| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الأحد 15/1/ 2006

 

 

 

الوصايا العشر للحكومة العراقية القادمة 

 

الدكتور صادق إطيمش

خلال السنين الثلاث التي مرت على وطننا العراق بعد سقوط البعثفاشية تكدست لدى الشعب العراقي, حكامآ ومحكومين, الكثير من الخِبَر والتجارب التي يمكن ألإستفادة منها لتغذية المسيرة القادمة بأفكار جديدة وإجراءات حصينة تختلف نوعآ ما عن تلك التي مورست خلال فترة السنين المنصرمة والتي أثبتت فشلها في مكافحة ألإرهاب والنهوض بالإقتصاد الوطني والتعجيل بإستقلال البلاد والقضاء على الفساد ألإداري ودرء الطائفية والتعجيل بإصلاح ما خربته البعثفاشية وتحقيق التطور الإداري الفدرالي الجديد ووضع الخطى الثابته على طريق التطور الديمقراطي البعيد عن الفوضى وتحقيق إستقلال القضاء وإنتشاله مع مؤسسات الدولة ألأخرى من إختراقات عصابات النظام المقبور والسير بالوطن على العموم نحو البناء الجديد سياسيآ وإقتصاديآ وثقافيآ .

إلوصية الأولى التي قد تُخرج الوطن من بعض براثن ألأزمة التي لازمته بعد التحرير من البعثفاشية المقيته نناشد فيها ذوي الشوكة من القادمين على حكم الناس أن لا يتحكموا برقاب الناس من خلال ألإخلال بمواد الدستور العراقي الجديد الذي يجب أن يكون الفيصل الوحيد بين الراعي والرعية . فلا حكم للدولة المدنية الحديثة إلا بنص ولا نص يسير بأمور هذه الدولة غير نص الدستور الذي لم تعطه الملايين صوتها, بالرغم من التحفظ على بعض فقراته , لتضعه كزينة على رفوف مكاتب الوزارات والمؤسسات الحكومية تتباهى بوجوده وتعمل على جموده . نريد هذا الدستور أن يشكل هاجسآ , مع المعذرة على إستعمال هذه المفردة , يهز كراسي الحاكمين كلما وأينما يُذكر, حتى تترسخ في أذهانهم دولة القانون التي يجب أن يضعونها فوق الحزب والعشيرة والمذهب والقومية.

الكل يتكلم عن إعادة إعمار البلد , والقليل من يعمل حقآ من أجل ذلك . السيدات والسادة القادمون على حكم البلاد والعباد أعلنوا من خلال ما يُسمى بالبرامج الإنتخابية التي طرحوها بالأمس عن نيتهم هذه أيضآ , إلا أن البلاد والعباد تخشى داء النسيان الخبيث الذي قد يُبتلى به بعض الناس حين وصولهم إلى كرسي الحكم فعلآ . مرض النسيان اللعين هذا نعيش آثاره اليوم من خلال تصرفات وطروحات معارضي النظام البعثفاشي بالأمس والحاكمين اليوم . فيا حكامنا الميامين الجدد , وصيتنا المخلصة الثانية لكم أن تنسوا كل شيء عند إستلامكم الكرسي الجديد ولكن لا تنسوا ثلاثة : توفير ألأمن والأمان للشعب والوطن, توفير الخدمات التي تُدخل شيئآ من البهجة إلى بيوت رعيتكم التي إنتخبتكم بالأمس , إذا كنتم تريدون لها أن تنتخبكم غدآ , وفتح قلوبكم وعقولكم لا فوهات بنادقكم ( الناصرية , كركوك مثلآ ) بوجه من يريد أن يقول لكم وعن نية صادقة ومخلصة ما يعينكم على أمور دنياكم ويسهل عليكم حكم البلاد والعباد .

إنكم تعلمون ولا شك , أيها السيدات والسادة القادمون إلى الحكم , أن إنجاز الوصية الثانية مرتبط بوجود جهاز إداري نظيف وشريف . ولقد سمعناكم جميعآ تتكلمون بهذه المفردات : ألإختراق ألأمني في الوزارات السيادية , الرشوة , المحسوبية , العشائرية , الحزبية والطائفية في المؤسسات الحكومية وإلى غير ذلك من مظاهر الفساد الإداري المستشري في كل مفاصل الدولة ولا أمل بإجتثاثه غدآ أو بعد غد . مهمتكم القادمة صعبة جدآ بلا شك في هذا المجال وصعوبتها تكمن بوصول بعضكم إلى كرسي الحكم عبر هذا الطريق الذي تدعون إلى التخلص منه . نصيحتي الرابعة لكم , حتى يصدق الناس مسعاكم في مكافحة الفساد ألإداري , أن تشيروا بتلك الأصابع البنفسجية إلى كل من قدم الرشاوي إلى الناخبين لينتخبوا هذه القائمة أو تلك , وإلى كل من قتل هذا ألإنسان العراقي أو أحرق ذلك المبنى ألحزبي لا لجرم بحق الشعب والوطن , بل بسبب ألإختلاف في وجهة النظر السياسية وبالتالي , وكنتيجة مننطقية , بالإنحياز لهذه القائمة ألإنتخابية أو تلك . وإلا كيف تريدون الناس أن يصدقوا أقوالكم في مكافحة الرشوة مثلآ وبعضكم قدم الرشوة بنفسه لناخبيه.......؟ أو أن يلجأ هذا البعض إلى ألإفتاء بشرعية ذلك أيضآ بإعتبار من يقدم الرشوة ليس بمرتشي على غرار ناقل الكفر ليس بكافر.....

