| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الجمعة 31/10/ 2008



عودة إلى الندوة الثقافية في برلين وأصداءها

د. صادق إطيمش

في موضوع بعنوان " التطرف المضاد " تطرق فيه السيد مجيد الطائي إلى مسألة التطرف وحاول معالجتها إنطلاقاً من رفضه لهذه الظاهرة التي يتخذها البعض كأسلوب للتعبير عما يؤمنون به من فكر سياسياً كان هذا الفكر أو دينياً . إنني أؤيد كل ما جاء به السيد الطائي في رفضه لهذا التوجه بالتعامل مع الآخرين باعتباره توجهاً لا ينم عن إدراك للحجة او عن الثراء الفكري في صلب ما يريد الحديث عنه هذا البعض . وإنني مقتنع تماماً بالنزوع الشخصي لدى السيد الطائي لرفض توجهاً كهذا ، إلا أنني أعتقد أن النزوع لذلك وحده غير كاف للوصول إلى الهدف المرجو ما لم ترتبط هذه الرغبة بالبحث والتقصي الكاملين اللامنحازين لبلوغ هذا الهدف ، وهذا ما وضع افكار السيد الطائي في نقده لأسلوب التطرف في دوامة ريح متغيرة الإتجاهات تعصف بافكاره ذات اليمين وذات الشمال .

فحينما يتحدث الأخ الكريم الطائي عن التطرف الديني ويقول " قد أصبح تهمة جاهزة بل انها أحياناً من الأحكام المسبقة " يعود في نفس السياق ليقول " إن أسوء أنواع التطرف هو التطرف المركب من أكثر من سبب ، كالتعصب للدين وللقومية واللون وغيرها " ولا أدري هنا كيف يستطيع أن يوفق الأخ الكاتب الكريم بين هذين المتناقضين حينما يندد بمن ينتقد التطرف الديني متهماً إياه باستعماله كتهمة جاهزة ، وهذا يعني من هذا المنطلق أي لا وجود له ، وبين وجود هذا التطرف فعلاً خاصة على الساحة السياسية العراقية والذي يمارَس اليومً بشكليه الديني والقومي من قبل ألأحزاب الحاكمة .

وفي سياق هذا الموضوع يتطرق السيد الطائي وبدون سابق إنذار إلى حشر أسمي على إعتباري متطرفاً ، حيث قال : " وفي الأيام السابقة قرأت مقالات للسيد صادق إطيمش التي تنبز المسلمين ورموزهم العلمانية أعتبرها أنا نوع من التطرف والعصبية ، التطرف الذي يتهم الآخرين بالتطرف علي سياق الأحكام المسبقة والغريب ان الكثير من الحيثيات والأدلة التي يدرجها هي من آراء وتعريفات وما يكتبه الغرب وما كتبه المستشرقون عن ديننا وبدليل ان الكلمة التي ألقاها في نادي الرافدين في برلين كانت تتضمن الآية التي تقول ((ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله )) ولكنه أوردها مترجمة للعربية من جديد ولعلها كانت في كتاب مستشرق ما بل حتى تفسيره للمعنى لم يكن مأخوذاً من الكتب المعروفة للتفسير وبهذا الصدد أنصحه بالإطلاع على تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي "

