| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الأثنين 20/9/ 2010



إطعام جائع ....أو بناء جامع ...ما الأحب عند الله ...؟

د. صادق إطيمش

كثرت في السنين الأخيرة شدة المباريات بين التجمعات الإسلامية والمنظمات التي تمثلها في دول أوربا وامريكا وكندا حول الحصول على الأولوية في مساحة وزخرفة ورقي هندسة وتأثيث الجوامع التي تنوي هذه المنظمات تشيدها في هذه الدول بعد ان رصدت لها عشرات الملايين ، إن لم تكن مئات الملايين ، من الدولارات التي تم تخصيصها لإنفاقها على مثل هذه المشيدات الضخمة . وترافق السباقات هذه بين التجمعات الإسلامية حملة صراع مع الأجهزة الحكومية لهذه الدول التي يقف بعضها موقفاً يرجو من وراءه لا منع بناء مثل هذه الجوامع ، بل التأكد من مدى إنطباق المواصفات المعمارية مع القوانين السائدة كالإرتفاع المسموح به للمنائر مثلاً أو إرتفاع البناء بصورة عامة في المنطقة المزمع بناء هذا الجامع فيها أو أية ملاحظات أخرى تتعلق بقوانين البناء السائدة في ذلك البلد . وحينما تبرز مثل هذه المشاكل تلجأ بعض التجمعات الإسلامية المتطرفة بتفسيرها لمثل هذه الإجراءات الرسمية وكأنها تعكس وقوف الأجهزة الحكومية في هذا البلد او ذاك ضد الإسلام والمسلمين ، فتعيد تلك الأسطوانة المشروخة حول المجتمع الكافر المعادي للإسلام ، وهذه المجموعات وغيرها هي التي ينعم الكثير من المتبرعين لها والعاملين في صفوفها في بحبوحة العيش الرغيد من المساعدات المالية والطبية والخدمية التي تقدمها لهم هذه المجتمعات " الكافرة " دون ان يساهم هذا الكثير في عملية الإنتاج الإجتماعي .

هذه الملايين التي تدعي المنظمات الإسلامية بأنها قد جمعتها من تبرعات المحسنين والمؤمنين والتي تريد ان توظفها لبناء القصور المزخرفة التي تجعلها موضع التباهي بينها وبين المنظمات الإسلامية الأخرى سواءً في نفس البلد او في بلد آخر تشكل اساس هذا الموضوع المطروح للمناقشة الآن والذي نرغب ان يفكر به العقلاء من المسلمين القاطنين في هذه الدول والذين يعلمون علم اليقين بكثير من الحالات التي تعيشها بعض العوائل الإسلامية في هذه البلاد الغريبة عنها والتي يمكن مساعدتها في بعض الأمور التي لا تسد نفقاتها المساعدات الإجتماعية التي تقدمها الدول المضيفة لهذه العوائل كمساعدة هذه العوائل لذويها في الوطن مثلاً . إلا ان المهم أكثر هنا هو ان مثل هذه المبالغ الكبيرة يمكن أن تشكل عوناً إقتصادياً لعوائل اخرى تعاني من ضنك العيش في المجتمعات العربية والإسلامية التي لا يحكمها " الكفار " ، بل المسلمون الأقحاح .

القرآن الكريم ينص في الآية 36 من سورة النور على : " في بيوت أذِن الله أن تُرفع ويُذكَر فيها أسمه يُسَبَح له فيها في الغدو والآصال " فالقرآن الكريم ينص على يبوت للعبادة وليس على قصور مُشيدة . ولو ارادها قصوراً لما توانى عن ذكر ذلك . إلا أن دعاة البهرجة والتبجح الفارغ والتباهي بعلو بناء الجامع وجمال زخرفته والمبالغ الطائلة المصروفة على تاثيثه بافخر الأثاث ينظرون إلى هذه المشاريع من وجهة نظر التفاخر وليس عمل الخير الذي كان من الممكن لهذه الملايين من الدولارات ان تحققه للكثير من المسلمين المعدمين في بلاد الإسلام الغنية بفقراءها .

