الأحزاب التي تسيئ بتصرفاتها هذه إلى الدين والسياسة معآ.

فلقد تعالت صرخاتهم جميعآ بقدرتهم على إستلام الملف ألأمني والتعامل معه إنطلاقآ من تبجحهم الزائف بأن أهل مكة أدرى بشعابها , وقدرتهم على حل كافة ألمشكلات ألأخرى المترتبة على فقدان ألأمن . وحينما إستلموا هذا الملف بكل ما يملكه من شرطة وجيش ومخابرات وإستخبارات وأجهزة أمنية بكامل أسلحتها ومعداتها ومن خلال حكومة المحصصات التي شكلوها ومارسوها هم أنفسهم , فلا مكة ولا شعابها , ولم تسر ألأمور ألأمنية فقط من سيئ إلى الأسوء , بل عمَّ القحط والجدب في المياه والكهرباء والوقود والخدمات العامة والعناية الصحية وتوفر فرص العمل واستشراء الفساد الإداري و....و..... حتى أصبح المواطن لا يدري كيف سيواجه يومه القادم وفقَدَ إمكانية التخطيط ليوم واحد فقط , إذ أنه لم يعد مطمئنآ على بقائه على قيد الحياة طيلة ذلك اليوم , في ظل حكومة تدعي ألأحزاب الدينية ألرئيسية فيها ألإلتزام بتعاليم الدين الذي يحتم عليها ممارسة عملها القيادي مع الشعب والوطن بتلك المواصفات التي مارس بها عمر بن ألخطاب وعلي بن أبي طالب حياتهما الخاصة التي لم تكن تعرف القصور والسيارات الفارهة المكيفة صيفآ وشتاءً والخدم والحشم والولائم الباذخة , أو حياتهما العامة القيادية التي ما إستخدموها لغرض حزبي أو هدف طائفي يومآ ما .

وتعالت صرخاتهم بوجوب إنصاف من سلّطت عليهم البعثفاشية جل نار شوفينيتها وحقدها الأسود وبَرَّزوا ألإضطهاد الديني وكأنه ألإضطهاد الوحيد الذي واجهه الشعب العراقي من عصابات البعث , وكأن عشرات ألآلاف من شهداء الأحزاب والقوى السياسية على أيدي البعثفاشية لا تساوي حتى أن يُذكر ولو رمز واحد من رموزها الوطنية المُشعة . واستخدموا الدين ورموزه لإيصالهم إلى السلطة التي وصلوها فعلآ , فإذا هي الطائفية التي أججوا نارها ثم إحتموا من سعيرها بمناطق خضراء وليصبر المواطن العراقي , فلكل مشكلة حل وهم يدعون ليل نهار لتقريب هذا الحل وإن دعاءهم هذا سيُستجاب لهم يومآ ما . وظلت عوائل شهداء جرائم البعثفاشية من ألأرامل واليتامى تتلوى جوعآ وتتشرد , حتى الرواتب التقاعدية لمثل هذه العوائل المدمَرة لم تجد طريقها لها بعد , في الوقت الذي إنهمك به البرلمانيون النشامى , وغالبيتهم يمثلون ألأحزاب الدينية , إلى سن القوانين التي تضمن لهم ولمرافقيهم وحراسهم وخدمهم وأقاربهم والمنتمين إلى أحزابهم كل ما يِؤمن ليس متطلبات حياتهم فقط , بل وحتى بعد مماتهم من رواتب تقاعدية وأملاك وثروات جعلت من بعضهم من يُشار له ولثروته في كل مجلس .
وتعالى صراخ بعضهم , حينما كانوا يُمثلون دور المعارضة للبعثفاشية خارج الوطن , بالسعي لتحقيق الديمقراطية والفيدرالية , حتى أن بعضهم كرر علمانيته وإندماجه في مسيرة الركب الحضاري العالمي , وحينما أُسدلت ستارة المسرح السياسي على الفصل ألأول لمسرحية تحرير العراق وإنتهى دور المعارضة ولبس الممثلون أقنعة الحكام وبدأوا بتمثيل الفصل الثاني من هذه المسرحية, فإذا بهم والمثل القائل " كلام الليل يمحوه النهار" وإذا الديمقراطية بالنسبة لهم هي حق الإنتخاب فعلآ إلا أن من ينتخبنا فهو من الصالحين الأبرار مصيرهم الجنة هم فيها خالدون ومن لم ينتخبنا فأولئك هم الكفرة الملحدون , وكلنا يعلم أن كثيرأ من أبناء شعبنا , وخاصة البسطاء منهم , الذين تدافعوا للإنتخابات تحت هذه الواجهات العاطفية التي إنقلبت فيما بعد إلى طائفية , نادمين اليوم على إندفاعهم هذا ويرغبون بتصحيحه في أقرب فرصة قادمة .