وهنا لابد لي من وقفات كثيرة مع ما تفضل به السيد الطائي . الوقفة الأولى تتعلق باتهامه لي بأنني " أنبز المسلمين ورموزهم العلمانية " . ولابد لي والحالة هذه أن استفسر من السيد الطائي مستوضحاً في أي مقال من عشرات المقالات التي كتبتها عن الإسلام وجد هذا النبز للمسلمين ورموزهم فيها . أقولها هنا وبكل تواضع بأنني اتحدى أي إنسان يستطيع أن يقدم لي كلمة واحدة نابية عن الإسلام او عن الرموز الإسلامية بكل ما كتبته. أللهم إلا إذا اعتبر البعض التعرض لنقد الخطاب الديني السائد ونهجه الطائفي الذي لم أدخر أي جهد بالتصدي له باعتباره لا يمثل دين السماء بل دين الفقهاء ، إن كان ذلك ما يقصده ، فما علي إلا أن أوافقه على ذلك واعلن له الآن ومستقبلاً بأنني سوف لن أتوقف عن ذلك مطلقاً ، وذلك بسبب قناعتي الراسخة بعدم وجود العلاقة الدينية الحقة بين إسلام السماء وبين هؤلاء الذين أعتبرهم ، أنا شخصياً ، يسعون لتحويل التعاليم الدينية السمحاء إلى تعاليم تكرس الحقد والكراهية والإقتتال بين المسلمين بعضهم البعض من جهة وبينهم وبين غيرهم من أهل الديانات ألأخرى من جهة أخرى ، وما شهده ويشهده وطننا اليوم بسبب ذلك يقدم الدليل القاطع على كل الجرائم البشعة التي إلتهمت الملايين من نفوس الأبرياء سواءً في عهد البعثفاشية السوداء أو في عهد المحاصصات البلاء. أو أنه إعتبر النقد الذي وجهته لبعض الفتاوى التي تبيح المضاجعة الجنسية مع الأطفال نبزاً برموز إسلامية ، فهذا حقه الطبيعي ، إن كان يعتبر هذه الرموز تعكس روح الإسلام الحقة بإباحة مثل هذه التصرفات الحيوانية البشعة . ولكنني أرغب أن أذكر حقيقة واحدة هنا وهي أن جميع الإنتقادات التي أوجهها لمثل هذه المواضيع او هؤلاء الأشخاص مرتبطة بدحضها علمياً ومن مصادر إسلامية ، أهمها القرآن الكريم أو مصادر الفكر الإسلامي التنويري ، ولم أستعمل بها أية كلمة جارحة بشخصية أحد أو خارجة عن أدب وتقاليد النقاش العلمي الرصين ، ومن يرغب أن يثبت غير ذلك فأقول له " هاتوا ببرهانكم إن كنتم صادقين ". أما الوقفة الأخرى فتتعلق بما كتبه السيد الكريم مجيد الطائي بإن ، الكثير من الحيثيات والأدلة التي أدرجها هي من آراء وتعريفات وما يكتبه الغرب وما كتبه المستشرقون عن ديننا وبدليل أن الكلمة التي ألقيتها في نادي الرافدين في برلين كانت تتضمن الآية التي تقول ( ألم يإن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله )...ولكنني أوردتها مترجمة للعربية من جديد ولعلها كانت في كتاب مستشرق ما بل حتى تفسيري للمعنى لم يكن مأخوذاً من الكتب المعروفة للتفسير وبهذا الصدد ينصحني بالإطلاع على تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي. شكراً على هذه النصيحة القيمة سيدي الفاضل ، ولو تفضلت بزيارة مكتبتي لوجدت فيها من التفاسير المختلفة التي سترضى عنها على ما أعتقد . ولكن هذا موضوع جانبي ، إذ ان الموضوع الذي أرغب مناقشته هنا يتعلق بما تطرق إليه السيد الطائي حول الندوة التي أقامها نادي الرافدين الثقافي في برلين والتي ساهمت فيها ضمن محور " دور المثقف العراقي في مواجهة الطائفية " والتي قلت فيها ، وسأتناول هنا المقطع الذي أغاض السيد الطائي ليضعني بسببه في خانة المتطرفين ، ويمكن الإطلاع على المقالة كاملة تحت الرابط :
http://www.sotaliraq.com/articlesiraq.phd?id=19696

