| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الجمعة 30/12/ 2005

 

 

 

الإنتخابات وما تلاها....
 


الدكتور صادق إطيمش

أجواء الحملة ألإنتخابية والنتائج لتي تمخضت عنها إرتبطت بإستمرار بروز ألإستقطابات القديمة على الشارع العراقي مجددآ وأخذت صورآ وأشكالآ كنا نتمنى زوالها بعد الإنتخابات ليعود ذلك الجو السياسي العراقي الذي عشناه لعقود خلت , حيث كانت الطروحات المنطلقة من أسس برامج ساسية تبلورت عبر نضال أحزاب سياسية لم تقتصر على شريحة إجتماعية بعينها أو طائفة دينية بذاتها . ومن هذه ألأحزاب والقوى السياسية من إتخذ الطابع القومي فصار يضع برامج وأفكارآ سياسية تصب في هذا التوجه الذي إعتبره الطريق ألأصوب لتحقيق طموحات القومية التي يمثلها . ومنها من إتخذ التوجه الوطني العام الذي لم يلعب فيه الفرز القومي دورآ أساسيآ كذاك الذي يلعبه ألإنتماء الوطني . وهكذا توَزَع الفكر السياسي بين هذه القوى التي جعلت من البرنامج السياسي وسيلة لخوض سوح النضال وسبيلآ لتحقيق الطموحات التي كانت تحظى بقناعة وتأييد الجماهير المنضوية تحت رايات هذه ألأحزاب أو المؤيدة لها والتي كانت مدار نقاشات وحوارات تهدأ أحيانآ وتتوتر أخرى وذلك حسب ما يمليه تطور الوضع السياسي العام في الوطن .

الظاهرة الجديدة التي إتسمت بها الساحة السياسية العراقية مؤخرآ تختلف تمامآ عن تلك لتي كنا نعرفها قبل عقود مضت والتي وسمت تاريخ العراق السياسي الحديث . الساحة السياسية العراقية اليوم مصابة بفقر الدم الوطني وما يتمخض عنه من الفقر في الطرح السياسي المتمثل بالسجال المبدأي والحوار الهادف الذي يمكن أن يقال عنه بأنه يصب في مجرى التوجه الوطني ويمثل الهوية العراقية الحقة . وقد تطرق صراحة أحد العاملين في هذا ألإتجاه ومن يتجه إلى تشجيعه وإستمراره إلى وصف هذه الحالة بأنها ليست حالة نضال سياسي وإنما حالة النضال من أجل إثبات الهوية التي فُقدت طيلة فترة الحكم المقبور ويجري السعي لإستردادها وتثبيتها ألآن . إنه منطق عجيب فعلآ ذلك الذي يتجاهل هويته الوطنية العراقية الأساسية التي تشكل أساس وجوده وإنتماءه محليآ وقوميآ وعالميآ ليفتش عن هوية ثانوية يريد بها إثبات وجوده . فماذا تغير في ألأمر يا ترى.....؟ وكيف وصلت ألأمور إلى هذا الحد الذي جعل المواطن العراقي يضع إنتماءه الوطني على الرف أو يصنفه في المرتبة الثانية أو الثالثة على أحسن تقدير ليفصح عن هويته إستنادآ إلى أنتماءه الطائفي أو المذهبي....؟