وموضوع المباراة الآخر الذي لا يتوانى عن خوضه تجار الدين هؤلاء هو صرف هذه الملايين لإعلاء إسم هذا الخليفة أو ذاك الإمام على مدخل هذا القصر كتعبير عن السباق الطائفي أو بالأحرى الصراع الطائفي حتى في دور العبادة التي يجب ان تكون بعيدة عن هذه المباراة الهوجاء التي لا تتناسب ومبادئ الدين أصلاً ، فالقرآن الكريم يقول : " وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله احداً " .(
الجن 18 )

نهيب بالمرجعيات الدينية أو المؤسسات التي قد يكون لها بعض التاثير على أعمال التجمعات الإسلامية خاصة في بلدان " الكفر " أن ترمي بثقلها لدى هذه التجمعات وإيقافها عن مثل هذه التصرفات التي لا يخلو بعضها من النية المبيتة لدى بعض الأفراد القياديين في هذه التجمعات من سلوك أسلوب الإستفزاز لدى المجتمعات المضيفة وذلك للتأكيد على طروحاتهم البدائية التي يحاولون من خلالها إشعال نار الفتنة بين المسلمين والمجتمعات التي آوتهم وأمنتهم على حياتهم وضمنت لهم مستقبلهم ومستقبل اطفالهم . إننا نهيب بالتوجه لصرف هذه الأموال على الفقراء في المجتمعات الإسلامية وهم يشكلون نسبة كبيرة جداً في مثل هذه المجتمعات . وإن العقل الواعي لأي إنسان سيجد ذلك هو الطريق الأفضل الذي يمكن أن يُرضي الله ويقرِب العاملين على تحقيقه إليه . أما بناء الجوامع فيمكن أن يكون مقتصراًعلى أبسط المباني التي يمكن أن تُمارَس بها الواجبات الدينية على احسن حال ، فالعبرة بتأدية الطقوس الدينية عن قناعة وإيمان وذلك يمكن أن يكون حتى على حصير أجرد وفي بيت بسيط نظيف مؤهل لتأدية هذه الطقوس من حيث النظافة بشكل خاص . أما بعض قادة هذه التجمعات الراكضين وراء التبجح أو ألإستفزاز فإنهم حينما لا يترددون عن ذكر تمسكهم بالسنة النبوية في كل شيئ إلا أنهم يشذون عن هذه السنة في مباراة بناء الجوامع . فمتى كانت الجوامع في عهد النبوة أو الخلافة الراشدية على هذا الشكل من الأبهة والبهرجة ..؟

قد يدعي البعض بان تخصيص مثل هذه المساحات الواسعة لبناء الجوامع الضخمة يشمل ايضاً الملحقات بهذه الجوامع كالمدارس والمكتبات ومراكز لتجمع المسلمين وما شابه ذلك . والإعتراض على مثل هذا الطرح له اسباب عدة :

السبب ألأول : هو أن مثل هذه المصاريف لا موجب لها حيث أن معظم الدول المضيفة للمسلمين لا تتوانى عن توفير مثل هذه الأماكن فيما إذا تم تنظيم الطلبات لهذا الغرض بشكل جيد . وهناك الكثير من الجاليات الأجنبية التي تسكن في هذه الدول المضيفة والتي تنتظم في مراكز خاصة بها هيأتها لها هذه الدول ، تمارس فيها نشاطاتها الثقافية والإجتماعية والدينية بكل حرية وأمان . كما ويمكن في كثير من الحالات أن تحصل هذه المنظمات الأجنبية على دعم مادي من قبل الدولة المضيفة لتغطية نفقات هذه الفاعليات.

السبب الثاني : هو أن مثل هذه الإجراءات في إنشاء مجمعات خاصة قد تؤدي في بعض الحالات ، وإذا ما أُسيئ إستعمالها من قبل بعض المتطرفين ، إلى عزل الشباب المسلمين عن أقرانهم في المجتمع الذي ولدوا وتربوا فيه . ويجري ذلك خاصة في تلك المراكز التي لا تسمح حتى للدولة المضيفة بالإطلاع على كل ما يجري فيها . كما تقوم بعض هذه المراكز بتشجيع ودعم وتوجيه بعض العوائل المرتبطة بها بالتطاول على قوانين البلد المضيف ، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالتعاون مع المدارس سواءً في مجال الدروس الدينية او دروس ألرياضة أو السفرات المدرسية ، أو في مجال التعليم الناجح بشكل عام .

