| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الخميس 28/1/ 2010



بضاعة الدين بين العرض والطلب في سوق الدعاية الإنتخابية
(2)

د. صادق إطيمش

للإجابة على السؤال الأول الذي طرحناه في القسم الأول من هذا الحديث والمتعلق بالوِجهَة التي تقودنا إليها التجارة بالدين إذا ما مورست هذه التجارة فعلاً في الإنتخابات البرلمانية القادمة في السابع من آذار القادم ، نقول بإن هذه الوجهة سوف لن تكون بأحسن من سابقتها التي يعيش تبعاتها وطننا وأهلنا منذ سبع سنين إن لم تكن أسوأ منها . فتجارب السنين الماضيات ، بالرغم من كثير من ألإيجابيات التي تحققت فيها وأولها القضاء على التسلط البعثفاشي الوحشي والقضاء على نظامه ، إلا أنها إرتبطت ايضاً بخيبة الأمل التي رافقتها والتي إتسمت بالمآسي التي مرَّ ولا يزال يمر بها وطننا لحد الآن . إن خيبة الأمل هذه أصبحت تتفاقم بمرور الزمن على العملية السياسية التي أراد العراقيون لها ان تشمخ عالياً في أجواء الديمقراطية والوحدة الوطنية والرفاه الإجتماعي ، وإن الأصوات التي كانت تستنهض الهمم لإسناد هذه العملية السياسية والإرتقاء بها نحو الأفضل أصبحت تخفت تدريجياً ويقل أصحابها الذين وجدوا أن ما يدافعون عنه من منجزات أصبح يتلاشى يوماً بعد يوم ولا ينمو ذلك النمو الإنفجاري الذي كانوا يتوقعونه ويحسبون له ألف حساب في نقل وطننا ومستوى حياة أهلنا فيه إلى ذلك المستوى الذي يستحقه هذا الوطن وأهله بكل جدارة والذي يسير بالوطن ضمن مسيرة البشرية المتطورة دوماً في حياتها ولا يعود به إلى عقود من الزمن إلى الوراء. وهذا يعني إن إستمرار التجارة بالدين على الساحة السياسية العراقية ومن خلال إستغلال الدين وتعاليمه ، التي يفسرها مستغلوها حسب أهوائهم ، سيعمل على إستمرار ، لا بل وبزخم أكثر هذه المرة ، كل ما نعيشه الآن من فساد إداري وإهمال في الخدمات والتأكيد على الهويات الجانبية التي إختزلت الهوية الوطنية العراقية وتفويت فرص التقدم لوطننا صوب المدنية الحديثة والتواصل مع عالم القرن الحادي والعشرين بكل معطياته الثقافية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية . ونقول هنا بزخم أكثر إستناداً إلى قناعتنا بأن تجار بضاعة الدين سيجدون تأييداً وتبريراً لكل سلوكهم وتصرفاتهم التي دأبوا عليها خلال السنين السبع الماضية ، إذا ما جرى إنتخابهم مرة أخرى ، لا سامح الله ، فيفسرون إعادتهم مرة أخرى إلى مقاعد البرلمان العراقي أو تقلدهم المناصب الوزارية وقيادة المؤسسات العامة في الدولة العراقية الجديدة على أنه يعبر عن رضى الشعب عما فعلوه خلال السنين الماضية التي ورثوا بها حكم البعثفاشية وأسسوا لحكم المحاصصات الطائفية والإنقسامات المناطقية والتكتلات العشائرية وإثارة النعرات القومية الشوفينية التي لم يجن منها الشعب العراقي غير تشجيع للإرهابين ومنظماتهم ألإجرامية على إختلاف منازعها لتواصل عمليات القتل والتدمير في ربوع وطننا الذي يئن حتى اليوم تحت وطأة هذه الجرائم التي وجد منفذوها في الدولة العراقية الجديدة الضعيفة المشغولة بالمحاصصات وتوزيع الغنائم بين القائمين عليها أوسع مَنفَذ لتنفيذ عملياتهم الإجرامية ومن ثم توجه بعضها للعمل العلني تحت مسميات مختلفة ومن خلال أجهزة هذه الدولة العراقية الجديدة ، دولة المحاصصات ، على الدعوة لعودة البعثفاشية إلى التسلط على رقاب الشعب مرة أخرى وإكمال مسيرة القهقرى هذه بخطوات أوسع نحو التخلف والقهر والقمع والمطاردات والسجون والتهجير والتشرد وكل المساوئ التي عاشها الإنسان العراقي خلال التسلط البعثفاشي الأهوج .

