| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الأربعاء 3/10/ 2007

 




وا حرّ قلباه......يا وطني
1

د. صادق إطيمش

فرحة اللقاء تموت بطيئآ
وا حرّ قلباه .... صرخة أطلقها المتنبي قبل أكثر من ألف عام لا ليندب وطنه العراق آنذاك , بل ليندب حظه العاثر لدى أميره الذي أخلص له الحب فلم يرَ منه غير الجفاء في الوقت الذي كان هو بأمس الحاجة إلى عون هذا ألأمير له . حينما أطلق المتنبي صرخة الندب هذه في مجلس سيف الدولة الحمداني لم يخطر بباله بأن أحفاده في وطنه العراق سيطلقونها يومآ ليندبوا بها حظ الوطن الذي دار به الزمن البائس ليضعه بين مخالب الضواري التي تناولته من كل حدب وصوب , تنهش به دون رحمة وتغتاله دون واعز من ضمير أو رادع من وجدان . الوطن الذي يئن تحت طعنات مَن وضعوا نحره نحو القبلة المقدسة ليشرعنوا ذبح هذه الضحية حسب ما تمليه عليهم تعاليم دينهم هم , وطبقآ لثوابت طوائفهم ومقدسات مشايخهم وقناعات شيوخ تكاياهم وتماشيآ مع جاهلية عشائرهم , ليواصلوا بعدئذ ممارسة طقوسهم الدينية وخزعبلات أفكارهم البدائية بالرقص حول هذا الجسد المسجى , جسد العراق الذبيح , وكل منهم يهلل ويبتهل لإلاهه شاكرآ ربه على هذا النصر الذي حققه على من وصفه الغرباء عنه بأنه مهد الحضارات ومنبع العلم وموطن ألإنسان ألأول ومنطلق الفكر وأرض المعرفة الذي تعلم الإنسان فيه من الحرف ما لم يكن يعلمه من قبل , هذا ما وصفه به الغرباء عنه , والعهدة على الراوي , كما يُقال , إذ أن القائمين على ذبحه اليوم لا يفقهون من كل هذه ألأوصاف شيئآ وربما لم يسمعوا بها بتاتآ حيث أنهم لم يُسمعوا أيتام هذا الذبيح غير المزيد والمزيد من أصوات النهش في جسد الضحية المُسجى بينهم , تمامآ كتلك ألأصوات التي تطلقها الوحوش الجائعة المجتمعة حول فريستها .
جراح العراق العميقة الدامية لا يخلو منها موقع في جسده , وقتلة العراق منتشرون فوقه بأزياءهم المختلفة الملطخة دومآ بدماء ضحيتهم بدءً بالزي الزيتوني السيئ الصيت الذي تحول إلى أسود داكن ليحاكي سواد قلوب حامليه سابقآ ولاحقآ , مرورآ بالسدارة العراقية الفيصلية والعمامة المحلية أو ألأجنبية السوداء منها والبيضاء وانتهاءً بالجُبب الطويلة والدشاديش الميني جوب العربية ألإسلاموية .

الجرح العميق الذي تقف عليه وعلى نزيفه الجارف يواجهك به العراق حينما تطرق بابه قادمآ إليه بَرّآ من عناء سفر طويل ومرير, سمعتَ فيه مختلف الملاحظات , النابية أحيانآ , وبلغة مفهومة تمامآ لأهل العراق , ومن قوم معروفين تمامآ لأهل العراق . تطرق باب بيتك باحثآ عمن يقيل عثرة سفرك ويحمل عنك أثقال همك الذي رجوت زواله حين دخول باب بيتك هذا . تدخل بيتك وسرعان ما تختفي الإبتسامة العريضة التي رسمْتَها على شفتيك فَرحآ بلقاء بعد غياب وطَمعآ بحنان بعد عذاب وتيمُنآ برجاء بعد يأس . تختفي الإبتسامة لعدم وجود ما يدعو إلى ألإستمرار بها أمام الوجوه المكلفة باسستقبال أهل الدار العائدين إليها . وجوه يلفها الحزن وتعتريها الكآبة وتعلوها أللاأبالية , لا تعرف للنظام شكلآ ولا للعمل الدقيق وجهآ , تتنازعها غريزة إقتناص ألأثقل جيبآ من حاملي جوازات السفر التي توحي بغنى البلدان القادمين منها , بدائيتها في التعامل مع القادمين وفي وسائل العمل التي لا تتجاوز السجلات العثمانية القديمة التي يستعملها البقالون سابقآ وبنفس القلم الجاف المتآكل تنبيك مع موقع عمل أخذ البيانات الذي لا مناص لك من الوقوف بين جدرانه المتهرئة وتحت سقوفه البالية , بأن الوطن لا يريد أن يلتقي بأهله القادمين إليه من بعيد على أرض ثورة معلومات القرن الحادي والعشرين , إذ لا شيئ يوحي على الرغبة في أللقاء , ولا شيء يوحي على ما جاء به هذا القرن . تحاول أن تجد المبررات لكل ذلك, فيأخذك خيال التفسيرات والتأويلات والتعليلات المنطقية وغير المنطقية إلى تجرع بعض المآسي التي لم تصدقها عيناك لحد الآن , تُطمئِن النفس بالآتي الكثير الجميل , وتُمنيها في قاعات فارهة تحميك من وهج الشمس صيفآ ومن لسعات البرد شتاءً , تسير فيها حقائبك نحو التفتيش على أحزمة تتحرك دون أن تُتعب نفسك بتوجيه حركتها, هذه الصورة التي طالما وجدتها حتى عند البدو الرُحل . وا حر قلباه.......صفعة أخرى أشد من سابقتها في سقيفة تسجيل البيانات تتلقاها في خربة التفتيش عن الملبوسات والمأكولات والدولارات . من لا يدفع لا تُفتح له حقيبة ولا يتحرك نحوه أحد ولا يُسمح له بالتحرك نحو أحد . يجب عليه إلتزام الهدوء والتحلي بمبدأ الصبر مفتاح الفرج حتى تتوفر له القناعة الكافية بتغييرها إلى : الدولار مفتاح الفرج . ألأتربة التي تلف ما جئت به من حمل يزداد سمكها حينما تخرج من هذه السقيفة فرحآ بما إستطعت إنقاذه لتكدسه في ناقلات تحاسبك على القطعة , وأنت بذاتك قطعة لا تختلف عن أية قطعة من قطع حمولتك . في الغرب يتحول ألإنسان إلى رقم أحيانآ حينما يطرق أبواب مكاتب العمل مثلآ , أما أن يتحول الإنسان إلى قطعة حمولة , فهذا إبتكار جديد لم يخطر ببال المنظرين ألأوائل .

بوابات العراق البرية , أيها المسؤولون عنها , وجه العراق الذي يلقاه من يروم الدخول إليه قادمآ من سفر مضني بعيد , عراقيآ كان هذا القادم أم غير عراقي . ومناصبكم التي تبوأتموها , بغض النظر عن الطريق الذي سلكتموه لذلك , وبغض النظر أيضآ عن المؤهلات التي أوصلتكم إلى ذلك , بوابات العراق هذه هي إنعكاس لعلاقتكم بالدار التي تشرفون على أبوابها , وبالتالي إنعكاس لوجه الوطن ولوجوهكم أيضآ , فإن كنتم من أهل هذه الدار حقآ , فاسعوا قليلآ لتحسين صورة وجوهكم على ألأقل , ومهما بذلتم من وقت لذلك فسيبقى ما يكفيكم من الوقت لجمع ألأبيض والأصفر ولنهب ألأسود والدولار ألأخضر.