| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                  الخميس 6/12/ 2012



الإسلام السياسي التجاري

د. صادق إطيمش 

تحت عنوان " الشتاء العربي : صعود الإسلام السياسي يهدد مكتسبات الثورة " كتبت المجلة الألمانية الإسبوعية الواسعة الإنتشار " در شبيكل " في عددها المرقم 49 ، الصادر في 03.12.2012 مقالاً إستعرضت فيه تفاعلات الساحة السياسية في بعض المجتمعات العربية والتي تمخضت عن صعود تيارات الإسلام السياسي بعد ان سرقت ثورات الشعوب التي بدأت بدونها لتنتهي بإنفراد هذه القوى بكل منجزات الثورة وفي مقدمتها الدعوة لتحقيق الديمقراطية التي تسلقت عليها الجماعات التي تدّعي إنتسابها وتمثيلها للدين الإسلامي لتتنكر بعدئذ لكل مفاهيم واولويات الديمقراطية التي لم تكن تؤمن بها اصلاً ، حيث عبَّرت  أكثر من مرة عن عدم إيمانها هذا بالديمقراطية التي إعتبرتها بدعة غربية لا تصلح للمجتمعات الإسلامية التي تريد لها هذه القوى تطبيق القوانين والتعليمات السائدة في القرن السادس الميلادي على مجتمعات القرن الحادي والعشرين .

وجاء في تقرير المجلة الألمانية : " في مصر كما في تونس تخرج الجماهير إلى الشارع للنضال من اجل حريتها . هل للقوى المدنية من فرصة ؟ " ثم تشير بالتفصيل إلى ما حدث في واحد من الجوامع في القاهرة اثناء تأدية فريضة الصلاة حيث كان الرئيس المصري يتصدر الصف الأمامي حينما قام خطيب المسجد قائلاً : " مَن ينتقد الرئيس هو أسوأ من أولئك الملحدين الذين هاجموا النبي في مكة " .

هذه ديمقراطية الأخوان المسلمين في حزب الحرية والعدالة المصري والسلفيين في حزب النور وجميع القوى المؤتلفة معهم على هذا النهج الكاذب المنافق الذي ظل يلهج بالديمقراطية والشرعية الإنتخابية في العملية السياسية ، حتى إذا ما تحقق لهم الوصول إلى السلطة عِبر هذا الطريق تنكروا لكل ما كانوا ينادون به وانقلب نداءهم إلى التلويح بإنهاء الآخر المخالف لهم . وإلا فماذا تعني الدعوة لإعتبار منتقدي رئيس الجمهورية ملحدين غير تطبيق حدودهم على هؤلاء الرجال والنساء المعارضين والذين يستبيحون دمهم لمجرد إعتراضهم على رئيس الجمهورية الذي خرج من تحت عباءة هؤلاء الإسلامويين .

سياسة هذا الإسلام اصبحت تجارة تُسّوَّق على منابر الجوامع التي اصبحت بدورها اسواقاً لترويج هذه البضاعة التي زكمت نتانة نفاقها الأنوف وملَّت اكاذيبها النفوس التي لا ترى في دين السماء اثراً لهرطقات مُدَّعي الإسلام من الأخوان والسلفيين وغيرهم من المتخلفين عقلياُ وسياسياً واجتماعياً وثقافياً .

أكاذيبهم التي ملأوا بها الدنيا مدعين الحرص على النبي محمد (ص) من خلال عرض فلم او صور كاريكاتورية ، حيث ملأوا شوراع الدنيا بزعيقهم ، حاملين مصاحف عمرو بن العاص في كل مناسبة يريدون بها إستغلال إسم وشخص النبي لأغراضهم الذاتية ، لم تنطل على العارفين بخفايا نواياهم التي لم يحددها الحرص على نبي الإسلام ، بل حددتها وتحددها السُبُل التي يريدون بها الوصول إلى السلطة حتى وإن تم ذلك على الطريقة الميكافيلية التي تنطلق من " الغاية تبرر الواسطة " والتي تم تحقيقها فعلاً من خلال هذا الإمام الخطيب الذي وضع رئيس الجمهورية المصرية محمد مرسي في موضع يسمو على موضع نبي الإسلام حينما اعتبر مجرد مَن يخالفه في الرأي ، وليس اعداءه ، أسوأ من أولئك الملحدين الذين هاجموا النبي في مكة . هل هناك نفاق ودجل ، لا بل وكفر من الناحية الدينية ، أكثر من هذا ؟ وهل هناك من تجارة بالقيم والشخصيات والمبادئ الإسلامية اكثر من هذه التجارة التي يسوِّق لها هذا الخطيب المتاجر بها ؟ وهل يمكن ان نسمي ذلك غير الدعوة إلى إنهاء المخالف وخلق الفتنة التي لا يبالي بخلقها الإسلام السياسي لأن وجوده مرتبط بها ؟

ألإسلام السياسي هذا يتمشدق بإلتزامه بتعاليم الدين ، إلا انه لا يكف عن إثارة الفتن في كل المجتمعات التي ينشط أعضاؤه فيها زاعمين ان نشاطهم هذا في سبيل نصرة الدين . إلا ان كل ما يقومون به لا يتعدى خلق الفتنة بين افراد المجتمع والفتنة أشد من القتل ، كما يعلمنا الدين الإسلامي .

