| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الأحد 3/1/ 2010



غباء الطائفيين وبلاء العراق بهم

د. صادق إطيمش

أثبتت الكثير من التجارب السياسية والإجتماعية العلمية على أن التطرف في مجالي السياسة والدين ، على الخصوص ، يقود إلى نتائج قد تكون مدمرة في كثير من الأحيان لكل إمكانيات القطر الذي يحل به واحد من هذا التطرف أو كلاهما وذلك من خلال نشر المفاهيم الأحادية الجانب التي تسعى لإلغاء الآخر وتتبنى أفكار السيطرة التي تقود إلى ألإنفراد بالسلطة السياسية أو المرجعية الدينية. والتاريخ القديم والحديث لمختلف الشعوب يقدم لنا النماذج التي تشير إلى ذلك والتي لا زلنا نعيش بعضها اليوم أيضاً على بقاع مختلفة من الكون . ووطنا العراق يعيش اليوم ، ومنذ أكثر من ست سنين ونيف خلت ، نتائج التطرف الديني بعد أن عاش للعقود الأربعة الماضية من تاريخه النتائج التي ترتبت على التطرف السياسي الذي مارسته البعثفاشية في العراق وما نتج عنه من قمع وحروب وملاحقات وإعدامات وانهيار في الثقافة والإقتصاد والقيم الإجتماعية والأخلاقية خلال سيطرة النظام الدكتاتوري المقبور .

إن التطرف الديني الذي يعيشه وطننا اليوم ومنذ إنهيار البعثفاشية أدى بالضرورة إلى التمحور الطائفي الذي أفرزه هذا التطرف الديني لدى الطوائف المختلفة حتى أصبحت النزاعات الطائفية تتصدر المسرح السياسي الذي قاد إلى سياسة المحاصصات المقيتة وتتفاعل سلبياً مع العلاقات الإجتماعية وتشل التطور الإقتصادي وتبتعد عن ثقافة الإبداع في كل مجالات الثقافة وتسير بالعملية التربوية نحو هاوية التخلف عن حركة الشعوب ونهضتها في المجالات كافة . اي إرجاع وطننا إلى تلك المراحل التاريخية التي تجاوزها قبل عشرات السنين ، وذلك باسم الصحوة الدينية التي هي في الحقيقة ردَّة إلى عصور وضعها الشعب العراقي ، بما يملكه من ثروات وطاقات بشرية ومادية ، على رفوف التخلف حيث ظل ساعياً، وبنجاح في كثير من الأحيان ، إلى السير ، حتى وإن كان سيراً بطيئاً أحياناً ، مع حركة التطور التي رافقت القرن العشرين من عمر البشرية .

لقد خلق الطائفيون من مختلف الطوائف التي تصدروا النيابة عنها دون أن يوكلهم أهل هذه الطوائف بذلك ، أجواءً تقوم على الإحتراب والإقتتال وإلغاء الآخر والتبجح بامتلاك الحقيقة المطلقة والسعي في آخر المطاف لبلورة إمكانيات ظل هؤلاء الطائفيون المستفيدون الأوائل منها ومما تدره عليهم وعلى ذويهم من جاه ومال بعد أن كان معظمهم لا يملك شيئاً من ذلك . فلا غرابة إذن أن نجد هؤلاء وهم يسعون سعياً حثيثاً وبكل ما توفرت لديهم من طاقات وإمكانات لدفع إستمرارية هذا النهج الطائفي الذي لمس القاصي والداني ما جرَّه على القائمين به دون غيرهم من أهل طائفتهم التي يدّعون تمثيلها .

ولو لاحظنا بدقة وإمعان أساليب ألإسلام السياسي الغبية في إستمرارية هذا التأجيج والإحتراب الطائفي لأدركنا ، وبدون أية إشكالات ، مدى حرص هؤلاء القادة ألإسلامويين على طرح الصراع الطائفي بالشكل الذي لا يمكن أن يُرجى الخروج منه بسهولة ، إذ أنه يتبنى ، في كثير من مفاصله ، مواضيع لا تُغني عن فقر ولا تُشبِع من جوع . مواضيع تدل على ضمور عقول القائمين على تداولها وجعلها مادة للإحتراب والإقتتال بين أهل الوطن الواحد الذين سعى الطائفيون إلى تنكرهم لهويتهم الوطنية واقتناء الهوية الطائفية المقيتة . وفي هذا المسار يراهن طائفيو ألإسلام السياسي على الوضع المزري الذي أوصلت البعثفاشية أهل العراق إليه عبر الضنك الإقتصادي والفقر الثقافي وكل ما رافق حياة الإنسان العراقي من مصاعب الحياة التي تراكمت عليه تباعاً ولم يجد الطريق الشافي للخلاص منها إلا بزوال النظام الدكتاتوري المقيت الذي شكل زواله هو الآخر خيبة أمل كبيرة لم يكن يتوقعها العراقيون والتي داهمهم بها دعاة الطائفية وكأنهم يخططون لإستمرار ما بدأت به البعثفاشية ليظلوا هم المستفيدون الأوائل من هذا الوضع المتخلف .

