| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                                     الثلاثاء 19/4/ 2011



كالمستجير من الرمضاء بالنار

د. صادق إطيمش

يبدو أن سياسيي الصدفة في وطننا لا زالوا أميين تماماً في معطيات العمل السياسي حتى بعد مرور ثمان سنوات على تبوئهم ، وبالصدفة حقاً ، المراكز القيادية في سياسة الدولة العراقية التي وضعهم الإحتلال الأمريكي فيها . هؤلاء الساسة الذين يقرون تماماً ويعلمون جيداً بأنهم نتاج السياسة الأمريكية في عراق ما بعد دكتاتورية البعث الفاشية ، يخرجون علينا بين الحين والحين بمسرحيات هزلية ذات نصوص يتضح لمن يدقق بمحتواها عمق اللهجة الأعجمية وهزالة الأداء التمثيلي لقضية تعتبر من أهم القضايا التي شغلت سوح النضال الوطني العراقي والمتعلقة بالسيطرة الأجنبية على وطننا.

لقد دعى أحد سياسيي الصدفة هؤلاء إلى الإستعانة بالدول العربية ، وذلك من خلال التأكيد على عقد مؤتمر القمة العربية القادم في بغداد ، على مساعدة العراق لإخراج الإحتلال الأمريكي من الوطن . وبذلك يريد هذا السياسي الفلتة ان يحاكي مشاعر الجماهير العراقية التي تقف موقف الرافض للإحتلال بكل أشكاله وصوره ، إلا أنه لم يُجِد عرضه المسرحي هذا كموقف سياسي ، بل أجاده كعرض مسرحي هزلي اثار الضحك فعلاً .

الدول العربية التي تريد الإستعانة بها يا سيدي لإخراج المحتل من العراق هي نفسها تلك الدول العربية التي تضمها جامعتها المعتوهة بدءً من أمينها العام وحتى أصغر عضو فيها. الدول العربية هذه هي التي وقفت سنيناً طوالاً تتفرج بغبطة وفرح على قتل الشعب العراقي من قبل نظام البعث الدكتاتوري ومن ثم بعد سقوطه ، ومنهم مَن ساهم في هذا القتل ومنهم مَن سانده بالمال وعصابات المجرمين التي سللوها إلى وطننا من سوريا والأردن والسعودية والكويت والجزائر وليبيا واليمن ، إضافة إلى دول الجوار الأخرى وفي مقدمتها دولة الملالي في إيران . وبما ان حديثنا هذا يتناول الدول العربية ، فإن الحديث عن جرائم ولاية الفقيه في وطننا يقع في محور آخر من محاور التسلط على سياسة وموارد عراق ما بعد دكتاتورية البعث .

بأي دولة عربية يريد سياسي الصدفة هذا أن يستعين للمساعدة على إخراج المحتل من وطننا...؟ إن أي جرد بسيط للكيانات السياسية العربية القائمة الآن سيرينا بكل وضوح ، رغم التغيرات التي تعج بها ساحاتها السياسية ، بأن جميع هذه الدول تدور في فلك السياسة الأمريكية قولاً وفعلاً ، وإن لم يكن في العلن الواضح ففي السر ومن وراء الكواليس .

لا نريد هنا التطرق إلى صغريات هذه الكيانات التي لا تحل ولا تربط في ما يسمى باجتماعات القمم العربية والتي لا أعتقد بأن السيد السياسي هذا قد أدخلها في حساباته. بل نناقش معه تلك الكيانات التي وضعها في مخيلته ليطلب منها العون على التخلص من الإحتلال الأمريكي الذي جاء به إلى هذا الموقع القيادي في السياسة العراقية في هذا الزمن التعيس.

