| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الأثنين 30/11/ 2009



الحملة الإنتخابية الجديدة......ما العمل ؟

د. صادق إطيمش

أجواء الحملة ألإنتخابية الجديدة إرتبطت بإستمرار بروز بقايا ألإستقطابات القديمة على الشارع العراقي مجددآ وأخذت صورآ وأشكالآ تبدو جديدة هذه المرة ، وذلك من خلال إبتعادها عن التوظيف المباشر للدين كما حدث في الدعاية لقائمة الخمسات السيئة الصيت . وكم كنا نتمنى زوال مثل هذه الطروحات نهائياً والتي أخذت تركز اليوم على الحاجة المعاشية لبعض المواطنين . لقد تمنينا العودة إلى ذلك الجو السياسي العراقي الذي عشناه لعقود خلت , حيث كانت الطروحات المنطلقة من أسس برامج سياسية تبلورت عبر نضال أحزاب سياسية لم تقتصر على شريحة إجتماعية بعينها أو طائفة دينية بذاتها . ومن هذه ألأحزاب والقوى السياسية مَن إتخذ الطابع القومي فصار يضع برامج وأفكارآ سياسية تصب في هذا التوجه الذي إعتبره الطريق ألأصوب لتحقيق الطموحات القومية التي يمثلها. ومنها من إتخذ التوجه الوطني العام الذي لم يلعب فيه الفرز القومي دورآ أساسيآ كذاك الذي يلعبه ألإنتماء الوطني . وهكذا توَزَع الفكر السياسي بين هذه القوى التي جعلت من البرنامج السياسي وسيلة لخوض سوح النضال وسبيلآ لتحقيق الطموحات التي كانت تحظى بقناعة وتأييد الجماهير المنضوية تحت رايات هذه ألأحزاب أو المؤيدة لها والتي كانت مدار نقاشات وحوارات تهدأ أحيانآ وتتوتر أخرى وذلك حسب ما يمليه تطور الوضع السياسي العام في الوطن .

الظاهرة الجديدة التي إتسمت بها الساحة السياسية العراقية مؤخرآ وبعد سقوط البعثفاشية وبعد مزاولة أكثر من عملية إنتخابية واستفتاء ، تختلف تمامآ عن تلك لتي كنا نعرفها قبل عقود مضت والتي وسمت تاريخ العراق السياسي الحديث . الساحة السياسية العراقية اليوم لا زالت مصابة بفقر الدم الوطني وما يتمخض عنه من الفقر في الطرح السياسي الحقيقي الذي يتبلور من خلال السجال المبدأي والحوار الهادف الذي يمكن أن يقال عنه بأنه يصب في مجرى التوجه الوطني ويمثل الهوية العراقية الحقة . وكثيراً ما نرى ونعيش اليوم على الساحة السياسية العراقية تلك المزاعم التي يبثها أقطاب العاملين في هذا ألإتجاه الطائفي أو القومي المتطرف أو العشائري والمناطقي ومن يتجه إلى تشجيعه وإستمراره إلى وصف هذه الحالة بأنها ليست حالة نضال سياسي وإنما حالة النضال من أجل إثبات الهوية التي فُقدت طيلة فترة الحكم الدكتاتوري المقبور ويجري السعي لإستردادها وتثبيتها ألآن . إنه منطق عجيب فعلآ ذلك الذي يتجاهل هويته الوطنية العراقية الأساسية التي تشكل أساس وجوده وإنتماءه محليآ وقوميآ وعالميآ ليفتش عن هوية ثانوية يريد بها إثبات وجوده . فماذا تغير في ألأمر يا ترى.....؟ وكيف وصلت ألأمور إلى هذا الحد الذي جعل المواطن العراقي يضع إنتماءه الوطني على الرف أو يصنفه في المرتبة الثانية أو الثالثة على أحسن تقدير ليفصح عن هويته إستنادآ إلى أنتماءه الطائفي أو المذهبي أو القومي أو العشائري....؟

تبلورت هذه الظاهرة بعد تحرير العراق من البعثفاشية بشكل أكثر وضوحآ وصراحة مما كانت عليه أثناء الحكم الدكتاتوري الدموي بالعراق . وجرى ألإستقطاب على أساس ألإنتماء الطائفي الذي أخذ يتمحور ضمن تجمعات وأحزاب دينية سوقت الدين كبضاعة تباع وتشترى في سوق السياسة وجعلت منه ألإنتماء البديل الذي ترك الإنتماء العراقي لمسافات بعيدة وراءه متجاهلآ , بإسم الهوية الجديدة , كل ما يعزز الإشارة إلى الهوية الوطنية بإعتبارها هوية التعريف ألأساسية والأولى لكل من ينتمي إلى هذا الوطن , إلى العراق .