أما المقطع المعني فهو :" ولنحاول هنا الإطلاع على بعض النصوص في مادة التربية الإسلامية التي تقود إلى تربية أطفال المدارس الذين لم تزل عقولهم متفتحة على تقبل كل شيئ . ففي درس التربية الإسلامية للصف الخامس الإبتدائي نقرأ النص المقرر التالي : ألم يحن الوقت للذين آمنوا بالله ورسوله أن ترق قلوبهم عندما يذكرون الله سبحانه وسيمعون القرآن الكريم فيسارعوا إلى طاعة أوامر الله والإنتهاء عن نواهيه ، ولا يكونوا كاليهود والنصارى من قبلهم حين طال الزمن بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم ، ولم تقبل موعظة وكثير منهم خرجوا عن دينهم ....." (
إنتهى النص) وقد علقت في نفس الندوة على هذا النص بما يلي : " تمهل في قراءة هذا النص في كتاب التربية الدينية للصف الخامس إبتدائي لترى التنكر إلى الديانتين المسيحية واليهودية اللتان تواجد تا على أرض الرافدين قبل لإسلام بمئات السنين واللتان تشكلان المفاصل الهامة في تاريخ العراق القديم وإلى التواصل مع هذا التاريخ المتمثل بالمسيحيين واليهود العراقيين الذين أُغتِصب بعضهم حق المواطنة من قبل حكومات العهد الملكي البائد بالتواطئ مع ألإستعمار الإنكليزي والصهيونية العالمية حيث أُسقطت الجنسية العراقية عن اليهود العراقيين الوطنيين الأصلاء وذلك لتحقيق سياسة الصهيونية العالمية بإيجاد شعب لدولة دون شعب . إلا أن العراقيين المسيحيين الذين يجري التنكر لهم ولوطنيتهم ودينهم على هذه الصورة المليئة بالحقد والكراهية لا يمكن تفسيره إلا على اساس التدرج في الحقد ليحقق إلغاء غير المسلمين أولاً وتأجيج أجواء الحقد عليهم . " ( إنتهى التعليق ) . اترك للقارئ الكريم تحليل ما يحدث اليوم لمسيحيي العراق كجزء من هذا النهج التخريبي الأسود ، وأعود لما تفضل به السيد مجيد الطائي حول النص الذي أوردته أعلاه وكيف حلل السيد الكريم ما قلته حول ذلك . بما ان السيد مجيد الطائي لم يكن مشاركاً في نشاطات الأيام الثقافية لنادي الرافدين العراقي في برلين في الفترة ما بين 30.07 و 03.08.2008 فإنه بنى موقفه من هذا النص إستناداً إلى السماع أو إلى قراءة النص في المواقع التي نشر فيها . فإذا كان الأمر يتعلق بالسماع من الآخرين ، فإنني والحالة هذه لا أستطيع إلا أن أقول له : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ( الحجرات 6 ) . أما إذا كان الأمر يتعلق بالقراءة ، وهذه هي المصيبة الكبرى ، فإن السيد الطائي لم يقرأ كما يجب ، إذ أنه لو فعل ذلك لراجع نفسه عدة مرات قبل ان يطلق الإتهامات التي بناها على قراءته الخاطئة التي لم تستوعب النص أصلاً ، وذلك للأسباب التالية :

السبب ألأول هو أنني لم أتطرق في كلمتي إلى الآية الكريمة 16 من سورة الحديد التي أوردها السيد الطائي في موضوعه ، أي ان كلمتي لم تكن تتضمن الآية أعلاه إطلاقاً.

السبب الثاني إن ما ذكرته في الندوة هو تفسير الآية أعلاه الذي وضعه القائمون على وضع المناهج التعليمية الدينية في مدارس أطفالنا وليس ترجمة جديدة للآية الكريمة إلى العربية ، كما زعم السيد الطائي ، ولم أستنسخها من كتاب مستشرق ما ، كما تخيل السيد الطائي ذلك ، ولم أقم أنا بتفسير الآية الذي لم يعجب السيد الطائي لينصحني ، مشكوراً ، باللجوء إلى التفاسير الصحيحة .

والسبب الثالث هو أنني رفعت المصدر الذي أخذت عنه هذا النص الذي علقت عليه بعدئذ بكلتي يدي أمام الجمهور لأبين طبيعة هذا المصدر الذي ما هو إلا صفحة من كتاب مدرسي لموضوع التربية الإسلامية للصف الخامس ألإبتدائي . وبما ان السيد الطائي يجهل ، او يتجاهل ما يقوم به بعض الإسلاميين في وطننا بتسميم عقول الأطفال بأفكار الحقد والكراهية للديانات ألأخرى ، فإنني أرفق هذا النص هنا كما أُخذ من الكتاب المذكور لتأييد ما جئت به حول هذا الموضوع ، وهذه هي الصفحة من كتاب التربية الإسلامية للصف الخامس في المدارس ألإبتدائية العراقية التي يشرف على برامجها أصحاب المحاصصات الذين يعرفهم السيد الطائي جيداً، فلا مستشرقون لهم دخل في ما قلت ولا ترجمة ذاتية للآية ولا تفسيري الناقص لها ، بل عقل عراقي من ذوي المحاصصات وفي كتاب مدرسي عراقي ، وأدناه هذا المرجع ألذي إعتمدته حسب نسخته الأصلية :

إنه ليسعدني حقيقة أن يعتبر السيد الطائي هذا التفسير للآية 16 من سورة الحديد تفسيراً لم يكن مأخوذاً من الكتب المعروفة للتفسير . واستناداً إلى ذلك أرجوه أن يقدم نفس النصيحة،التي قدمها لي، إلى العاملين في الأحزاب الدينية العراقية التي وضعت مثل هذه البرامج التعليمية السامة التي سوف لن تقود إلا إلى نشر الحقد والبغضاء بين أبناء الشعب الواحد . وما يجري اليوم في وطننا ضد أهل العراق ألأصلاء من غير المسلمين ، ما هو إلا عمل لا ترتضيه تعاليم أي دين سماوي .

