| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الأثنين 29/3/ 2010



آذار الوطن ....آذار الحب

د. صادق إطيمش

الظروف التي تمر بها أعياد آذار في وطننا لهذا العام لا يمكن وصفها كمثيلاتها في السنين الخوالي . فعيد المرأة العالمي قد مرّ على وطننا وقد خرج لتوه من المساجلات الإنتخابية بين القوى السياسية المختلفة التي خاضت الإنتخابات البر لمانية الأخيرة والتي يمكن وصفها بأنها قد جرت بصورة أقرب ما تكون إلى الطبيعية منها إلى العكس من ذلك الذي راهن البعض عليه فيما يتعلق بالإنفلات الأمني وبسعير الشارع العراقي وسيادة العنف في الدعايات الإنتخابية التي لم تشهد مثل هذه المواقف . وهذا ما يدعو إلى الفرح والبهجة رغم كل المساوئ التي رافقت هذه الإنتخابات والتي جاء بها البعض الذي لا يزال لم يفقه لغة القانون ولم يتعلم مبادئ العمل الديمقراطي بعد . إلا أن زوال ذلك سيكون مسألة وقت لا أكثر إذا ما جرى التصميم على السير في طريق الديمقراطية ونبذ العنف وتبني تحقيق ألأهداف الحقيقية لمجتمعنا العراقي لا للأحزاب والتجمعات ذات الهويات المتنكرة للهوية العراقية كهوية أساسية . وضمن هذه الأجواء جرى الإحتفال بعيد المرأة العالمي بالإرتباط مع بعض المؤشرات التي رافقت العملية الإنتخابية والتي يمكن ان يُكتب لها النجاح في المستقبل إذا ما أزالت عن طريقها ترسبات بعض العقول التي تلهج بالديمقراطية دون قناعة أصيلة بها ، لا بل حتى ودون فهمها أحياناً ، لذلك تعمل على تشويهها من خلال تشويه الممارسات الديمقراطية الحقة . إن نجاح التجربة الديمقراطية كتجربة خاضها الشعب العراقي بحد ذاتها دون النظر بعين ثاقبة فاحصة إلى سيئات المسيئين وعدم إعطاءها ذلك الوزن الذي قد يشكل خللاً على التوجه الديمقراطي بشكل عام ، يرتبط بشكل أساسي بمدى الوعي الذي تكتسبه هذه التجربة على الشارع العراقي الذي يبتعد اليوم بمسافات بعيدة عن هذا الوعي الذي حرمته منه البعثفاشية المقيتة خلال حكمها الجائر للعقود الأربعة الماضية من تاريخه.

وحلت علينا أعياد نوروز لهذا العام وكنا نأمل قبل حلولها بأن يكون الشعب العراقي قد جنى أول ثمار الممارسة الإنتخابية التي ساهم فيها بنسبة تقع ضمن النسب المعقولة والمقبولة على النطاق العالمي . إلا أن هذا الحصاد لم يكتمل حتى أثناء حلول عيد النوروز الذي أردنا له أن يكون عيدين لا عيد واحد ، عيد الربيع وعيد الديمقراطية ، إلا أن الإحتفال بعيد نوروز ظل وحيداً دون ان تعانقه قبلات الديمقراطية التي ظلت بعيدة عنه تأن تحت وطأة التلكؤ والتلاعب والشكاوى وعدم الكفاءة التي مورست أثناء العملية الإنتخابية وبعدها أيضاً.إلا أن عمق نوروز في الوجدان العراقي جعل من الإحتفال به كعرس وطني لكل أطيافه ، إذ أن الكل يجد فيه مناسبة للإحتفال حتى أصبح هذا العيد عيداً وطنياً حقاً . لقد كان من الطبيعي جداً أن تمر نسائم هذا العيد على شعبنا في كوردستان بشكل أقوى وأرق أيضاً عما هو عليه في بقية مناطق العراق . فالشعب الكوردي يضع هذا العيد ضمن تقيماته الوطنية والقومية التي ظل ولا زال الشعب الكوردي على عموم ذرى كوردستان يناضل من أجل تحقيقها .

وتحت هذه الأجواء أيضاً يطل علينا العيد الذي داعب ولا زال يداعب ذاكرة العراق وذكريات العراقيين منذ ست وسبعين عاماً ، عيد الحادي والثلاثين من آذار ، عيد الإعلان الرسمي عن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 .