تعتبر المملكة العربية السعودية من أقوى اللاعبين اليوم على حلبة الصراع السياسي في المنطقة العربية . فمن هذه الدولة ذات النظام الرجعي المتخلف بكل رموزه الدينية منها والسياسية تنطلق ابشع الخطط الهادفة إلى نشر السيطرة الدينية المتخلفة كتعبير عن النهج السياسي والإجتماعي الذي تتبناه العائلة المالكة من آل سعود والذي اصبح وبالاً لا على العرب وحدهم ، بل على المسلمين جميعاً لما أفرز هذا الكيان من عصابات إرهابية وما ينشره من مدارس وافكار وكتب تدعو إلى إلغاء الآخر وتعمل على جعل العنف المتشح بلباس الدين وفتاوى المشايخ وسيلتها الأساسية في الحكم الذي وصل بتسلطه وجرائمه حداً فجر الثورة عليه حتى داخل المجتمع السعودي نفسه . إن هذا الكيان السعودي المتخلف لا يمكن ان يكون لك ، يا سياسيي الصدفة هذا ، عوناً على التخلص من الإحتلال الأمريكي وذلك لسبب بسيط جداً ألا وهو سير هذا الكيان في فلك السياسة الأمريكية منذ أول يوم نشأ فيه ولحد الآن . هل مَن يستطيع ان ينكر او لا يرى العلاقات الأمريكية السعودية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وعلى مد الدهور ؟ فإن كان هذا السياسي من الصم البكم العمي الذين لا يرون ولا يشعرون بذلك ، فليس لنا ان نقول مسكين ايها العراق .

ولو إنتقلنا إلى الكيانات العربية الأخرى على شبه الجزيرة العربية والتي لا يمكن التغاضي عن دورها الفاعل على الساحة السياسية العربية ، فإننا سوف لن نسجل أدواراً تختلف في مجمل حيثياتها وما تتمخض عنه من سياسة الإرتباط مع السياسة الأمريكية عن تلك الأدوار التي تلعبها السياسة السعودية . فالكويت ، التي تبدو وكأنها لم تنكر الجميل الذي صنعته لها أمريكا بإرجاع مشايخها إلى السلطة ، تماماً كما فعلت مع سياسي الصدفة هؤلاء الذين وضعتهم أمريكا هذه بالذات وليس غيرها على رأس السلطة في العراق ، تلعب في حلبة السياسة الأمريكية منذ أن سلمتها السياسة الإستعمارية البريطانية إلى القطب المهيمن على السياسة الغربية ، امريكا ، والتي إزداد إرتباطها بها منذ تحريرها من براثن دكتاتورية البعث . فهل يرتجي صاحبنا من هذه الدولة أي عون له على الوقوف بوجه الإحتلال الأمريكي للعراق ؟

واللاعب المهم الآخر في السياسة العربية الإقليمية الخليجية هي دولة قطر التي إستلمها خليفة بن حمد عام 1995 بعد أن أطاح بأبيه وبالإتفاق مع السياسة الأمريكية التي جعلت من قطر اكبر ركيزة لها في الشرق الأوسط وذلك من خلال تواجد القاعدة الأمريكية " العديد " التي صرفت دولة قطر اكثر من مليار دولار على إنشاءها لتكون المأمن الإستراتيجي لها . هذه الدولة القائمة اساساً على دعم السياسة الأمريكية لا يمكن لها ان تشكل عوناً على خروج الأمريكان من العراق . اللهم إلا إذا تم ذلك عبر الخطة التي وضعتها السياسة الأمريكية بالتعاون مع الحكومة القطرية التي اوعزت إلى المحطة الفضائية الأمريكية القطرية الجزيرة ان تنشط في مجال الدعوة لإخراج القوات الأمريكية من المنطقة العربية ، لا حباً في جلاء الجيوش الأجنبية عنها ، بل ولتتمركز هذه الجيوش في قاعدة " العديد " كي يصبح لدولة قطر الثقل الأكبر في توطيد السياسة الأمريكية في المنطقة . وهذا ما حدث بالفعل حيث توقفت محطة الجزبرة الفضائية عن ترديد هذا الطلب بعد أن تحقق ذلك وانتقلت القوات الأمريكية في الخليج إلى القاعدة الأمريكية في قطر .

ملخص القول يستطيع اي جاهل في السياسة ان يستنتج بانه لا أمل من دول الخليج كافة لتلعب أي دور جدي في التصدي للإحتلال الأمريكي لا في العراق ولا في المواقع الأخرى من المنطقة العربية التي تتواجد عليها القواعد العسكرية الأمريكية .

