| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

السبت 18/7/ 2009



مِن هالمال ... حَمْل إجمال

د. صادق إطيمش
 
الحكام العرب القابعون على كراسي الحكم منذ عقود من الزمن ، لم يكتفوا بهذا التصرف الدكتاتوري البغيض الذي مارسوه على شعوبهم طيلة مدة تحكمهم برقاب هذه الشعوب ، بل ان الكثير منهم يفكر بأن لا يترك فراغاً بعد رحيله ، فهيأوا أولادهم لهذه الممالك العربية الجديدة التي بدأها حافظ الأسد فحقق ما أراد ويُهيئ لها الآن حسني مبارك وعلي عبد الله صالح والقذافي وغيرهم ، ونرجوا لهم ان يكون نصيبهم من ذلك كنصيب الجرذ العراقي المقبور الذي خطط لهذا الأمر ايضاً .

إلا أن هؤلاء الحكام قد يعلمون ويضمرون أو لا يعلمون فلا يخجلون بانهم بتصرفاتهم هذه وغيرها من التصرفات البدائية قد أصبحوا مهزلة في المحافل الدولية ونكتة المجالس الدبلوماسية العالمية التي لا ترى فيهم غير سماسرة يجري شراء تسلطهم على مقدرات هذه الشعوب بالمبالغ الطائلة التي تُدفع لهم ولعلوائلهم ومعاونيهم ليجعلوا الموارد الطبيعية والخيرات التي في بلدانهم تحت تصرف هذه الشركة المتعددة الجنسيات أو تلك بغض النظر عن البلد الذي تنتمي إليه هذه الشركة أو أي إعتبار آخر ، المهم في الأمر ان تكون حسابات هؤلاء الحكام في البنوك العالمية مضمونه وتتكاثر باستمرار .

ولم ينفرد الحكام العرب فقط بمثل هذه التصرفات والتصريحات المخجلة التي يخرجون بها على العالم بين الحين والحين ، بل إشترك معهم في ذلك بعض حكام ما يسمى بالدول الإسلامية ، والنموذج الأمثل في هذا المجال أحمدي نجاد رئيس جمهورية ولاية الفقيه الثيوقراطية الدكتاتورية . ولكن قبل ان نتطرق إلى مواقف هذا الإنسان نحاول الإطلاع على بعض المهازل التي أعدها لنا بعض الحكام العرب وعلى رأسهم العقيد قائد ثورة الفاتح من سبتمبر في الجماهيرية العربية الليبية الديمقراطية الشعبية الإشتراكية العظمى . لقد صرح هذا القائد الفطحل قبل أيام بتصريح لا يدعو إلا إلى الضحك فعلاً ، وقد أصبح كذلك في معظم المحافل الدولية التي تناولته . لقد صرح هذا الرجل بانه سيتقدم بطلب إلى هيئة الأمم المتحدة لإتخاذ قرار بحل الدولة السويسرية وتقسيم الأقاليم ( الكانتونات ) التي تتكون منها هذه الدولة بين ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ، لأن سويسرا تدعم الإرهاب الدولي كما يعتقد صاحب جريمة لوكربي وجرائم قتل أفراد المعارضة الليبية في الخارج وجملة من جرائم الإرهاب الأخرى التي إرتكبها هذا النظام المتخلف . طلب غريب عجيب ينم عن الجهل المطبق بآلية العمل في هيئة الأمم المتحدة التي لا يقع ضمن واجباتها البتة تكوين أو إلغاء الدول وإنما ألإعتراف أو عدم الإعتراف بالكيانات والدول التي تتكون حديثاً لأي سبب من الأسباب . ولكن لماذا يدعو هذا القائد الفذ الذي يترأس الآن الوحدة الورقية للقارة المسكينة أفريقيا التي أُبتليت بهذه الإمعات...؟ لهذا الرجل وعائلته حساب قديم مع سويسرا يعود تاريخه إلى العام الماضي حيث ألقت الشرطة السويسرية القبض على إبن القذافي هانيبال وزوجته في أحد الفنادق في جنيف وذلك بسبب الشكوى التي تقدم بها بعض العاملين في الفندق على هانيبال وزوجته اللذان إعتديا بالضرب والشتم على هؤلاء العاملين . وقد أُحيلا إلى التحقيق بعد أن تم إحتجازهما في مراكز الشرطة السويسرية لمدة يومين ثم أُخلي سبيلهما وذلك بسبب سحب الدعوة التي تقدم بها المشتكون حيث تم الإتفاق بينهم وبين السفارة الليبية في سويسرا التي تدخلت في الأمر فوراً وقدمت التعويضات المالية للمُعتَدى عليهم شريطة أن يسحبا الشكوى المقدمة ضد الليث القذافي المغوار الذي يسلك مسلك شذاذ الآفاق ويتصرف تصرفات المتهورين أينما حل داخل وخارج وطنه . هذا هو أساس هذه الحملة العدائية التي يشنها معمر القذافي اليوم على الدولة السويسرية مطالباً بحلها حيث أنها عكرت مزاج ولي العهد الثاني ، إذ أن ولي العهد الأول هو سيف ألإسلام الذي يتهيأ الآن لإستلام حكم جمهورية المملكة الليبية ، ولا ندري هل ستظل في عهده أيضاً عربية ليبية شعبية إشتراكية ديمقراطية عظمى أم ستكتسب لقباً إضافياً آخر...؟ في الحقيقة لا يمكن لأي عربي يقرأ أو يسمع تعليقات وسائل الإعلام العالمية حول هذا الموضوع إلا أن يخجل من إشتراكه مع هذا الرجل بالإنتساب إلى قومية أو دين أو حتى إلى الجنس البشري على العموم ، إذ أن فكراً وتفكيراً كهذا لا يمكن أن يمر عليه الإنسان مر الكرام واعتباره هفوة طارئة أو زلة لسان . إنه ينم عن بدائية التفكير المنطلق من التوجهات العشائرية والتصرفات الصبيانية التي لا تليق برئيس دولة يريد لدولته ان تتعامل معها الدول الأخرى من منطلق التكافؤ المتبادل . لقد كان المفروض والمنطقي أن يبادر هذا الزعيم العبقري جداً إلى شكر الحكومة السويسرية التي قبلت بمبدأ المصالحة ولم تتخذ إجراءات قانونية أخرى ضد المعتدين ، إذ أن مجرد دفع التعويضات المالية من قبل السفارة الليبية إلى المُعتَدى عليهم للتنازل عن الشكوى هو بحد ذاته إعتراف بتورط هانيبال القذافي وزوجته في هذا الأمر . إلا أن النهج العشائري والفكر المتخلف لآل القذافي لم يسعفهم إلا بمنطق الثأر الذي يريد به القائد الملهم إلغاء دولة بكاملها لأنها لم تتساهل في كبح جماح وتصرفات إبنه المتهور . ومن الجانب الآخر فقد أوعز القائد القذافي إلى أجهزته الأمنية باختلاق الأسباب والحجج لحجز أصحاب الأعمال السويسرين الذين جاءوا بطلب من الحكومة الليبية ذاتها للمساهمة في إنجاز بعض المشاريع التي تقوم بها بعض الشركات السويسرية في الجمهورية العظمى وعدم السماح لهم بمغادرة هذه الجمهورية الكئيبة ، وهذه هي سمة أخرى من سمات العروبة المضيافة التي يتبجح بها العقيد .