وتعالت صيحاتهم بحرصهم على قوت الشعب وعلى خدمته والعمل على راحته وكل منهم يتهم زميله في المسؤولية والسلطة بسوء الإدارة وعدم المسؤولية بالتصرف بأموال الشعب وخيراته وتفضيل القرابة والمحسوبية على الكفاءة والمؤهلات وإنهم سيعملون على تصحيح أخطاء ما قبلهم إن إستلموا زمام الأمور بأيديهم . وإستلموا فعلآ زمام ألأمور بأيديهم ... فماذا تغير عن ذي قبل؟ لا شيئ إلا الوجوه التي إنطلقت بتصريحاتها الجوفاء وخطبها الرنانة ووعودها التي أخذت تمتد لسنوات بعد أن كانت تداعب ألآمال والنفوس بقدوم الحكومة الجديدة المنتخبة للسنين ألأربع القادمة . فإذا الحكومة الفعلية تتمثل بالأحزاب الدينية ومليشياتها المسيطرة على المناطق المقفلة لها أو بالعصابات السائبة ألأخرى من البعثفاشيين والتكفيريين والمجرمين ألآخرين والكل يشترك في جريمة قتل وتشريد وإختطاف وتهجير المواطن العراقي والعبث بأمور الناس وإستغلالهم وبعثرة ثروات البلاد ونهبها ووصول الفساد ألإداري إلى وضع غير مسبوق , كما صرح بذلك أخيرآ رئيس هيئة مكافحة الفساد ألإداري , ولا من رادع ديني يردع ولا من مبدأ سياسي يحول دون هذا ألإنفلات الذي أصبح سمة العصر في عراقنا اليوم ولسان حال حكومتنا المنتخبة يقول " العين بصيرة واليد قصيرة " .

وتعالت صيحاتهم وتعالت ثم تعالت وهم في المعارضة محذرين من هذا وداعين إلى ذاك , فإذا كل ذلك فقاعات هواء فارغة وهم في السلطة . لقد حذرت القوى الوطنية السياسية الملتزمة ببرامج سياسية ومبدئية ثابتة من مغبة هذا التوجه الذي أفرز الطائفية وشددت على أهمية العمل على تطوير برامج عمل سياسية تُنهي آثار البعثفاشية وتعمل على وضع الأُسس الصحيحة لبناء عراق ديمقراطي فعلآ وتعددي حقيقة , فصمّوا آذانهم عن مثل هذه النداءات . ونكرر نداءاتنا اليوم بأن تقوم هذه الحكومة بأبسط الواجبات الملقاة على عاتق أية حكومة في هذا العالم بأن تحمي أرواح مواطنيها على ألأقل وتعيد الثقة إلى الدولة التي أصبح الشقاة يراهنون على هزالها والسخرية بها والإستهانة بحياة مواطنيها . لا نطالب الآن بالماء الصالح للشرب , رغم حاجة أية حياة طبيعية لذلك , ولا نطالب بتوفير الكهرباء لأننا نعلم بأن مطالبنا هذه ستذهب هدرآ , إذ لا قدرة لكم على ذلك . ولا نطالبكم بإجتثاث الفساد في أجهزة الدولة , حتى وإن صدقناكم بأنكم تريدون ذلك , لأننا نعلم بأنكم عاجزون عن تحقيق مثل هذا الأمر . ولا نطالب بتوفير الوقود صيفآ وشتاءً لأنكم أضعف من أن تسيطروا على عصابات تهريب المنتجات النفطية المرتبطة بأجهزة حكومتكم . ولا نطالبكم بتوفير الخدمات الصحية للمواطنين لأن المستشفيات الخالية من ألأطباء الذين فرّوا بجلودهم وأنقذوا أنفسهم وعوائلهم من الإرهاب بعد أن يأسوا من توفيركم الحماية لهم , والخالية أساسآ من أبسط مستلزمات العلاج من ألأدوية والمعدات , لا تستطيع أن تقدم علاجآ شافيآ للمواطنين . ولا نطالبكم بتأهيل المؤسسات الخدمية الأخرى في مجالات النظافة والترفيه عن المواطن المثقل بالجراحات اليومية العميقة , لأنكم , حسب ما يبدوا, لا تشعرون بعمق هذه الجروح . ولا نطالبكم بهذا ولا بذا إذ لا نريد أن نثقل كاهلكم بمثل هذه الأمور . إن جل ما نطالبكم به هو العمل على حماية أرواح الناس من عبث العصابات السائبة وإعادة الطمأنينة والأمان إلى القلوب المرعوبة والنفوس التي بدأ اليأس يسيطر عليها بعد أن إنتعشت ألآمال فيها بسقوط البعثفاشية , فهل لنداءات الناس من مجيب....يا حكومتنا المُنتخبة........؟