صحيح أن الديمقراطية في وطننا العراق لا زالت تخطو خطواتها ألأولى ببطء وحذر يصيبه التلكؤ أحيانآ , وصحيح أيضاً بان الإرهاب والإرهابين القتلة من بقايا البعثفاشية والعصابات الإرهابية الدينية تحاول جهدها وضع العصي في عجلة التطور الديمقراطي الذي يسعى إليه شعبنا العراقي ، وصحيح أن الوعي الديمقراطي لا زال يحبو ويحتاج إلى وقت طويل نوعآ ما ليقف على قدميه , وصحيح أن هناك أزمة ثقة نشأت على مر الزمن بين السلطة والشعب بلورتها العهود التي وضعت هوة , سحيقة أحيانآ, بين القائمين على أمور البلد وبين الرعية التي لم تجد بين هؤلاء من يمثل الجماهير المعدمة حقآ وحقيقة وإن ألأمر يحتاج إلى فترة زمنية طويلة لخلق هذه الثقة وتفعيلها على كافة ألأنشطة . وصحيح أيضاً بروز عوامل الشك والريبة بين القوى السياسية القائمة على توجيه السياسة اليومية . إلا أن كل هذه المحبطات للعملية الديمقراطية في وطننا العراق يجب أن لا تقف عائقآ أمام طَرْق السبل المؤدية إلى تجاوز مثل هذه العراقيل وإزالتها شيئآ فشيئآ عن المسار الديمقراطي الذي يجب أن يتضح ويتبلور بشكل إيجابي كل يوم . ومن الواضح جداً أن الأحزاب التي إلتحفت بالدين قد ساهمت بشكل بارز ومؤثر في تعميق هذا التوجه الذي عرقل المسيرة لتعميق النهج الديمقراطي . هذا لا يعني طبعاً تبرئة ساحة الأحزاب والتجمعات الأخرى من السقوط في هذه الهاوية أيضاً، إلا أننانعتقد بان الإسلام السياسي له قصب السبق في ذلك .

كافة الدلائل التي يعيشها المواطن على الساحة السياسية العراقية تؤكد ذلك من خلال المعايشات اليومية لتصرفات الإسلام السياسي ونشاطه العلني والسري . وحينما نتكلم هنا عن ألأحزاب الدينية التي تمثل الإسلام السياسي هذا ، نرجو أن لا يلجأ بعض القائمين على هذه ألأحزاب , كعادتهم في مثل هذه المواقف , بإشهار سيف الدين فيسوقون المواقف ضد توجهاتهم الطائفية وحذلقاتهم المذهبية وكأنها ضد الدين نفسه جاعلين , بتخريجاتهم الفكرية القروأوسطية , مِن المتصدين لفكرهم السياسي كفرة ملحدين لا دين لهم .

إن موقف العداء للطائفية ونبذها تحت أي غطاء جاءت به ينبغي فهمه , على عكس ما يدعيه السياسيون الذين نصبوا أنفسهم وكلاء على الدين , على أنه موقف يدعو لتحرير ألأسس الدينية الصحيحة والتعاليم الدينية القويمة من خزعبلات إستغلالها من قِبل ألإسلام السياسي الساعي إلى تسييس الدين أو تدّيُن السياسة , وهو يعمل في الحالتين على لي عنق الدين وتعاليمه المبدئية الثابته بجعلها تنسجم وطروحاته السياسية المتغيرة يوميآ تبعآ لتغير الوضع السياسي والمواقف الناتجة عنه.