أما بالنسبة للكيانات القمعية في كل من ليبيا وسوريا واليمن والأردن فإنها تفتش الآن عن مخارج لها من ورطتها التي اوقعتها فيها الهبة الشعبية التي ستطيح بها حتماً . لذلك فإن مناشدة صاحبنا السياسي العراقي لها لمساعدته على الخلاص من الإحتلال الأمريكي ، كما يدعي ، ستجعله يتلق الجواب العراقي " أنا ابياحال وانت تلوم بيَّ " . أي ان مناشدته لها ، إن صدق فيما يدعي ، ستكون مدعاة للهزل من قبل الجبابرة القائمين لحد الآن على امور هذه الدول العربية أنفسهم قبل غيرهم . هذا بالإضافة إلى أنهم ينشدون في هذه الأزمة الخانقة التي تمر بهم رضى السياسة الأمريكية التي بدأت تخطط لإستبدالهم حيث إنتفت الحاجة منهم ، كما إنتفت من قبل من جرذ العوجة المقبور.

أما مصر صاحبة الثقل الكبير في السياسة العربية الإقليمية والعالمية والتي كانت ولا زالت تعيش على المساعدات الأمريكية وعلى ملايين الدولارات التي تضخها الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً لدعم الإقتصاد المصري المتهرئ ، فإنها حتى بعد التغيير السياسي الذي حصل فيها لا تزال تتصارع مع الوضع القائم مع هذا التغيير الذي نشأ بعد عقود من الحكم الفردي . إن مصر الجديدة لا يمكنها ان تستغني عن الدعم الأمريكي ، خاصة بعد أن ساهمت أمريكا نفسها بالدعوة إلى هذا التغيير عبر التصريحات التي تكررت على لسان مسؤوليها بعد أن إشتد خناق الثورة الشعبية المصرية على حسني وبارك وحزبه وجلاوزته. فكيف يريد هذا السياسي العراقي المخضرم ان يطلب من مصر أن تساعده على إنهاء الإحتلال الأمريكي للعراق قبل أن تجابه مصر وساستها الجدد طلبه هذا بالمقولة التي يكررها المصريون في مثل هذه المناسبات والقائلة " صح النوم يا باشا "

مَن من الدول العربية الأخرى التي ستساهم في كومة القمامة هذه يمكن مناشدته إذن لكي يساعد العراق من التخلص من الإحتلال الأمريكي .إذ لم يبق لدينا سوى تونس التي تمر الآن بنفس المرحلة التي تمر بها مصر الآن . ومع ذلك فإن تونس لا ثقل لها يمكن الإعتماد عليه في التأثير على الساحة السياسية العراقية ، حتى وإن لم تكن مشغولة بوضعها الذاتي في الوقت الحاضر .

أما الجزائر التي تمر في نفس الأزمة السياسية في الوقت الحاضر والتي تسعى حكومتها إلى عمل كل ما يمكن عمله لتمديد بقاءها على رأس السلطة ، فهي بذلك احوج ما تكون إلى الدعم الأمريكي الذي يجب ان تثبت له بأن دورها في تحقيق المصالح الغربية في المنطقة سيظل دوراً فاعلاً بالرغم من التغيرات السياسية والثورات الجماهيرية التي تجتاح المنطقة في الوقت الحاضر .

أما الكيانات الحاكمة في السودان والصومال وارتيريا وما شابه ذلك من الكيانات الهزيلة التي لا حول لها ولا قوة في إدارة شؤونها الذاتية ، فلا قدرة لها ايضاً ان تتفوه بعبارات حتى وإن كانت خجولة جداً أمام السياسة الأمريكية التي تتحكم بها بشكل مباشر وغير مباشر سلباً وإيجاباً منذ عقود عديدة من تنفيذ السياسة الأمريكية في القارة الأفريقية .

لا يسعنا في هذا الطرح إلا ان نقدم النصح لمثل هؤلاء الساسة الفقراء إلى أبجدية السياسة بأن يؤمنوا بفشلهم ويقروا بقصورهم في هذا الحقل الذي لم ينجحوا فيه طيلة السنوات الثمان التي وضعهم فيها الإحتلال الأمريكي في هذه المواقع السياسية الحساسة التي لم تجلب للعراق والعراقيين غير البلاء والشقاء الذي تحقق تحت حراب طائفيتهم ومليشاتهم ومحاصصاتهم ، وإن يكفوا عن اللعب على الذقون فحبل الكذب قصير وقصير جداً .



 

free web counter