توفير ألأمان للمواطن وعائلته سيجعله قادرآ على التفكير بإيجاد البدائل التي برع الشعب العراقي بإبتكارها خلال أزمة ألحصار التي سببتها البعثفاشية لسنين طويلة . ألشعور بالأمان في البيت العائلي , في محل العمل , في الحل والترحال للعمل أو للترفيه , في أللقاء بالصديق والقريب على أي بقعة في الوطن دون أن يكون هاجس الخوف مرافقآ لأي لقاء مثل هذا, الشعور بألأمان والطمأنينة بأن الوطن وطنه والأهل أهله في الشمال والجنوب والشرق والغرب لا يفصل بعضهم عن بعض سيطرات المليشيات أو دبابات الجيش أو الجدران ألكونكريتية والأسلاك الشائكة . الشعور بالأمان والإستقرار يقود إلى القدرة على التخطيط لأبعد من اليوم الذي يعيشه المواطن حتى وإن لم تتوفر له كل مقومات هذا التخطيط . توفير ألأمان سيقود بالضرورة إلى دفع مفاصل الحياة ألأخرى لأن تتجاوب مع الواقع ألأمني الثابت الذي يمكن لأي عضو في المجتمع أن يعول عليه ويستند إليه . الشعور بالأمان يجعل أطفالنا في رياضهم وتلامذتنا في مدارسهم وطلبتنا في جامعاتهم ومعاهد تعليمهم وعمالنا في معاملهم وفلاحينا في حقولهم وكسبتنا في أسوقهم ومحلات عملهم ومفكرينا في مواقع إبداعهم , رجالآ ونساءً , شيبآ وشبابآ , صبايا وصبيانآ ينعمون بالأجواء التي تشدهم إلى محلات تواجدهم هذه , لا يترددون من الذهاب إليها برغبة تزيد من تفاعلهم مع مؤسساتهم هذه والنهوض بها حتى بأبسط المقومات . إن خلق جو ألأمان ألثابت هذا والشعور بالطمأنينة الدائمة سيكون المدخل لتجاوز ألأزمات التي سيكون وقعها السلبي أهون كثيرآ على المواطن وعمله لتجاوزها أكثر نضوجآ , ولتكن لنا تجارب الشعوب الأخرى التي مرت بمثل هذه الأزمات مثالآ نحتذي به , فنأخذ ما نستفيد منه لبناء وطننا الجديد والسير في ركب الحضارة العالمي , وكفانآ نرجسية وعنجهية وغرورآ وعنادآ ومكابرة , وكفانا إجترار التاريخ الذي يسجله العلم الحديث اليوم بوسائل لم يعد يسمح ولو مجرد ذكر ما إستعمله ألأولون من وسائل لذلك أمامه , ناهيك عن مقارنه هذه الوسائل مع بعضها البعض , إذ لا مجال لمثل هذه المقارنة من بعيد أو قريب .

ربما سيقول قائلهم أتريدنا أن نتخلى عن ديننا فلا نمارس النشاط السياسي من خلال قناعاتنا الدينية ؟ والجواب الواضح الصريح على سؤال كهذا يمكن الوصول إليه من خلال سؤالنا لهم إن كانت أحزابهم هذه تمارس الدين أم ألسياسة ؟ هل أنهم يوظفون السياسة لخدمة الدين أو أنهم يستغلون الدين لتحقيق أهداف سياسية بحته ؟ إن ما دل عليه نشاط وتوجهات هذه ألأحزاب لحد ألآن لا يشير إلى غير إستغلال الدين وتوظيفه لما يريدون الوصول إليه من أهداف سياسية وضعوها مسبقآ . وإن يدعون غير ذلك فلتفسر لنا هذه ألأحزاب , بمختلف طوائفها, الأسرار الكامنه وراء تدمير دور العبادة التي يُذكر فيها إسم ألله , وهذا هو ما يدعو إليه جوهر الفكر الديني . أو ليوضحوا لنا ألأسباب التي جعلت من العراق عمومآ وبغداد خصوصآ مناطق مقسمة تسمى بإسم الطائفة التي تسيطر عليها بقوة ألسلاح شاءت الحكومة التي تنتمي إليها هذه ألأحزاب وعصاباتها المسلحة أم لا . أو ليفتونا مأجورين بجدوى إستنساخ السياسة البعثفاشية التي أدت إلى التهجير من مناطق معينة في الوطن لتحقيق هدف سياسي شوفيني , حيث تمارس اليوم عصابات هذه ألأحزاب نفس السياسة ولنفس الغرض الذي هو طائفي هذه المرة . ولا نريد أن نسترسل بمثل هذه الممارسات ألإجرامية التي لا يستطيع أي إنسان يحمل مثقال ذرة من العقل أن يربطها بأي دين . إلا أننا نريد أن نؤكد أن إستغلال الدين لأغراض السياسة ليست بظاهرة جديدة في التاريخ , فهناك أمم وشعوب مرت بهذه المحنة إلا أنها إستطاعت أن تتجاوزها , فكانت النتيجة التي توصلت إليها هي أنها ربحت الدين والسياسة معآ واستطاعت أن تجعل من أوطانها قبلة للتقدم والرقي والسعادة والإزدهار . أما كيف إستطاعت تحقيق ذلك ؟ فهذا ما سنحاول التطرق إليه في حديثنا القادم .