| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                  الجمعة  27 / 12 / 2013



لماذا هذا التجني على الإدارة الذاتية في كوردستان الغربية ...؟

د. صادق إطيمش 

المأساة التي يعيشها الشعب السوري منذ اكثر من سنتين والتي خلفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين من المهجرين داخل وخارج وسوريا ، لم تقتصر على اتباع قومية واحدة او دين او واحد او منطقة بذاتها. إنها المأساة الحقيقية بكل فواجعها التي تُهان فيها الإنسانية بايدي وحوش مدججة بالسلاح يسيرها النظام البعثي الحاكم من جهة ووحوش ضارية اخرى يسيرها العقل الديني المتخلف من جهة اخرى اوقعت الشعب السوري المغلوب على امره بين مطرقة النظام وسندانة التخلف الديني هذا . وأمام هذه المأساة التي لم تُبق على معالم الحياة الجميلة التي كان ينعم بها هذا البلد الجميل تتبلور ما يسمى بالمعارضة السياسية التي عبرت عن نفسها بتجمعات هزيلة متنافرة ومتقاتلة سياسياً وبعض الوحدات العسكرية التي إنشق معظمها عن الجيش السوري النظامي عسكرياً .

لقد كان المؤمل من المعارضة التي انبثقت لمقارعة دكتاتورية البعث سلمياً ، والتي إتخذت فعلاً هذا الطابع السلمي ، ان تتبلور إلى حركة جماهيرية تكسب الشارع السوري وتعبر في نفس الوقت عن كل ما يرجوه هذا الشعب بكل قومياته وطوائفه واديانه من التمتع بحياة سياسية ديمقراطية لا مكان فيها لهيمنة الحزب الواحد ولكل الممارسات القمعية التي مارسها حكم البعث طيلة مدة تسلطه على امور البلاد والعباد في سوريا . إلا ان هذه المعارضة فشلت في امرين اساسيين . أولهما عدم إستمرارها بالمحافظة على سلميتها التي ظلت تنادي بها لعدة اشهر وذلك حينما سمحت للقوى الشريرة ان تجعل من استعمال السلاح وسيلة من وسائل المعارضة السياسية . وكان تبرير ذلك كله ينطلق من مقاومة قوى النظام التي واجهت المتظاهرين بقوة السلاح . قد تكون هذه الحجة مبررا لإستعمال السلاح ضد قوى النظام ،إلا ان هذا النوع من التبرير لا يمكن ان يصدر من فكر سياسي متمرس في العملية السياسية التي تستوجب درس ما يمكن ان يترتب عليه إستعمال السلاح في المعارضة السياسية ، علماً بأن المعارضة السياسية السلمية هي المعارضة التي إنبثقت على الشارع السوري أولاً وليس المعارضة العسكرية . ولو ان المعارضة إستمرت على سلميتها ولم تسمح لقوى التخلف الديني الطائفي باستعمال السلاح لكان عدد الضحايا بكل تأكيد اقل بقليل ممن سقطوا لحد الآن من الشعب السوري ، إذ ان النظام وتحت المعطيات الدولية السائدة اليوم لا يمكنه إستعمال السلاح ضد المتظاهرين المسالمين إإلى ما لا نهاية . أما الأمر الثاني الذي فشلت المعارضة السورية في تحقيقه فهو عدم إستطاعتها كسب الشارع السوري إلى جانبها بعد ان عبرت عن نفسهاعلى انها مجموعات متنافرة لم تستطع ان تجتمع على اهذاف موحدة تعكس ما يفكر به هذا الشارع الذي ظل ينظر إليها وهي تنتقل في نشاطاتها بين تركيا وقطر وغيرها من الدول التي وجدت أكثر من مبرر لها للتدخل في الشأن الداخلي السوري وبالتالي توظيف جماعاتها المسلحة التي دخلت الأراضي السورية لتفرض اجندتها الخاصة بها وبمن يمولها من دول الخليج او من إيران او من تركيا ، حتى اصبحت قضية الديمقراطية في سوريا لا اثر لها بعدما تركز الحديث حول الخيار بين الدولة المدنية التي يدعي نظام البعث تمثيلها على الأرض السورية وبين الدولة الدينية الإسلامية التي تريدها داعش او النصرة ومن لف لفهما ، في الوقت الذي ظل فيه ما يسمى بالجيش الحر منشغلاً بالتصدي لعصابات الإرهاب التي تريد الإستحواذ عليه تدريجياً بعد ان استولت على كثير من مخازن عتاده وتموينه .إلا ان الجيش الحر هذا اوجد له " عدواً " آخر اصطنعته قوى التعصب القومي الشوفيني الذي وجد في الشعب الكوردي في كوردستان الغربية والذي وقف منذ الساعات الأولى ضد شوفينية ودكتاتورية نظام البعث الذي حرمه من كل حقوق المواطنة حتى بات اجنبياً في بلده ، وجد هذا الجيش الحر عدواً تكالبت عليه ليس وحدات هذا الجيش فقط ، بل وفتحت هذه الإعتداءات على الشعب الكوردي شهية عصابات التخلف الديني لتقتل وتسلب وتنهب وتختطف ما تقدر عليه مروعة هذا الشعب بكل ما تملكه من وسائل الجريمة التي لا تفرق بين طفل او شيخ او بين امرأة او رجل وهذا هو ديدن مثل هذه العصابات دوماً وفي كل مكان . وحينما هب الشعب الكوردي في كل بقاع كوردستان الغربية مدافعاً عن ارضه واهله ضد حرب الإبادة التي ارادت النيل منه وابدى مقاومة باسلة وصراعاً مريراً ضد القوى الغازية إستطاع هذا الشعب بقوة ارادته وشجاعة بناته وابناءه من رد كيد المعتدين بعد ان تحمل ما تحمل من الضحايا والخسائر البشرية والمادية التي رافقت هذا الدفاع عن الأرض والعرض . ولم يكن من الممكن لشعب قدم هذه التضحيات وتحمل المآسي من النظام البعثي سابقاً ومن قوى العصابات المتخلفة مؤخراً إلا ان يستجيب لنداء الحكمة ويعمل على جني ثمار نضاله الذي تعمد بدماء شهداءه الأبطال فيؤسس في بعض مناطق كوردستان الغربية التي تم إحكام سيطرته عيها إدارة ذاتية لهذه المناطق إنطلاقاً من الهدف النضالي الذي يسعى إليه هذا الشعب لتحقيق ذاته واكتساب حقوقه في العيش الحر الكريم اسوة بباقي شعوب الأرض . إلا ان الإدارة الذاتية هذه إصطدمت بكثير من التقولات والإتهامات والأكاذيب التي بدأ يروجها اعداء تحرر الشعب الكوردي وهم منتشرون في كل مكان في المناطق التي تتواجد عليها ارض كوردستان باجمعها .