وطننا العراق بحاجة اليوم إلى تعاليم ألإسلام المبنية على التسامح والأخاء والمحبة بين أهله , وإلى معاملة الغير بالتي هي أحسن والعمل على تفعيل البر والإحسان ونبذ الظلم والتسلط والإكراه والعدوان وإحترام رأي ألآخرين بإختيار الطريق الذي يقتنعون به لتنظيم علاقتهم من خلاله مع خالقهم , إذ أنه طريق شخصي بحت لا دخل لأي أحد آخر فيه بقدر ما يتعلق بالموعظة الحسنة , إذ لا حق لأحد أن يكون وكيلآ على ألآخرين في أمور الدين , وقد كان القرآن الكريم صريحآ بذلك حينما خاطب النبي الكريم محمد (ص) قائلآ : وما أنت عليهم بوكيل , لا إكراه في الدين , لنا أعمالنا ولكم أعمالكم , ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر, ولا تزر وازرة وزر أخرى , أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين..... هذه التعاليم الدينية والمبادئ الثابتة حوَّلها ألإسلام السياسي إلى بضائع تباع وتشترى في سوق السياسة بحيث يتغير عرضها حسب تغير الميزان السياسي وإستغلالها لتحقيق هذا المكسب الدنيوي أو ذاك . وتجاهلتها تمامآ عصابات كانت حتى الأمس القريب تجوب الشوارع رافعة مصاحف عمر بن العاص لتقتل هذا وتعتدي على ذاك بإسم دينهم الذي يدعون إليه وليس دين المبادئ والقيم أعلاه .
ألإسلام السياسي هذا سوف لا يحقق ما كانت تصبو إليه الجماهير بعد تخلصها من البعثفاشية المقيتة التي إضطهدتها لأربعة عقود من الزمن . ألإسلام السياسي هذا الذي جعل من الدين الواحد طوائف متناحرة متقاتلة كل منها يدعي الحق إلى جانبه ففرط بالمبادئ الدينية الحقة وألغى بذلك القاعدة ألإسلامية الداعية إلى التمسك بحبل ألله والنابذة للتفرقة . فكيف يستطيع ألإسلام السياسي إذن أن يوفق بين نصوص الدين التي تدعو إلى ألإلفة والمحبة والتسامح والتعاون وبين النتائج التي أوصل المجتمع إليها والمتمثلة بالفرقة والتناحر والإقتتال من خلال تسييسه للدين.....؟

وطننا العراق ليس بحاجة إلى ألإسلام السياسي الذي كرس الطائفية ووسع الهوة بين أتباع الدين الواحد . إن وطننا بحاجة إلى مَن يعيد الولاء للوطن قبل غيره , والوئام والعمل المشترك بين أهل البيت العراقي لإعادة بناء هذا البيت الذي خربته حروب البعثفاشية وسنين حكمها الدموي القمعي . لذلك فإن الواجب الوطني الذي يقع على عاتق كل مَن يعمل على إنتشال الوطن من أدران أدعياء ألإسلام السياسي ، ومَن يريد إنقاذ الدين من خزعبلاتهم وفتاواهم ، ومَن يعمل على تعميق النهج الديمقراطي التحرري الذي يهيئ لنا الدرب للسير مع ركب الإنسانية المتحضرة ، علينا جميعاً أن نعي وبكل جدية أهمية الإنتخابات القادمة لنجعلها تعكس إرادة الشعب حقاً وحقيقة وتلبي طموحاته من خلال نواب يمثلونه ويتكلمون باسمه لا من خلال كثير من الطناطل التي إحتلت المجلس النيابي لعدد من السنين ولم يكن همها إلا العراك على رواتبها ومخصصاتها وامتيازاتها وتأمين رواتبها التقاعدية العالية مدى الحياة وتأسيس شركات المقاولات والإبتزاز الحقيقية والوهمية لزيادة ثرائها الذي صار أكثر من الفاحش والكثير الكثير من سيئاتها طيلة هذه السنين

لقد صدق المصلح ألإجتماعي الكبير ورجل الدين المتواضع محمد عبده حينما أبدى أكثر خوفه على الدين من أقوام ترتدي العمائم . لقد كان ذلك قبل عقود كثيرة , فهل نشارك المصلح الكبير تخوفه هذا في هذه ألأيام أيضآ ، فيصرخ كل منا بما صرخ به محمد عبده قائلاً :

ولكن ديناً قد أردت صلاحه      أُحاذر أن تقضي عليه العمائم
 

 

free web counter