الحياة تجارب يمر بها الإنسان منذ ولادته وحتى وفاته ، والإنتخابات إحدى هذه التجارب ، . إلا ان هذه التجارب قد تنطوي على اهمية كبيرة أو صغيرة ، فذلك امر يتعلق بمدى الإستفادة منها وتوظيفها للوصول إلى ألأحسن . هذا هو المنطق العام الذي جُبلت عليه حياة الإنسان والذي ينعكس على بعض أو كل تصرفاتهم في هذه الحياة .
لقد مرّ شعبنا العراقي بتجارب كثيرة والبعض الكثير منها مريرة أيضاً . ويمكن أن ينطبق هذا القول حتى على تاريخه الحديث الذي يشهده الآن كنتيجة للتجربة الإنتخابية السابقة ، وهذا ما يدفعنا جميعاً إلى التفكير بكيفية التخلص من كل النتائج السلبية التي جاءت بها هذه التجربة مع العمل في نفس الوقت على تثبيت وتطوير نتائجها الإيجابية . فما هي الآليات التي يمكننا توظيفها لتحقيق هذه الأهداف...؟

الآلية ألأولى هي إننا أدركنا وإستفدنا من طبيعة سير الإنتخابات السابقة التي تمت على أساس القائمة المغلقة ، ورأينا ولمسنا وعشنا نتائجها التي أوصلت للبرلمان العراقي كل مَن هب ودب ممن لم ينتخبهم الشعب ، بل عينتهم الأحزاب ، وخاصة احزاب الإسلام السياسي ، التي لم تبخل بالإستعانة لكسب الإنتخابات حتى بأدنى الوسائل التي لا علاقة لها بالتعاليم الدينية التي يتبجحون بها ، بغية وضع هذه الببغاوات التي لا تحسن غير ترديد نعيق قادتها والتي اصبحت مواقع للسلب والنهب والإثراء على حسلب المصالح الوطنية . لقد إستفدنا من هذه التجربة للإنتخابات القادمة التي ستسير حسب آلية القوائم المفتوحة . إن هذه الآلية الجديدة ستجعل الناخب وليس الحزب هو المسؤول الأول والأساسي عن إيصال مَن يريد إلى البرلمان العراقي والتي نرجو لها أن تكون جديدة فعلاً بكل شيئ . وهذا لن يتم إلا إذا أخذ العراقيون جميعاً نساءً ورجالاً هذه الإنتخابات مأخذ الجد وساهموا بها مساهمة فعلية تنطلق من الشعور العالي بالمسؤولية الوطنية التي تجسدها هذه الإنتخابات وتخرج بنتيجة تعمل حقيقة على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وإبعاد المتطفلين على السياسة التي لا يعون منها شيئاً عن المواقع السياسية التي إحتلوها في غفلة الإنتخابات السابقة .

الآلية الثانية هي ان الناخب الذي سيصبح هو المسؤول الرئيسي في الإنتخابات القادمة في السابع من آذار والذي لا يلوم إلا نفسه فيما لو تكررت صورة البرلمان الحالية وانعكست محاصصاتها على البرلمان القادم ، وهذا ما لا يرجوه أي إنسان يشعر بمواطنته وبمسؤليته تجاه وطنه وشعبه . إن أمام الناخبة والناخب تجربة سابقة وما عليهم إلا أن يُقيموَها ، حتى ولو تقييماً سطحياً لا يتعمق في التنفاصيل ، ليخرج بالتالي بنتيجة يرتاح لها الضمير والحس الوطني .