وهناك فقرة أخرى وردت في موضوع السيد مجيد الطائي تستحق التعليق البسيط وهي : " والأغرب من هذا هو ان يخوض السيد اطيمش في قضايا فقهية هي بالأساس موضع إختلاف بين علماء المسلمين بل ان العالم يعلم ان دوائر المخابرات الدولية ليست بريئة من دس من يسيئ للدين بزي علماء المسلمين ومنهم من يثير الأحقاد والتعصب بين المسلمين أنفسهم فضلاً عن باقي الملل " (
أنتهى المقطع)

لا أدري ما الغريب بالأمر ان يتطرق شخص ، أي شخص ، إلى شؤون دينه حينما يرى ان قيم هذا الدين الذي يشكل جزءً من تاريخه وتراثه وعاداته تُستغل من قبل فئات تتلبس بلبوس هذا الدين لتصل بها إلى ما تريد من مناصب وجاه وثروة ، كما يجري اليوم في وطننا العراق ، في حين يفترش الفقراء ألأرض ويلتحفون السماء ببطون خاوية تفتش في مزابل ألأثرياء الجدد من أصحاب المؤسسات الدينية التي إنتشرت بين عوائل محدودة وأحزاب دينية معدودة تحرسها ميليشيات تقتل وتشرد وتنهب وتسرق تحت صيحات التكبير والتوحيد . ما الغريب في الأمر ان يتطرق إنسان إلى فضح ثقافة التسلط التي يمارسها الكثير من المعممين اليوم ليوهموا الناس بأن أعمالهم هذه من صلب الدين والويل والثبور لمن لا يؤمن بها ، وشعارات ألإنتخابات الأخيرة ليست بعيدة عنا. ما الغريب في الأمر ان يفتح اإنسان فمه ضد الجرائم بحق الطفولة ، خاصة ضد إستغلال ألأطفال جنسياً ، هذ الإستغلال الذي أفتى به البعض والذي يعتبر جريمة لا خلاف عليها بحق الطفل . إن كان هناك خلاف بين علماء المسلمين ، سيدي الكريم ، فليختلفوا ما شاء لهم ذلك ، إلا ان خلافاتهم هذه يجب أن لا تكون آلة قمع لكل من يريد أن يتطرق إلى أمور دينه بالطريقة التي تقربه من دينه هذا ولا تبعده عنه وحسب رؤية هذا الشخص نفسه الذي قد يعي شؤون دينه خيراً من بعض الفقهاء . أما مسألة المخابرات الدولية والصهيونية والمؤامرات وغير ذلك من المبررات التي كنا نسمعها بالأمس بعد كل إنقلاب عسكري جاء لتحرير فلسطين . ألأجدر بنا جميعاً ، سيدي الكريم ، قبل أن نطلق التهم بحق الآخرين أن نسعى لتحقيق المقولة القرآنية التي تنطبق علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى ولنجعلها جزءً من عبادات القائمين على شؤون هذا الدين ألذي أُبتلي ببعضهم حقاً والتي تقول " .....إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ...." (
الرعد 11). فلنبدأ بأنفسنا أولاً ، فإن إستطعنا تنظيف بيتنا فعندئذ سيكون لنا الحق بلوم الآخرين في حالة الإساءة إليه.

أما الفقرة الأخيرة التي جاءت في طرح السيد مجيد الطائي متعرضاً بها لي ، فقد جاءت دون أن يكون لها أية علاقة من بعيد أو قريب بموضوع النقاش حول الندوة الثقافية في برلين . لقد فهمت من إيراد هذه الفقرة محاولة إعطاء صورة عني ، لمن لا يعرفني ، إعتبرها السيد الطائي بانها ستكون المعين له على مواجهة افكاري حول الخطاب الإسلامي السائد التي قد لا تروق له . الفقرة المعنية تقول : " وشيئاً آخر أريد ذكره عن السيد اطيمش أنه إعترض يوماُ وبشدة على قراءتنا للقرآن في لقاء أسن وقد تعودنا في مدينتنا التبرك بالقرآن في كل نشاطاتنا ، وذلك لأن السيد اطيمش يعتبر ذلك من التطرف الذي يجبر الناس على إتباع الرؤى الإسلامية " (
إنتهت الفقرة).

