| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الجمعة 28/1/ 2011



حينما تتحول القمم إلى قمامة

د. صادق إطيمش

مؤتمر القمة العربيىة المزمع عقده في بغداد في آذار القادم سوف لن يرى النور مع كثير من الوجوه القبيحة التي كانت تتصدر هذه القمم التي بدأت تتفسخ كالقمامة القديمة التي لابد من كنسها وتنظيف الأجواء منها لتحاشي ما تبثه من جيفة ستظل مستمرة على بثها لو قُدر لها البقاء في المواقع التي تجمعت بها طيلة عشرات السنين الماضية .

لقد بدأ الجياع في تونس بكنس ما جثى على ارضهم من هذه القمامة التي ظلت تزكم أنوف الشعب التونسي طيلة العقود التي لطخت فيها أرض هذا البلد وأضنكت حياة أهله الطيبين . وامتدت ملاحم الكنس هذه لتشمل قمامات أخرى لم تعد الشعوب التي أبتليت بها أن تتحمل سموم نتانتها في مصر والأردن واليمن والسودان وستطول قائمة الأسماء هذه في كل يوم يقترب من موعد إنعقاد اللقاء المقرر له في بغداد .

لا نريد أن نستبق ألأحداث والتنبؤ بما سيفرزه مثل هذا اللقاء إنطلاقآ من إفرازات مؤتمرات كهذه لمنظمة كهذه المنظمة التي يحلو للبعض ان يطلق عليها إسم الجامعة العربية في الوقت الذي لا تجمع فيه هذه المنظمة غير العروش والكروش التي لا علاقة لها باشعوب العربية التي تدعي تمثيلها . أن كل من له أدنى معرفة بتاريخ الجامعة العربية والظروف التي إكتنفت تشكيلها وطبيعة عملها طيلة مدة وجودها يعلم تمامآ بأن هذه المؤسسة هي مؤسسة للحكومات العربية قبل أن تكون للشعوب . فإذا علمنا مدى سعة الهوة التي تفصل الحكومات العربية عن شعوبها علمنا بمدى إبتعاد هذه الجامعة العربية عن الشعوب التي تتبجح , وبصفاقة أحيانآ , بتمثيلها في المحافل الدولية وفي مجمل نشاطها ألإعلامي . ولا نريد سرد ألأدلة لتبرير ذلك , إذ أن دليلآ واحدآ فقط في هذا المجال يغنينا عن السرد وهو القرار الذي تتبناه الجامعة العربية منذ تأسيسها بعدم السماح للعاملين في مؤسساتها ذات الطبيعة الدبلوماسية أو ألإدارية الهامة دون موافقة حكومات هؤلاء ، والسماح للجامعة العربية بإستخدامهم في مؤسساتها . وإنطلاقآ من هذه ألإلتزامات التي تربط هذه الجامعة بالحكومات ,إتخذت مواقفها بالنسبة لتحرير العراق من دكتاتورية البعث التي تجاوزت علاقتها بها محاور العلاقة الحكومية التقليدية لتصب في مجرى العلاقات المرتبطة بالمنافع الشخصية بين بعض المتنفذين بها وبإعلامها حكومات وأفرادآ وبين النظام البعثفاشي المقبور بالعراق. وكوبونات النفط أوضحت جانبآ واحدآ فقط من جوانب مثل هذه العلاقات . وإستنادآ إلى كل ذلك تلكأت الجامعة العربية طويلآ بإتخاذ الموقف المؤيد للعراق الجديد بعد تحريره من الدكتاتورية . وكانت صدمتها قوية جدآ بحيث إستهانت بالمبادئ التي وضعتها بنفسها وفقدت توازنها فاستقبلت , وربما لأول مرة , وفود ما يسمى بالمعارضة العراقية للعراق الجديد والتي كان يقودها زملاؤهم بالأمس من البعثيين قتلة الشعب العراقي . لقد كان عدم لقاء ممثلي الجامعة العربية مع أي وفد من وفود المعارضة العراقية للنظام الدكتاتوري المنهار طيلة سيطرة هذا الحكم الجائر على ربوع وطننا ينطلق أساسآ من مبادئ عملها القاضية بعدم جرح مشاعر أعضاءها من الحكومات العربية العتيدة . إلا أنها سرعان ما تجاهلت هذا المبدأ بعد سقوط الدكتاتورية بالعراق .
ثم إستمر موقف الجامعة العربية هذا من العراق الجديد والذي لم يتجاهل تحرير وطننا من البعثفاشية وحسب , بل سعى إلى التأليب والتشويه ونشر ألأكاذيب التي كانت تنشرها فلول وعصابات الصنم المنهار . أذ أن التلكؤ والتباطئ المقصود بإرسال أي ممثل للجامعة العربية إلى العراق الذي يشكل أحد ألأعضاء الرئيسيين في تمويل هذه المؤسسة كان يُفسَر دومآ بأسباب ألأمن الذي تربطه هذه الجامعة بما يسمى بالمقاومة التي أعمت عيون العاملين بها عن ألإرهاب الذي يعاني منه الشعب العراقي والمتمثل بالقتل والذبح والإختطاف وترويع الناس ألآمنين وتخريب الإقتصاد وتدمير المؤسسات الخدمية بحيث لم نسمع , إلا في وقت متأخر جدآ, عن أية إدانة مباشرة أو غير مباشرة لمثل هذه الجرائم بحق الشعب العراقي .