ألإسلام السياسي هذا الذي لا وسيلة له سوى العنف المرتبط بالقتل والغدر بالآخر وتوظيف كافة وسائل الجريمة حتى بين منتسبيه ثم يسمي ذلك جهاداً في سبيل الدين ونشر العقيدة الإسلامية التي يريدون نشرها بالسيف . وتعاليم الإسلام التي يعرفها الناس تقول أن لا إكراه في الدين .

الإسلام السياسي الذي يجعل من بعض حثالاته التي لا تعي ما يدور حولها في هذا الكون الحضاري وكلاء على امور الناس ينهون عن هذا ويأمرون بذاك ليقرروا هم وحدهم ما هو المعروف ليجبروا الناس عليه وما هو المنكر ليكرهونهم على تركه ، وتعاليم الإسلام لم تسمح حتى لرسوله ان يكون وكيلاً على الناس .

الإسلام السياسي يفسر النص الديني بما يرضي شهوات ملتحيه الذين لا يميزون بين الفكر والكفر والذين لا يتوانون عن إقصاء نصف المجتمع عن تأثيره في الحياة لأنهم لا يرون في المرأة إلا حرثاً يقذفون فيه قذاراتهم ، بالرغم من نقص دين هذا الحرث ونجاسته ، إلا ان ما يخرج عنه يسجلونه فخراً لهم ولرجولتهم التي لا همَّ لها إلا الركض وراء شهواتها الحيوانية ، وتعاليم الدين الذي يتبجحون بانتماءهم له يضع الجنة تحت اقدام ألأمهات ، بالرغم من نقص دينهن وعدم طهرهن كنساء ، من وجهة نظر هؤلاء .

الإسلام السياسي الذي يزيد غباء منتسبيه غباءً حينما يتهم الآخرين بابتعادهم عن تعاليم الإسلام فيضعون انفسهم في مقدمة مَن يفقه هذه التعاليم التي سرعان ما ينسونها حينما يتعلق الأمر بالغير المخالف لهم ولإطروحاتهم البدائية وبنات افكارهم المتحجرة ، وتعاليم الدين ، الذي يريدون أن يكونوا من اتباعه ، تقول لهم ان الإختلاف رحمة .
وهذا ما يحدث اليوم بالضبط في مصر التي يريدها فقهاء الشياطين من حملة الفكر التكفيري البائس مرتعاً لأفكار إنهاء الآخر سواءً كان هذا الآخر مسلماً أو غير مسلم .

الإسلام السياسي الذي لم تتفتق قريحته الضامرة إلا عن شعار " الإسلام هو الحل " لم يفصح عن ماهية ومحتوى هذا الشعار البائس الذي لم يجد له فقهاؤه بالذات تفسيراً تتقبله العقول ، وذلك بالنظر لسطحيته وعموميته واتخاذه ذريعة تماماً كما يتخذون من رفع المصاحف في كل مناسبة ذريعة يعيدون بها ايام اسلافهم في خديعة عمرو بن العاص ورماحه الشهيرة التي غرسها في قلب الخُلِق العربي الإسلامي قبل ان يحمل المصاحف عليها ليمرر خديعته باسم الدين . تماماً كما يعمل اسلافه اليوم في مصر وسوريا وتونس وليبيا والعراق وإيران واليمن والبحرين وكل المواقع التي يجري فيها حرف ثورة التحرر عن مسارها الشعبي الديمقراطي لوضعها بين براثن الوحوش الهمجية من قوى الإسلام السياسي السلفي التي لم تحل بموقع إلى وهدمته على رؤوس اهله .

وعلى هذا الأساس ومن خلال التجربة التي مرت بها تجارب قوى الإسلام السياسي المتخلفة وما جرته وتجره على البلاد والعباد من ويلات حتى يومنا هذا سواءً في افغانستان او في مصر او العراق او سوريا او ليبيا أو إيران او السودان او البحرين أو السعودية او اليمن او مالي  او باكستان او في أية بقعة على ارض المجتمعات الإسلامية تتواجد فيها عصابات الإسلام السياسي بكل ما تحمله من نفاق في الخطاب وبكل ما تحمله من اسلحة دمار الغير المخالف ، ينبغي الإنطلاق من القاعدة الأساسية التي اصبحت لا تقبل الجدل والقائلة بان الإسلام السياسي وما يطرحه من فكر متخلف وشعارات منافقة هو السبب الأساسي في كل الويلات والمآسي التي تمر بها الآن أو التي ستمر بها المجتمعات الإسلامية في المستقبل . وهذا ما يحتم على القوى الديمقراطية ان تواجه مثل هذا التحدي الرجعي المتخلف بوحدة ثورية تقدمية تضع الشعوب ومصالحها في التطور العلمي والتقدم الإجتماعي والرفاه الإقتصادي في مقدمة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها عبر برامج سياسية تأخذ متطلبات القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية بكل آلياتها بنظر الإعتبار وتسعى لتحقيق الدولة المدنية التي لا بديل عنها في هذا العصر .
 

free web counter