لقد راجت اقاويل واكاذيب المغرضين معلنة عن التفكير الإنفصالي الذي يسيطر على الشعب الكوردي ونزوعه إلى إقتطاع أجزاء من ارض سوريا ليؤسس عليها دولته التي بدأت بالإدارة الذاتية لتنتهي بإعلان الدولة الكوردية .

وانطلاقاً من شعور إنسان عربي عاش مع هذاالشعب الطيب الكريم المعطاء عقوداً طويلة من الزمن وخبر اهداف نضاله التحرري الوطني والقومي وناضل ايضاً في سبيل قضيته كمساهمة في النضال الأممي لتحقيق مبدأ حق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وبكل حرية ، لابد لنا من مناقشة مثل هذه الأطروحات التي نعتبرها بالية وتصب في مجرى التعصب القومي الشوفيني المعادي للآخر حتى وإن جمعه مع هذا الآخر اكثر من جامع وربطه به اكثر من رباط . ونحاول هنا إختصارمحاور نقاشنا على اهم النقاط آملين استيعابها من ذوي الأفكار المعادية للشعب الكوردي وتطلعاته التحررية . وأهم محاور هذا النقاش هي :

اولاً : نظرياً وعمملياً ومبدئياً ليس هناك ما يمكن ان يقف ضد مفهوم الدولة القومية لأي شعب ، سوى تلك القوى التي لا مصلحة لها في قيام مثل هذه الدولة ، خاصة الدولة ذات التوجه التقدمي التحرري والتي لا تصب سياستها في بودقة المصالح الإحتكارية والإستعمارية .