أعتقد أنه من أولويات الأمانة العلمية ، طرح الموضوع متكاملاً وليس مجزءً . وبما لهذا الموضوع من أولويات وحيثيات تركها السيد الطائي جانباً ، فقد تفضل بعرض نصف الحقيقة التي لا يمكن أن تكتمل دون النصف الآخر الذي يضطرني السيد الطائي إلى عرضه الآن طالباً منه ومن السيدات والسادة الآخرين الذين لهم علاقة بالموضوع ، والذين سوف لن أذكر اسماءهم جميعاً ، تصحيح ما يرد في عرضي هذا خدمة للأمانة العلمية .

على أثر الضجة الكبيرة التي تمخضت عن لقاء برلين في السابع من شهر حزيران عام 2008 حول تشكيل مجلس للجالية العراقية في ألمانيا والتي أدت إلى إنسحاب بعض ممثلي المقاطعات والمستقلين من المؤتمر، متهمين القائمين بالإشراف على المؤتمر وعلى الإنتخابات التي جرت بعدئذ بأنهم يمثلون ألأحزاب الكوردية والشيعية ، وانهم يسعون لتفعيل سياسة المحاصصة الدينية القومية في هذا المؤتمر، وما النتائج التي ترتبت على الإنتخابات إلا دليلاً صارخاً علي سياسة المحاصصات هذه . لذلك فإن مؤتمر برلين هذا ، ألذي لم أشارك به شخصياً ، لم يكن ناجحاً بالنسبة لتحقيق الهدف المرجو منه بتأسيس إتحاد يضم كافة ألوان الطيف الشمسي العراقي .هذا هو الإنطباع العام الذي خرج به بعض السيدات والسادة المشاركون في هذا المؤتمر عنه . لذلك جرى النقاش حول التهيئة لإعداد لقاء آخر تتم فيه مناقشة هذا التوجه الطائفي القومي الذي تمخض عنه لقاء برلين وإيجاد قاعدة بديلة للعمل على تحقيق نفس الهدف بتشكيل إتحاد عام للجالية العراقية في ألمانيا . وبالفعل تمت مناقشة هذه الفكرة وكان تجمعنا في مدينة فرايبورغ من التجمعات التي نشطت بالتحضير لهذا اللقاء حيث شكلت الطروحات التي صيغت خلال اللقاءات التي عُقدت في بيتي شخصياً ، الأساس لورقة العمل التي تم مناقشتها في اللقاء الذي تم في الثامن والعشرين من شهر حزيران لعام 2008 . وبما أن السيدات والسادة من سكنة وسط ألمانيا ، كولون و أسن ، كان لهم نشاطاً ملحوظاً في هذه التحضيرات وبالنظر لتوفر احسن ألإمكانيات في مدينة أسن ولوقوعها في منتصف ألمانيا تقريباً ، فقد تقرر عقد اللقاء في مدينة أسن . لم يوضع جدول أعمال لهذا اللقاء، وهذه هو الخطأ الذي تم إكتشافه بعدئذ . وجرى تبادل الإقتراحات عن طريق الإنترنت والإتصالات الهاتفية . وقبل إنعقاد المؤتمر بفترة قصيرة أخبرني أحد ألزملاء المشاركين في لجنة التحضير للقاء هاتفياً بأنه تم طرح إقتراح يقضي بافتتاح اللقاء بتلاوة من القرآن الكريم ، وأضاف الزميل قائلاً : إنني كنت ضد هذا الإقتراح إلا أن ألأكثرية كانت إلى جانب ذلك . وفي نفس المكالمة هذه أخبرت الزميل بأنني مع أحترامي الشديد للفكرة ، إلا أني اراها في غير محلها لاسيما وإننا نناقش خطأ زج الدين في هذه اللقاءات العراقية الصميمية التي نرغب أن يساهم فيها كل العراقيين دون ان يكون للدين أو القومية أو الطائفة أي دور في هذا الأمر . وأضفت قائلاً إذا تمت الموافقة على هذا الأمر بهذه الصورة فإنني أعتذر من الآن عن الحضور إلى هذا اللقاء . وفي الأيام التالية توالت علي الإتصالات الهاتفية من أكثر من شخص تطالبني بضرورة حضوري إلى لقاء أسن بأي شكل من ألأشكال . وبما أن ممثلنا لدى اللجنة المكلفة للإعداد للقاء أسن في مدينة فرايبورغ السيد عباس البرزنجي كان على إتصال دائم بهذه اللجنة التي أخذ يقود أعمالها السيد مجيد الطائي ، فقد رجوته أن يخبر السيد مجيد الطائي بقراري هذا في حالة ألإصرار على إفتتاح اللقاء بتلاوة من القرآن الكريم . وبالفعل جرى الحديث بين ألإثنين حول هذا الأمر بحيث أبلغني السيد عباس البرزنجي قبل إنعقاد المؤتمر بيوم أو يومين بأن السيد مجيد الطائي يريد حضوري إلى اللقاء وانه سيجد حلاً يرضي الجميع . وقد قال لي السيد البرزنجي أن الحل المقترح هو أن تتضمن كلمة السيد مجيد الطائي الإفتتاحية ، باعتباره المضيف ، أيات من القرآن الكريم تتضمن الدعوة إلى التآلف والمحبة . واتفقنا على هذا ألأساس وبدأ اللقاء في أسن ولم يحدث أي شيئ مما جرى ألإتفاق عليه ، إذ حينما تم الإعلان عن الوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء الوطن ، صدحت السماعات بقراءة سورة الفاتحة التي تلتها وبدون أي فاصل تلاوة قرآنية . ثم بدء المؤتمر اعماله وقد كان لقاء ناجحاً فعلاً من حيث ألإعداد والنقاشات التي جرت فيه ووضع الخطوط العريضة للعمل المستقبلي الذي بدأ يتلكأ الآن مجدداً ، مع ألأسف الشديد. وبعد إنتهاء المؤتمر وعودتي إلى مدينتي كتبت في اوائل الشهر السابع ، أي بعد المؤتمر بأيام قلائل الرسالة التالية إلى السيد مجيد الطائي :