أما الفطحل الآخر أحمدي نجاد فقد أضحك العالم هو الآخر حينما يتكلم هو بالذات عن الديمقراطية ، ودماء شهداء إنتفاضة الإنتخابات الرئاسية التي جرت في منتصف الشهر الماضي لم تجف بعد . دماء الشباب التي هدرتها القوات القمعية لنظامه الدكتاتوري البغيض لأنها أرادت بمظاهراتها العارمة التي إشترك فيها عشرات الآلاف ، لا بضعة أنفار كما يدعي أحمدي نجاد ، أن تعترض على نتائج الإنتخابات التي أتت به لدورة رئاسية ثانية . فإن لم يكن حق التظاهر من الحقوق الأساسية التي تمارسها الشعوب للتعبير عما تريده من القائمين على أمور الدولة في القرن الحادي والعشرين من تاريخ البشرية ويشكل ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية ، فكيف يفهم هذا الذي لا يختلف بتصرفاته عن أي دكتاتور متهور آخر مصطلح الديمقراطية وأساليب تطبيقه...؟ لقد جاءت هذه التصريحات في حديث توجه به أحمدي نجاد إلى مجلس الأمن الدولي طالباً فيه إصدار قرار لإدانة ألمانيا واتخاذ الإجراءات لتطبيق عقوبات المقاطعة ضدها وذلك بسبب جريمة القتل التي تعرضت لها السيدة المصرية مروة الشربيني التي كانت حاملاً أيضاً وقت إرتكاب الجريمة في إحدى المحاكم في مدينة دريزدن ألألمانية . لا اريد هنا الدفاع عن الحكومة الألمانية والنظام السائد فيها وشعب ألمانيا الذي جاء بهذه الحكومة فعلاَ لا تهوراً. إلا أن هناك حقائق يجب ان لا يقفز عليها أي إنسان يحكم ضميره ، خاصة فيما يتعلق بهذه الجريمة البشعة . لقد عبرت الحكومة الألمانية عن إستنكارها لهذه الجريمة رسمياً وإعلامياً وعلى مختلف الأصعدة الدولية وأعلى مستوياتها وذلك من خلال اللقاء الذي جرى بين رئيس جمهورية مصر والمستشارة الألمانية في إيطاليا في ألأسبوع الماضي . كما خرج الشعب الألماني بمظاهرة عارمة في المدينة التي وقعت فيها الجريمة وضمت الآلاف من المواطنين ومن ممثلي الأحزاب السياسية وفي مقدمتهم رئيس الحزب الإجتماعي الديمقراطي المشارك في الحكومة الإتحادية الحالية والتي عبرت عن سخطها وشجبها لهذا العمل الإجرامي . إضافة إلى ذلك أصدرت مجموعات مختلفة من المنظمات غير الحكومية بيانات شجب واستنكار وإدانة لهذه الجريمة . لقد جرى كل ذلك بالنظر لوجود بعد سياسي لهذه الجريمة ، وهذا ما يستعصي فهمه على عقلية ضامرة كعقلية أحمدي نجاد . لقد إعتبرت الحكومة الألمانية والشعب الألماني بكل أحزابه ومنظماته بأن وراء هذه الجريمة ،التي جرت نتيجة لتصرف فردي ولم تكن نتيجة لتدبير من جهة سياسية معينة ، أغراض سياسية فعلاً حيث أنها عبرت عن إنعكاس للفكر المعادي لوجود ألأجانب في ألمانيا ، هذا الفكر الذي ينتمي إليه مرتكب هذه الجريمة حسب ما جاء في التقارير الصادرة حول هذا الموضوع . وهذا ما لا يفهمه أحمدي نجاد حينما لا يفرق بين هذا الفكر ومَن ينتمي إليه وبين ما يفكر به الشعب الألماني على العموم بالنسبة لوجود الأجانب في هذا البلد . إن مرتكب الجريمة هذا ، أيها الرئيس ، هو من المجموعات التي تدافع عنها أنت في تهريجاتك حول إنكار جرائم النازية الألمانية التي إرتكبتها ضد الشيوعين والديمقراطين والإشتراكين واليهود والتي راح ضحيتها عشرات الملايين في أوربا . إن إنكارك لجرائم النازية الذي أقل ما يقال عنه بأنه جهل مطبق بالتاريخ العالمي يقودك إلى مثل هذه التخرصات ضد دولة وشعب يضمان الملايين من الأجانب ويحاولان توفير أكثر ما يمكن من وسائل الحياة السلمية بين مختلف المواطنين في هذا البلد الذي يضم أكثر من ثمانين مليون إنسان . إن المجرم هذا يمثل الفكر النازي الذي يدعو إلى إخراج الأجانب من ألمانيا والذي يدبر وينفذ الإعتداءات على أرواح وممتلكات الأجانب والذي يواجهه القانون الألماني بكل حزم وصرامة ، في الوقت الذي تدافع أنت فيه عن هذا الفكر الإجرامي ولا تعترف بجرائمه ، وما هذه الجريمة إلا واحدة من جرائم أصدقائك النازيين ، وقد صدق المثل القائل " إن الطيور على أشكالها تقع " . إن هذه الجريمة هي إدانة لك ولأفكارك ولمن يسير في هذا النهج الذي تباركه يا سيادة الرئيس . فهل يستوعب دماغك هذا الطرح ...؟