ثانياً : حينما تعرض الشعب الكوردي بعد الحرب العالمية الأولى إلى تقطيع اوصال ارضه بين خليفة الدولة العثمانية المتمثلة بالدولة التركية الكمالية وبين تلك الدول الجديدة التي أنشأتها معاهدة سايكس ـ بيكو تبلور عن ذلك وجود أكبر شعب على وجه الكرة الأرضية لا دولة له . وحينما يعترض القوميون العرب المتطرفون على فرضية وجود الدولة الكوردية التي يبلغ عدد سكانها اكثر من خمسين مليون نسمة ، ويطالبون في نفس الوقت بدولة فلسطينية لا يتجاوز عدد سكانها عدد عُشر سكان الدولة الكوردية فإنهم يوقعون بذلك انفسهم وفكرهم القومي الشوفيني في تناقض صريح وواضح لا يبرره إلا العداء لحرية الأخر والإنتقاص من تطلعاته الوطنية والقومية .

ثالثاً : بالرغم من هذا الحق الأممي للشعب الكوردي فإن التوجه التقدمي الحديث الذي اطلقه زعيم الشعب الكوردي وقائد ثورته عبد الله اوجالان يسير باتجاه النضال لتحقيق الإدارة الذاتية ضمن المجتمعات التي يعيش معها الشعب الكوردي . وهنا لابد لنا من الإطلاع بتمعن وعمق تفكير على بعض ما كتبه اوجالن بهذا الصدد ، والمستل من كتابه: مانيفستو المجتمع الديمقراطي ، المجلد الأول ، على الصفحات 22ـ23 ، إذ يقول :
" " ولكن من الخطأ الفادح النظر إلى دور الكرد في هذه المرحلة الجديدة من الصراع والفوضى داخل الشرق الأوسط بانه مقتصر على التواطؤ . فالغالبية العظمى من الكرد المتعطشين لفلسفة الحياة الحرة ستبقى في انتظار روادها الأفاضل لتروي ظمأها . وبينما تعتبر هذه الغالبية قابلة للتخلي بسرعة عن قوالب حياة العصور الوسطى المستهلكة التي عفا عليها الزمن ، فهي لن تتشبث كثيراً بقالب الدويلة القومية المعروضة عليها ، والتي لا تسمح بفرصة الحياة الحرة لأي شعب ، في حين تُعتبَر العماد الأمتن للحداثة الراسمالية . وبالمقابل ، فإن شكل الإدارة الكونفدرالية الديمقراطية الأكثر ملاءمة لتحقيق طموحاتهم في الحرية والمساواة يُعَدُ الشكل السياسي الأكثر مناسبة للكرد ، نظراً لخصائصهم ومزاياهم التاريخية والجغرافية ." "
ثم يستطرد اوجالان في كتابه اعلاه واصفاً النمط السياسي الجديد الذي يراه مناسباً لتطلعات الشعب الكوردي فيقول:
" " الكونفدرالية الديمقراطية الشرق اوسطية التي تُعتبَر بدورها الصياغة الأساسية القادرة على إيصال كافة المجتمعات والإثنيات ذات الأصول العربية والإيرانية والتركية والكردية والأرمنية والروسية واليهودية والقوقازية ، وجميع المذاهب والأديان ، وكذلك الجماعات ذات الأصول الأوربية والمفتقرة لحقوق الإنسان والديمقراطية ، إيصالها مجدداً إلى مقدساتها واصطلاحاتها في الحياة الحرة وانجازاتها المادية ، بعد ان كانت معرضة للإبادة والتطهير العرقي ومفتقرة ليوتوبياتها في الحياة الحرة بسبب القمع والإستغلال والإضطهاد في معمعان حروب الدولة القومية النابعة من الحداثة الرأسمالية والمفروضة على موزائيك شعوب الشرق الأوسط . وإذا ما تولدت جمهورية فيدرالية ديمقراطية من احشاء فوضى العراق ، فقد تلعب دوراً ريادياً في تحقيق تطور في هذا الإتجاه ." "
فالأمر إذن كما يطرحه المفكر الأممي وقائد الشعب الكوردي عبد الله اوجالان لا يتعلق بأي حال من الأحوال بالتنكر للآخر والإنعزال عنه ، بل بالعكس فإنه يرى في شعوب الشرق الأوسط بمختلف مكوناتها مؤهلة لتبني مشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفيدرالي الديمقراطي ، وهذا بالتأكيد على العكس تماماً مما تريده الإحتكارات الإستعمارية بقيادة الإدارة الأمريكية من مشروعها التي اعلنت عنه تحت اسم مشروع الشرق الأوسط الجديد .