لم تكن مشاركة الحزب الشيوعي العراقي والقوى المؤتلفة معه في جولة الإنتخابات في السابع من آذار الحالي إلا قناعته بقدرته على تحمل المهمة في سبيل تحقيق الأهداف التي يرغب الشعب العراقي بتحقيقها ، خاصة بعد زوال البعثفاشية المقيتة التي جثمت على صدره لمدة أربعة عقود من الزمن . ربما يعتبره البعض نوعاً من التحدي ، وهو التحدي بذاته بالفعل . إلا ان مفهوم هذا التحدي ليس نابعاً من قياسات القوة والضعف العددي او كثافة التواجد المكاني أو حتى ما لجأ إليه البعض في مفهومه للتحدي إنطلاقاً من تبني العنف. لا ليس هذا ولا ذاك ، بل إنه التحدي الذي يراهن على إستمرار التمسك والإرتباط بالهوية الوطنية العراقية مهما تعددت حوله الهويات وكثرت الإنتماءات وتشعبت الولاءات ، ومهما عاب عليه البعض ذلك حينما لجأ هذا البعض إلى تغليب الهويات الجانبية الأخرى على الهوية العراقية . التحدي الذي لا يسعى فقط إلى التأثير على مجرى العملية السياسية الديمقراطية الجارية في وطننا اليوم ، بل وإلى إعطاء هذه المسيرة الطابع الذي يليق بها من خلال طبيعة ممارستها والتمسك بمحتواها رغم القهر والدكتاتورية التي حرَّمت مثل هذه الممارسات بحيث أن الأجيال التي ولدت وترعرعت وشبت في كنف القمع الدكتاتوري البعثفاشي لم تعي أبسط مفردات هذه المسيرة الديمقراطية التي بدأت تتدرب على ممارساتها ، بالرغم من نواقصها ، في السنين التي تلت سقوط الدكتاتورية. التحدي المنبثق من ألإيمان الكامل بقانون االتغيير الذي قال عنه الفلاسفة اليونانيون إنه القانون الوحيد الغير قابل للتغيير . وكثيرة اخرى هي المواقف التي وضعت الحزب الشيوعي العراقي في مختبرات تحليلها التي تأتي بالجديد المتغير في كل مرة ليضيف ذلك إلى ثرائه الفكري وعطاءه الثوري المؤمن بمسيرة التاريخ . فالأجواء الإنتخابية التي يعيشها الحزب الشيوعي العراقي في أيام عيده السادس والسبعين هذه والتي لم تأت نتائجها الرسمية مطابقة لما سجلته النشاطات الإنتخابية التي قام بها ، هذه الأجواء لا يمكنها ان تقف أمام التأكيد على أهمية هذا الإحتفال وعِظم هذه الذكرى وأهمية أن تكون على أرض العراق الذي لم يخل تاريخه الحديث في كل صفحاته من بصمات الحزب الشيوعي العراقي شاء الحاقدون عليه أم أبوا . إن الإحتفال بوليد الربيع الذي لا يفارق القلوب حتى مع هذه الأجواء هو إحتفال ليس بنتائج الإنتخابات ، بل بالحقيقة التي تؤكد بأن الممارسة الإنتخابية أصبحت من ركائز السياسة العراقية والتي لا يمكن ان يتنكر لها أي سياسي في المستقبل وهي التي ستحدد طبيعة ووديمومة مسيرة هذا الحزب السياسي أو ذاك . إن لإحتفال بهذا الإنجاز الذي تبناه الشعب العراقي سيكشف بكل تأكيد ، ومهما طال الزمن ، أكاذيب الذين يدّعون تبني الديمقراطية اليوم لأنها تلبي لهم بعض ما يريدون تحقيقه ، لينقلبوا عليها غداً إذا ما جرت الريح الديمقراطية بما لا تشتهيه سفنهم الآيلة إلى الغريق حتماً . وبغض النظر عن الربح والخسارة في هذه الإنتخابات فإن الإحتفال بآخر عيد من سلسلة أعياد الربيع هذه ، ألإحتفال بعيد الميلاد السادس والسبعين للحزب الشيوعي العراقي هو إحتفال بحب الخضرة والربيع الذي أبى آذار ان يغادر اهله قبل ان يجعل آخر يوم من أيامه ، من الحادي والثلاثين منه، يوماً تصدح فيه موسيقى النهرين الخالدين معلنة عن وليد آذار ومبشرة به من خلال الزغاريد التي صدحت ولا زالت تصدح بها ربابة راعي الجنوب ليردد صداها ناي فلاح كوردستان ، ولتظل هذه الزغاريد وليظل صداها معلناً عن النشيد الوطني العراقي الذي يعانق وجود العراق دوماً .





 

free web counter