إن ما يحدث في الأنظمة الديمقراطية الحقة هو أن يرحل الفاشل بعمله ذاتياً . أي ان الفشل لا يمكن ان يظل مرافقاً للعمل الذي يقوم به هذا الشخص أو ذاك ، إذ ان الفشل في أداء المهمة يعني عدم إنجاز ما يمكن أن يؤدي صوب الإنتقال نحوألأحسن . أما في الأنظمة ألأخرى ، حتى وإن تبجحت بالديمقراطية ، فإن الفاشل يظل مستمراً على فشله وفي نفس موقع عمله ، حيث أنه مُلتزَم من قبل هذا الحزب الحاكم أو ذاك . وفي أحسن الأحوال فإن الفاشل الذي بلغ فشله حداً لا يُطاق حتى من قِبل ملتزميه، فإنه يُبعد عن عمله ولكن مكرماً معززاً مثقلاً بالأموال كتعويض له على عدم كفاءته وجهله وتخلفه وسيئاته .
أما الآن ، ومن خلال القوائم المفتوحة ، فقد أصبح الناخب العراقي في العراق ، الذي بداً عهداً ديمقراطياً مليئاً بالتلكؤ والصعوبات ، هو الذي يقرر فعلاً مَن الذي يريد إيصاله إلى البرلمان العراقي . ولا اهون من هذا الأمر إذا ما قرر الناخب توظيف المعادلة القائلة : الإخفاق في العمل يعني الإبعاد عن هذا العمل . وبما ان اخفاق الكثرة الكاثرة من أعضاء البرلمان العراقي الحالي غير مرتبط بالأشخاص المُعينين لهذا البرلمان من قبل أحزابهم فقط ، بل وبالأحزاب التي أتت بهؤلاء الأشخاص أيضاً ، حسب آلية القوائم المغلقة ، فإن هذه الأحزاب إذن هي التي يجب إبعادها وإبعاد ممثليها الذين وضعتهم اليوم على قوائمها المفتوحة، إبعاد هذه الأحزاب وممثليها من الوصول إلى البرلمان الجديد من خلال عدم إنتخابهم مرة أخرى تحت أي إسم وبأي صفة جديدة ظهروا ، وهذه هي مسؤوليتك أيتها الناخبة العراقية وأيها الناخب العراقي .
الآلية الأخيرة التي يمكن ان نستفيد منها من خلال التجارب السابقة هي مسألة تحكيم الضمير في هذه الإنتخابات وعدم الإنطلاق من الإنتماء الديني المذهبي او القومي او العشائري او المناطقي . لقد جرت الإنتخابات السابقة وفق آليات لعبت فيها هذه الإنتماءات دوراً تغلب على حقوق المواطنة والتزامات المبدأ . كما جرت الإنتخابات السابقة إنطلاقاً من إستغلال الوضع المادي للكثيرين ، وخاصة البسطاء وغير المتعلمين من الناس الذين لم يعوا أساساً أهمية العملية الإنتخابية آنذاك ، وشراء اصواتهم من قبل أحزاب تدعي إلتزامها بالتعاليم الدينية أو المُثل القومية التقدمية ، في حين أثبتت بتصرفاتها هذه بأنها بعيدة عن الإثنين . في هذه المرة ينبغي على الناخب ان يعي اهمية صوته الذي هو إنعكاس لضميره ووجدانه وخلقه وتربيته ومبادئه ولدينه أيضاً ، فلا يبيعه بأي ثمن ، ومهما تبجح به تجار الأصوات الإنتخابية من إلتزامهم بتعاليم الدين والأخلاق والفضيلة ، لأن الذي يقدم على عمل كهذا لشراء ضمائر الناس ، من خلال إستغلال حاجتهم المادية بشراء اصواتهم الإنتخابية ، هو بعيد كل البعد عن الدين والأخلاق والفضيلة . وهذا ما أعلنت عنه المرجعيات الدينية الكبرى حينما تبرات من كل هذه الأحزاب التي لم تُنجز سوى الإحباطات في السنين التي إستولت فيها على أمور البلاد والعباد ..

أما ألإجابة على السؤال الثاني في القسم الأول من هذا الحديث والذي دار حول نصيب هذه البضاعة الكاسدة من الرواج في سوق الإنتخابات العراقية المقبلة في السابع من آذار بعد أن كانت سوقها رائجة في ألإنتخابات البرلمانية السابقة وبعد أن خفَّت وطأتها نوعما في إنتخابات مجالس المحافظات الأخيرة فيمكن إختصارها من خلال الكساد والرواج لهذه البضاعة الدينية بما أكدنا عليه أعلاه حول إعتبار الصوت الإنتخابي ككلمة الشرف التي يعطيها الإنسان لتنفيذ وعد ما . إن رواج أو كساد هذه البضاعة هي قضية أخلاقية قبل ان تكون سياسية ، حيث أن سمو الأخلاق التي تتمتع به المواطنة العراقية والذي يتمتع به المواطن العراقي يفرض عليهما أن يضعا كلمة الشرف هذه ، التي يمثلها الصوت الإنتخابي، في موضعها الصحيح الذي يصونها ويحافظ عليها ويعكس تطلعاتها ويلبي إحتياجاتها ويحمل هويتها العراقية لا غيرها ويتصدى لأعداءها مِن أية جهة جاءوا ولأي دين إنتموا ويسعى لكنس غبار الماضي الأليم عنها ويعمل على تعويض ما فاتها من حياة حرة سعيدة ، آخذاً بها نحو ركب أُمم القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية.

عزيزتي الناخبة ، عزيزي الناخب : المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين . وانتم جميعاً مؤمنون بقضيتكم العراقية التي تقاسمها المتحاصصون على السلطة فيما بينهم طيلة هذه السنين التي تلت سقوط البعثفاشية فجعلوها طائفية وقومية وعشائرية ومناطقية وتركوا العراقية على الهامش المُهمل . فهل تريدون إستمرار تهميشكم هذا لأربع سنين أخرى ...؟ لا أظنكم تريدون ذلك ، فلا تنتخبوا إذن أي حزب أو أي إنسان ساهم في ذلك وانتم ألأدرى بهم . وأنتم أهل الدار الذين تعرفون شعابها ، فلا تجعلوا داركم ودار آباءكم وأجدادكم مسرحاً لجرائم الإمعات الخائرة والنوايا الجائرة التي لا تريد بكم وبوطنكم إلا السوء والعودة إلى حكم التسلط الدكتاتوري الأهوج ، والخيار بأيديكم ........

 


¤ بضاعة الدين بين العرض والطلب في سوق الدعاية الإنتخابية (2)

 

 

free web counter