تبلورت هذه الظاهرة بعد تحرير العراق من البعثفاشية بشكل أكثر وضوحآ وصراحة مما كانت عليه أثناء الحكم الدكتاتوري الدموي بالعراق . وجرى ألإستقطاب على أساس ألإنتماء الطائفي الذي أخذ يتمحور ضمن تجمعات وأحزاب دينية سوقت الدين كبضاعة تباع وتشترى في سوق السياسة وجعلت منه ألإنتماء البديل الذي ترك الإنتماء العراقي لمسافات بعيدة وراءه متجاهلآ , بإسم الهوية الجديدة , كل ما يعزز الإشارة إلى الهوية الوطنية بإعتبارها هوية التعريف ألأساسية والأولى لكل من ينتمي إلى هذا الوطن , إلى العراق .
لقد أكد هذا التوجه النقاش الدائر ألآن حول نتائج الإنتخابات العراقية الأخيرة حيث برزت الأحزاب الدينية جميعآ ومن مختلف الإنتماءات المذهبية إلى الساحة لتنظر لفوزها أوعدم فوزها إستنادآ إلى الفرز الطائفي والإنتماء المذهبي الذي تبنته في حملتها ألإنتخابية , وإعتمادآ على الدعاية التي رافقت هذه الحملة بتصوير صوت الناخب العراقي من كونه لا يُمنح لحزب سياسي قدر ما يُمنح لرمز ديني , أو أن الصوت لا يساهم ببناء الوطن قدر ما يساهم بتحديد العقاب أو الثواب الرباني أو أن الصوت ألإنتخابي لا قيمة له ولا ثقة فيه قبل أن يقسم صاحبه قَسمآ د ينيآ على منحه للجهة التي هيأت مستلزمات أداء هذا القَسم في مخيمات خاصة نُصبت لهذا الغرض . هذا , على ألأقل , بعض ما وصلنا من شهود عيان ثقة رافقوا الدعاية ألإنتخابية والممارسة ألإنتخابية التي كنا نريدها أن تحاكي , ولو ببعض مفاصلها المهمة , ما وصلت إليه الديمقراطيات الحديثة العهد أيضآ في مثل هذه الممارسات والتي قامت أيضآ على أنقاض أنظمة شوفينية دكتاتورية كالنظام البعثفاشي المقبور بالعراق .

صحيح أن الديمقراطية في وطننا العراق لا زالت تخطو خطواتها ألأولى ببطء وحذر يصيبه التلكؤ أحيانآ , وصحيح أن الوعي الديمقراطي لا زال يحبو ويحتاج إلى وقت طويل نوعآ ما ليقف على قدميه , وصحيح أن هناك أزمة ثقة نشأت على مر الزمن بين السلطة والشعب بلورتها العهود التي وضعت هوة , سحيقة أحيانآ, بين القائمين على أمور البلد وبين الرعية التي لم تجد بين هؤلاء من يمثل الجماهير المعدمة حقآ وحقيقة وإن ألأمر يحتاج إلى فترة زمنية طويلة لخلق هذه الثقة وتفعيلها على كافة ألأنشطة . إلا أن كل هذه المحبطات للعملية الديمقراطية في وطننا العراق يجب أن لا تقف عائقآ أمام طرق السبل المؤدية إلى تجاوز مثل هذه العراقيل وإزالتها شيئآ فشيئآ عن المسار الديمقراطي الذي يجب أن يتضح ويتبلور بشكل إيجابي كل يوم . فهل سلكت ألأحزاب الدينية العراقية هذا الطريق وعملت على تعميق النهج الديمقراطي.....؟ كافة الدلائل التي يعيشها المواطن على الساحة السياسية العراقية تجيب على هذا السؤال بالنفي . وحينما نتكلم هنا عن ألأحزاب الدينية نرجو أن لا يلجأ بعض القائمين على هذه ألأحزاب , كعادتهم في مثل هذه المواقف , بإشهار سيف الدين فيسوقون المواقف ضد توجهاتهم الطائفية وحذلقاتهم المذهبية وكأنها ضد الدين نفسه جاعلين , بتخريجاتهم الفكرية القروأوسطية , مِن المتصدين لفكرهم السياسي كفرة ملحدين لا دين لهم .

إن موقف العداء للطائفية ونبذها تحت أي غطاء جاءت به ينبغي فهمه , على عكس ما يدعيه السياسيون الذين نصبوا أنفسهم وكلاء على الدين , على أنه موقف يدعو لتحرير ألأسس الدينية الصحيحة والتعاليم الدينية القويمة من خزعبلات إستغلالها من قِبل ألإسلام السياسي الساعي إلى تسييس الدين أو تدّيُن السياسة , وهو يعمل في الحالتين على لي عنق الدين وتعاليمه المبدئية الثابته بجعلها تنسجم وطروحاته السياسية المتغيرة يوميآ تبعآ لتغير الوضع السياسي والمواقف الناتجة عنه.