رابعاً : إستناداً إلى هذا الفكر الذي تمثله الحركة الثورية الكوردية وانطلاقاً من إيمانها بالكونفدرالية الديمقراطية التي تسعى قوى الثورة الكوردية إلى تحقيقها في غرب كوردستنان ينبغي على القوى المناهضة لهذا التوجه ان تراجع مواقفها من الثورة الكوردية وتوجهاتها الديمقراطية التي ستصب ليس لصالح تيار الحركة الوطنية الكوردية فحسب ، بل ولصالح جميع التيار الديمقراطي في المنطقة برمتها ، وأن يتوجه هؤلاء إلى الوقوف بوجه قوى الشر التي تريد ان تؤسس لدول إسلامية على مقاساتها الخاصة واستناداً إلى افكارها المتخلفة عن مسيرة البشرية في قرنها الحادي والعشرين .

خامساً : التجربة التي يمر بها العراق اليوم وما افرزه نضال الشعب العراقي بشكل عام والشعب الكوردي على وجه الخصوص في كوردستان الجنوبية يشير إلى إمكانية تعميم هذه التجربة وتطويرها واتخاذها كحل لمشكلة من اهم المشاكل التي تواجهها المنطقة والمتعلقة بحرية وكرامة شعب كالشعب الكوردي العريق في القدم والذي تمتد جذوره في اعماق التاريخ الإنساني .

سادساً : بغض النظر عن إتفاقنا او إختلافنا على طبيعة الإدارة السياسية وكل ما يتعلق بها في كوردستان الجنوبية ، لا يمكن لأي منصف إلا ان يرى تطوراً إيجابياً على حياة الشعب الكوردي بالرغم من ان هذا التطور يظل دون المستوى المطلوب تحقيقه فعلاً بعد اكثر من عشرين عاماً من ممارسة الإدارة الذاتية في اقليم كوردستان العراق ، والذي بحاجة إلى بلورته ضمن آليات الديمقراطية الحقة بكل ما تتضمنه هذه الديمقراطية وما تشمله في حياة الإنسان الثقافية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية . هذه التجربة التي يمكن تطويرها نحو الأفضل واتخاذها كنموذج يُحتذى به أفرزت مؤشرات جيدة للشعب الكوردي ، لابل وللشعب العربي في عموم العراق ايضاً ، وما وجود اكثر من ثمنمائة الف عربي عراقي في كوردستان الجنوبية واحتضانهم من قبل الشعب الكوردي في محافظاته الثلاث وسير حياتهم هناك بعيداً عن الإرهاب الذي خلقته سياسة المحاصصات الطائفية في الحكومة المركزية إلا أحد المؤشرات على ذلك .

إننا نهيب بكل مَن إتخذ موقفاً منتقداً او رافضاً او حتى محارباً للإدارة الذاتية في كوردستان الغربية ان يفكر ملياً في هذا الأمر ويضع نصب عينيه الخيار بين هذا النمط الإنساني من التعايش مع الآخرين وبين ما تفرضه الأنماط الأخرى التي عاش الجميع آلامها ومأسيها وكل سياسة القمع الإقصاء والتهميش التي مارستها دكتاتورية البعث بحق كل الشعب السوري ، أو النمط الذي لو قُدر له الإنتصار ، لا سامح الله ، ليؤسس لدولته الإسلامية التي قدمت لنا دولة طالبان المقبورة في افغانستان نموذجاً حياً عنها والتي يمارس بعض دعاتها اليوم على ارض سوريا نفسها تلك الممارسات الهمجية بحجة تطبيق احكام الشريعة الإسلامية التي يفسرونها بانها الجلد والرجم وقطع الرؤوس وملاحقة الناس في كل خصوصيات حياتهم والعودة بهم إلى مجتمعات الإنسان الحجري التي تتعطل فيها كل القوانين والقيم والأخلاق كي تسود مكانها الخزعبلات والتخلف الفكري وفتاوى المخبولين وهرطقات المجانين .

 

free web counter