الأخ السيد مجيد الطائي المحترم تحياتي القلبية ، متمنياً لكم دوام الصحة والسعادة اود أولاً أن اشكركم والأخوة الآخرين الذين ساهموا بالإعداد للقاء أسن جزيل الشكر على ما بذلتموه من جهود وأتعاب لإنجاح هذا اللقاء الذي تكلل بالنجاح فعلاً بفضل هذه الجهود الخيرة .

أخي الكريم : أرجو مخلصاً أن تتفهم رسالتي هذه إليك شخصياً ومن خلالك إلى ألأخوة الأعزاء الآخرين من خلال رغبتي الجادة بالحرص على إنجاح اللقاءات القادمة الساعية لخدمة الجالية العراقية وعدم الوقوع في نفس الأخطاء التي وصلت إلى قمتها بما ترتب على لقاء برلين في السابع من الشهر الماضي والذي رفضناه في لقاءنا الأخير في أسن . إنني اعتقد ان من أهم الأسباب التي قادت إلى فشل لقاء برلين هي التوجهات الضيقة التي تحولت بعدئذ إلى تصرفات تنسجم وهذه التوجهات التي إكتنفتها محاولات ربطها بالدين أو بالقومية وهي عن الإثنين بعيدة تماماً . ولذلك فإن الإبتعاد عن إعطاء لقاءاتنا القادمة أية صبغة من هذا النوع قومية كانت أو دينية قد يجعلنا نسلك نفس الطريق الذي سلكه ألآخرون من قبلنا وفشلوا فيه . واستناداً إلى ذلك فإنني طرحت موقفي منذ البداية وقبل لقاء أسن بعدم موافقتي على الإقتراح المطروح بافتتاح اللقاء بقراءة من القرآن الكريم ، لا لشيئ إلا لأنني لا أريد أن يشعر الحاضرون الغير مسلمين أو حتى المسلمون الذين يعارضون ذلك، مهما قل عددهم ، بأنهم يعيشون أجواءً تُفرض عليهم فرضاً . المسألة هنا ليست مسألة أقلية أو أكثرية . المسألة مسألة مشاعر إنسانية يجب احترامها وخلق الجو العراقي المتعدد الأوجه في مثل هذه اللقاءات وتفعيله ضمن الهوية العراقية فقط لا غير . أرجو أن تعلم أيها ألأخ العزيز بأنني حينما أطرح هذا الطرح أنطلق فعلاً من وجوب تعاملنا مع الأحداث تعاملاً واقعياً بعيداً عن التشنج . لقد جاءت قراءة القرآن الكريم في اللقاء دون ان يكون هناك ما ينص عليها في جدول العمل المقترح وخلافاً لما تم الإتفاق عليه بينك وبين الأخ عباس برزنجي بأن كلمتك ستتضمن آيات قرآنية تحث على التآخي والتضامن . لقد كان هذا الحل جيداً لو تم تطبيقه ، إلا أن الأمور جرت باتباع سياسة وضع الآخرين امام الأمر الواقع ، هذه السياسة التي أوجه إنتقادي لها هنا راجياً عدم تكرراها في المستقبل .