وطننا العراق بحاجة اليوم إلى تعاليم ألإسلام المبنية على التسامح والأخاء والمحبة بين أهله , وإلى معاملة الغير بالتي هي أحسن والعمل على تفعيل البر والإحسان ونبذ الظلم والتسلط والإكراه والعدوان وإحترام رأي ألآخرين بإختيار الطريق الذي يقتنعون به لتنظيم علاقتهم من خلاله مع خالقهم , إذ أنه طريق شخصي بحت لا دخل لأي أحد آخر فيه بقدر ما يتعلق بالموعظة الحسنة , إذ لا حق لأحد أن يكون وكيلآ على ألآخرين في أمور الدين , وقد كان القرآن الكريم صريحآ بذلك حينما خاطب النبي الكريم (ص) قائلآ : وما أنت عليهم بوكيل , لا إكراه في الدين , لنا أعمالنا ولكم أعمالكم , ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر, ولا تزر وازرة وزر أخرى , أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين..... هذه التعاليم الدينية والمبادئ الثابتة حوَّلها ألإسلام السياسي إلى بضائع تباع وتشترى في سوق السياسة بحيث يتغير عرضها حسب تغير الميزان السياسي وإستغلالها لتحقيق هذا المكسب الدنيوي أو ذاك . وتجاهلتها تمامآ عصابات تجوب الشوارع رافعة مصاحف عمر بن العاص لتقتل هذا وتعتدي على ذاك بإسم دينهم الذي يدعون إليه وليس دين المبادئ والقيم أعلاه .
ألإسلام السياسي هذا سوف لا يحقق ما كانت تصبو إليه الجماهير بعد تخلصها من البعثفاشية المقيتة التي إضطهدتها لأربعة عقود من الزمن . ألإسلام السياسي هذا الذي جعل من الدين الواحد طوائف متناحرة متقاتلة كل منها يدعي الحق إلى جانبه ففرط بالمبادئ الدينية الحقة وألغى بذلك القاعدة ألإسلامية الداعية إلى التمسك بحبل ألله والنابذة للتفرقة . فكيف يستطيع ألإسلام السياسي إذن أن يوفق بين نصوص الدين التي تدعو إلى ألإلفة والمحبة والتسامح والتعاون وبين النتائج التي أوصل المجتمع إليها والمتمثلة بالفرقة والتناحر والإقتتال من خلال تسييسه للدين.....؟

وطننا العراق ليس بحاجة إلى ألإسلام السياسي الذي كرس الطائفية ووسع الهوة بين أتباع الدين الواحد . إن وطننا بحاجة إلى من يعيد الولاء للوطن قبل غيره , والوئام والعمل المشترك بين أهل البيت العراقي لإعادة بناء هذا البيت الذي خربته حروب البعثفاشية وسنين حكمها الدموي القمعي . إن وطننا بحاجة إلى من يوقف العصابات المسلحة التي تطوف الشوارع, كما كانت تفعله العصابات البعثفاشية, لتقتل وتحرق وتُشرد بإسم هذه الطائفة الدينية أو تلك وكل يدعي الوصل ألأكثر بالدين وشيوخ الإسلام السياسي لهذه الطوائف تتفرج , ونستغفر ألله من الظن بإنها تستنكر هذه الأعمال جهرآ وتباركها سرآ .

لقد صدق المصلح ألإجتماعي الكبير ورجل لدين المتواضع محمد عبده حينما أبدى أكثر خوفه على الدين من أقوام ترتدي العمائم . لقد كان ذلك قبل عقود كثيرة , فهل نشارك المصلح الكبير تخوفه هذا في هذه ألأيام أيضآ........؟