ماذا سيجني العراق وأهله مثلاً من الإحتراب والإقتتال حول صحة أحاديث أبي هريرة من عدم صحتها ؟ هل سيساهم مثل هذا النقاش الذي قد يصل إلى الإقتتال بين أهل الوطن أحياناً إلى ألإسراع ببناء مصنع في حالة صحة هذه الأحاديث ، أو إلى بناء مؤسسة علمية جديدة في حالة عدم صحتها ؟ وماذا سيجني وطننا العراق المُحطم الأوصال من تقاتل الطائفيين حول أحداث السقيفة التي تجاوزها الدهر بمئات السنين ؟ هل سيساهم إجترار هذا النقاش لمئات أخرى من السنين على وضع أسس متينة لإقتصادنا الوطني الذي يعاني من إنتهاك هؤلاء الطائفيون المتصدرون للمواقع السياسية والإجتماعية له ؟ ماذا سيضر الإنسان المتدين لو أنه تُرِك ليمارس معتقداته كما يريد دون وصاية من هذا وذاك من الطائفيين الذين يسعون لإستعمال هذا المتدين وعلاقته الفطرية بما يؤمن به سلاحاً بأيديهم يوجهونه صوب الجهة التي يخططون للتقاتل معها سواءً كانت هذه الجهة من نفس الطائفة أو من طائفة أخرى ، فلا فرق في ذلك إذ أن الغباء الطائفي لا يعرف حدوداً للأخلاق ولا أبعاداً للمسؤولية ولا شعوراً بالعلاقات ألإنسانية . ماذا سيجني وطننا وأهله لو أثبتنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن النبي محمد (ص) أوصى أو لم يوص بخليفته من بعده ؟ هل ستساهم هذه القناعة في مجتمعنا اليوم والمقترنة بأحداث مجتمع مضى عليه وعلى وجوده وأساليب حياته عشرات العقود من السنين بتخفيف وطأة الفقر التي يعيشها الكثير من العراقيين في الوقت الحاضرأو تنتشلهم من الأمراض التي ما زالت تتكاثر بينهم كل يوم ، دون بصيص من ألأمل الجدي للخلاص من كل ذلك ؟ لماذا لا نترك الناس يمارسون قناعاتهم بالشكل الذي لا يحد من ممارسة الآخرين لقناعاتهم بنفس الدرجة ونفس البعد الأخلاقي والسياسي والثقافي والإجتماعي ؟ الدين الإسلامي لا يعترف بالوكالة الدينية وقد نهى عنها القرآن الكريم حينما منع النبي محمد (ص) من أن يكون وكيلاً على الناس فيما يخص أمور دينهم وقناعاتهم . أما المشورة والنصيحة والسؤال في هذا الأمر أو ذاك فإنه سيظل مسألة شخصية بحتة يلجأ إليها مَن هو بحاجة لها دون إكراه أو إجبار ودون تلقين أو إملاء ، وليس هناك أي من البشر الذي يمكن أن يدعي بأنه مخول من الله لمثل هذه الأمور التي لم يسمح لرسوله بممارستها وأخذ الوصاية على الناس عن طريقها .

ممارسة الحرية الدينية دون وصاية وبكل قناعة يجب ان تكون من أولويات كل دين ، إن كان هذا الدين يدعو حقاً لإحترام الإنسان باعتباره خليفة الله على الأرض، كما نصت على ذلك كتب ألأديان السماوية الثلاثة على الأقل ، اليهودية والمسيحية والإسلام .

إن المعضلة التي تواجه هذه الأطروحة والتي يستغلها الطائفيون أبشع إستغلال هي الخروج على قاعدة الحرية الشخصية في الممارسات الدينية وتسويقها حسب المنهاج الطائفي الذي يؤمنون به ويسعون إلى تفعيله والذي سيؤدي في آخر المطاف إلى الإعتداء على حريات الآخرين وسلب حقهم في ممارسة قناعاتهم الدينية برغبة واختيار . وهنا سيتحول الأمر من ممارسات للحرية الشخصية إلى جرائم تُرتكب بحق الآخرين . وما العمليات الإرهابية الطائفية التي شهدها وطننا وعانى منها أهلنا في السنين الست الأخيرة إلا نموذجاً لمثل هذا النهج الطائفي ودليلاً على غباء وسطحية منظريه ، ولا يمكن وصفه بغير البلاء الذي حل على وطننا وأهلنا ولا مناص من التصدي له بكل الطرق القانونية ذات البعد الحضاري والمستوى الثقافي والرقي الإجتماعي لإنسان القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية .

 

 

free web counter