السبب الثالث : وهناك حالات غير قليلة تم فيها إثبات أرتكاب عمليات تخريبية في مثل هذه المراكز التي إستغلت الدين لأغراض لا علاقة لها البتة بالدين . وما إنتشار أخبار بعض المراكز في ألمانيا والتي تم فيها تهيئة بعض منفذي العمليات الإجرامية في الحادي عشر من أيلول عام 2001 إلا مثالاً واحداً من كثير من الأمثلة التي تكثر في بريطانيا وفرنسا والمانيا وأمريكا وأستراليا والتي يجري فيها تأليب المسلمين على المجتمعات التي يقتاتون وأطفالهم وعوائلهم على مساعداتها ، فيصبحون بذلك كمن يبصق في الإناء الذي يأكل فيه . والمثال الذي عاشته ألمانيا مثلاً لسنين طويلة في مدينة كولون الذي جعل رجل الدين التركي كابلان من مركزها ألإسلامي منطلقاً لشن هجومه وحربه على المجتمع الألماني الذي كان هو شخصياً وعائلته يتقاضى مساعداته الإجتماعية ، إلا أنه كان يشهر سيوفه في هذا المركز أثناء خُطب الجمعة التي كان يدعو فيها إلى الجهاد ضد المجتمع الألماني .

ومع ذلك فإنني أقول انه لا بأس من وجود مثل هذه المراكز بشكلها البسيط الذي يؤدي الغرض الديني والإجتماعي والثقافي وليس من الضرورة ان تكون قصوراً مشيدة ومزخرفة ومؤثثة بكل غال ونفيس والتي يجب ان تعمل على مساعدة الجيل الناشئ ، خاصة ذلك المولود في الدول المضيفة ، على تجاوز العراقيل التي يعاني منها للإندماج في المجتمع الذي يعيش فيه . وقد يُفسر البعض الدعوة هذه لتسهيل الإندماج على أنها دعوة إلى الذوبان في المجتمعات المضيفة والتنكر للقيم والتقاليد التي تتعامل معها هذه الجالية أو تلك . إن مفهوم الإندماج بهذا الشكل هو من تفسيرات وتأويلات الفكر المتعصب والمتخلف في نفس الوقت ، إذ أن دعوات الإندماج التي بدأت بعض دول ألإتحاد الأوربي بتوجيهها إلى كثير من الجاليات المتواجدة على أراضيها لا تشير حتى ولا إشارة بسيطة إلى رغبة هذه الدول في إذابة الجاليات في مجتمعاتها ، بل بالعكس فإن جميع نداءاتها تصب بإتجاه تلاقح الثقافات المختلفة في المجتمع وتحقيق السلام الإجتماعي، وهذا هو عكس ما يدعوا له بعض المتطرفين المسلمين في هذه المجتمعات والذين يستغلون فيها سيطرتهم على بعض المراكز الإسلامية لينفثوا سموم العداء داخل المجتمع من خلالها .

قد يُفسر البعض هذه الدعوة ، وكعادة هؤلاء دائماً ، على انها ضد الدين والمؤسسات الدينية. هذه التفسيرات أصبحت اليوم مكشوفة النوايا إلى درجة أصبح فيها مروجوها أنفسهم لا يصدقون بمحتواها حيث أن تجربة الأحزاب الدينية في العراق منذ سقوط الدكتاتورية البعثفاشية وحتى الآن وكيفية إستغلالها للدين هو المثل الساطع على ذلك ، وما بعض التجمعات التي تحمل صفة " ألإسلامية " في الدول المضيفة إلا إنعكاساً لما تفكر به وتعمل على تحقيقه أحزاب الإسلام السياسي التي اثبتت على أنها لا رابطة تربطها بالإسلام غير تبجحها بحمل إسمه ، أما ما يقوم به جلاوزتها الذين يتحكمون بمنابع الثروة الوطنية من سرقة المال العام ونشر عصابات القتل والجريمة واستغلالهم البشع لمواقعهم في السلطة والإقتتال مع بعضهم البعض في سبيل الحصول على اكثر هذه المواقع وكل ممارساتهم على الساحة السياسية العراقية منذ إنهيار الدكتاتورية وحتى الآن ، إن ذلك كله لا علاقة له بالتعاليم الدينية الحقة التي تدعو إلى العدالة وإنصاف المظلوم والمحافظة على المال العام ومحاربة الفساد ونكران الذات في خدمة الوطن وأهله ، لا العكس .



 

free web counter