فكيف ستتعامل هذه الجامعة العربية الحكومية مع ثورة الفقراء في بعض العواصم العربية التي تهتز فيها عروش بعض الجبابرة الذين يتنادون اليوم فيما بعضهم " انتم السابقون ونحن اللاحقون " ؟ هل ستتعامل مع نتائج هذه الإنفاضات التي ستهد بعض العروش اليوم لتأتي على بقيتها غداً بنفس الحس المخلص للحاكم الجائر الذي أبدته تجاه التغيير الذي أطاح بدكتاتورية البعث بالعراق ؟

إن مسيرة هذه المنظمة العربية الحكومية تدلل بما لا يقبل الشك على انها ومصالح الشعوب العربية التي تتحكم بمصيرها أنظمة طاغية عاتية متجبرة على طرفي نقيض . فلم يبدر منها أو من امينها العام ولا من أي من مؤسساتها ما يمكن إعتباره يصب في مجرى التفهم على الأقل ، ولا نقول التأييد ، لما حدث ويحدث الآن على الشارع التونسي مثلاً . وإن صادف وصدر بعض التلميح إلى إنتصار الشعب التونسي على الدكتاتورية ، فإن السكوت المطبق عما يجري في مصر الآن سيظل يلازم كافة أجهزة حاوية القمامات هذه . إذ لا يقع في حساباتها المئات من القتلى والجرحى على شوارع القاهرة والإسكندرية والسويس والمنصورة وغيرها من المدن المصرية التي خرجت فيها الجماهير المعدمة لتصرخ لا ثم لا للتسلط والإستهتار بحقوق الناس ولتقدم أرواحها ثمناً لهذا الهدف النبيل . وكما سكتت وتسكت هذه الجامعة الخانعة عما يجري في تونس وفي مصر فإن صمت القبور لدى سكرتيرها العام وفي أجهزتها الرسمية لما يجري الآن في الأردن واليمن أيضاً وفي مناطق أخرى غداً سيستمر أيضاً مما يجعلها في موقف لا تحسد عليه فيما يتعلق بتحضيراتها لمؤتمر القمة القادم في بغداد والذي ستتوارى عنه بعض الكروش التي إشمئزت منها حتى المقاعد التي لوثتها بقذاراتها طيلة العقود المنصرمة من عمر حاوية القمامات هذه المسماة بالجامعة العربية .

أما فيما يخص الحكومة العراقية في عراق ما بعد البعثفاشية فإنه من الأفضل لها أن تتخذ مواقف لصالح الشعوب المنتفضة التي حقق قسم منها بعض مطالبه في إزالة الدكتاتورية . أما إذا تلكأ النصر بعض الشيئ لدى شعوب عربية أخرى بالرغم من الإنتفاضة ، فإن على الحكومة العراقية ان تعلم بأنها ستستقبل قمامات هذه الشعوب وليس قممها . وما على الحكومة العراقية إلا ان تساعد هذه الشعوب على رمي مثل هذه القمامات ، تماماً كما كنا ننتظر مساعدة الشعوب الأخرى لنا اثناء كفاح الشعب العراقي ضد دكتاتورية البعث .

كما ان على الحكومة العراقية ان تعلم أن مثل هذه القمامات آيلة إلى الزوال حتما ، فإن فات بعض الشعوب اليوم نصر ففي غد لن يفوتا .


 

free web counter