ولزيادة الإيضاح في موقفي هذا لا يسعني إلا أن ابين لكم بأنني اعتقد إعتقاداً جازماً بأن هذا الموقف ، أي عدم زج الدين في أمور كهذه ، أو إعطاء أي لقاء صبغة قومية أو دينية معينة ، هو الموقف الذي يعبر عن المحتوى الحقيقي للتعاليم الإسلامية التي نص عليها القرآن الكريم والتي تدعو إلى عدم إكراه الآخرين ، إذ لا إكراه في الدين . وإعطاء الإنسان الحرية الكاملة باختيار ما يتدين أو لا يتدين به ، من شاء فاليؤمن ومن شاء فاليكفر. ورفض الوصاية على الآخرين ، وما انت عليهم بوكيل....وغير ذلك من النصوص القرآنية التي ترفض كل ما يتنافى مع حرية الشخص في علاقته بدينه ومع الأديان السماوية الأخرى التي لا فرق بين رسلها جميعاً كما نصت على ذلك الآية الكريمة 136 من سورة البقرة .

لذلك فإن مسألة فرض موقف معين أو دين معين أو قناعة معينة على الآخرين لا يتناسب وما نتبناه ونحاول تطبيقه في لقاءاتنا كعراقيين لا غير، لا تجمعنا إلا هذه الراية التي جمعتنا منذ آلاف السنين ، راية العراق ، راية الوطن الذي هو لنا جميعاً دون النظر إلى الأقلية أو ألأكثرية في هذا الجانب أو ذاك . وانطلاقاً من الحرص على إحترام الإنسان وحقوقه وحريته والدفاع عن كل ذلك بإيمان راسخ .

أرجو أن لا أكون قد أطلت عليك أو ازعجتك في رسالتي هذه ، سيما وأنت لا زلت متعباً من الإعداد للقاء ، هذا الجهد النبيل الذي اشكرك عليه مجدداً متمنياً لك الصحة والراحة ، وتقبل مودتي


د. صادق إطيمش


طبعاً لم أتلق أي رد أو تعليق على هذه الرسالة من السيد الطائي، كما انها لم تدرج ضمن البريد المتداول عبر ألإيميل للمشاركين في لقاء أسن، كما جرت العادة . لم يزعجني ذلك حقاً لذلك فإنني لم أحاول التطرق إلى هذه الرسالة مرة أخرى واعتبرت ان الموضوع قد إنتهى في وقته . أما ان يثير السيد الطائي هذا ألأمر مرة أخرى وبقصد الإساءة لي وذلك حينما لا يذكر الحقيقة كاملة ، فهذا أمر لم أكن أتوقعه منه حقاً ، وهو الإنسان الذي يحاول المحافظة على قناعاته الدينية التي يريدها أن تكون منطلقاً للحوار والتسامح والمحبة .

ألأمر الآخر الذي أوجه به عتبي إلى السيد الطائي هو عدم إرساله هذا الموضوع لي بصورة مباشرة ،وأنا المعني الرئيسي به ، وهو يعلم تماماً بعنواني الذي أرسل لي على اساسه عدة رسائل . لقد جعلني استلم هذا الموضوع عبر شخص لا علاقة لي به، أرجو أن لا يكون وراء ذلك اي سبب جدي ، وأرجو للسيد مجيد الطائي الصحة والسعادة.

 

free web counter