الشعوب التي تعاني من وجود هكذا قادة على رأس الدولة تفتش عن الخلاص من نير الأنظمة الدكتاتورية التي لا ترحم ، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالإحتفاظ بالسلطة لعشرات السنين . وعلى هذا الأساس فإن الهجرة الجماعية التي تقود كثيراً من المواطنين القابعين تحت نير القمع الدكتاتوري ، خاصة في المحيطين العربي والإسلامي ، إلى مغادرة أوطانهم واللجوء إلى ما يسميه القذافي وأحمدي نجاد وبقية الجوقة ببلاد الكفر ، إن هذه الهجرة تولد المشاكل الإقتصادية والسياسية والإجتماعية داخل الدول المضيفة التي تحاول بدورها أن تجد لها الحلول التي لا تخلو من الثغرات والنواقص في هذا الجانب أو ذاك . إلا أن الطابع العام يظل الهدف الأساسي للتواجد المسالم بين القوميات والأديان المختلفة في البلد المضيف ، وألمانيا تحاول ان تنحى هذا المنحى أيضاً . وبالرغم من كل ما تتضمنه هذه المسيرة من عراقيل وصعوبات إلا أنها لا تتوانى أبداً عن التاكيد على عامل أساسي ضمن هذا التوجه إلا وهو عدم الظهور بالمظهر المعادي لوجود الأجانب بكل قومياتهم وأديانهم على أراضيها . وعلى هذا الأساس فإن إجراءاتها القانونية والتثقيفية والإعلامية ضد التوجهات النازية التي تسير على خط العداء للأجانب ومحاولات التخلص منهم بكل الوسائل الإجرامية ، إجراءات لها إنعكاساتها الإيجابية على الوضع السياسي العام الذي جعل الشعب الألماني يرفض النازية ويتصدى لكل توجهاتها ويقف بوجه جرائمها ، وهذا ما تعكسه صناديق الإنتخابات ، في الوقت الذي يبارك فيه الدكتاتور احمدي نجاد هذه الجرائم لا بل وينكر وجودها أصلاً . فمن الذي يجب أن يُعاقب ...؟ سؤال يطرحه كل من يُحكم عقله للإجابة على ما إقترحه مَن لا عقل له .


 

 

free web counter