الطامة الكبرى التي أبتلي بها الوطن بعد التخلص من العصابات الزيتونية هي ظهور عصابات بألوان أخرى يغلب عليها أللون ألأسود في أكثر ألأحيان . وليس اللون فقط هو الذي يميز هذه العصابات السائبة اليوم عن أخواتها التي كانت تروع الناس أيضآ بالأمس , أن عصابات اليوم تتعامل مع التاريخ ألإسلامي أكثر من تعاملها مع الفكر العقائدي الذي كانت تتبجح به عصابات البعثفاشية . فتمثلت في معظم نشاطاتها القمعية في طول البلاد وعرضها بذلك القائد العربي المسلم المعروف عمر بن العاص وجعلت من رفع المصاحف ديدنها الثابت بمناسبة أو بدونها تهزها بوجوه العباد متى شاءت وكأنها تحولت بقدرة هذه العصابات إلى سيوف تُشهر اليوم وتختفي غدآ حسب الطلب والمزاج . والغريب في ألأمر ان بين من سيأتي منكم إلى كرسي ألحكم أللعين هذا من يُشجع هذه الظاهرة وينفق عليها ويرعاها ويدافع عنها وكأنها إكسير حياته . وصيتنا ألأخرى لكم , أيها السيدات والسادة القادمون إلى حكم العراق , أن تعملوا على فك رموز هذه المعادلة : فأما دولة القانون أو ( حارة كلمن إيدو إلو)

لا أدري إذا ما وصل التشرذم الطائفي حد ألإشباع بعد أن تحقق كنتيجة إنتخابية لجميع من سعى إليه في السنين الثلاث الماضية , أو أن العراق لا زال يحتمل بعض ألأنفاس الطائفية التي لم تظهر لحد ألآن بالشدة التي يريد لها مروجوها . ربما يصعب على البعض منكم التخلي عن هذا النهج الذي أوصله إلى كرسي الحكم بالأمس ويرافقه على كرسيه هذا اليوم ويريد ألإستمرار به لعدم رغبته بالتخلي عن هذا الكرسي غدآ , إلا أنني وكل من يريد الخير والصلاح للبلاد والعباد لا زلنا نراهن على ما تبقى لديكم من الحنان الوطني نناشدكم بإعادة الهوية العراقية إلى رعيتكم , فنحن عراقيون أيها السيدات والسادة قبل أن نكون أي شيئ آخر, أعيدوا لنا هويتنا العراقية المفقودة يرحمكم ألله ,بسن القوانين وإصدار التعليمات التي تحد أو تمنع التفاضل الطائفي والإقتتال المذهبي والتمييز العرقي والتمحور العشائري .
تحقيق الهدف أعلاه مرتبط بمهمة صعبة ملقاة على عاتقكم ولا أحد يشك بصعوبة هذه المهمة التي تتطلب من بعضكم إيضاح موقعه في الدولة والمجتمع . يشعر المواطن العادي أحيانآ بالحيرة حينما لا يفرق بين رجل السياسة ورجل الدين . فبعض رجال السياسة ذوي المناصب الحساسة يتصرفون من موقعهم كسياسيين إلا أنهم يطلبون من الناس التعامل معهم والنظر إليهم كرجال دين . رجل ألدين يحظى بإحترام الناس وموقعه المتمثل بالوعظ والإرشاد يحظى بالتقدير لدى أهل العراق وليس هناك ما يدعو إلى التصدي لهذا النهج الوعظي والمجهود ألإرشادي طالما كان هدفه ألحكمة والموعظة الحسنه . أما إذا خرج علينا نفس الشخص هذا بإطروحات سياسية قابلة للنقد والتدقيق , خاضعة للقبول أو الرفض يتعرض من خلالها إلى نقض طروحاته وتخطأة توجهاته والتعامل معه كرجل سياسة , فعليه أن لا يلجأ لإدخال الدين في هذه المعمعة التي ورط نفسه بها . لذلك فإن المطلوب منكم , يا حكامنا الجدد للسنين ألأربع القادمة , أن لا تسمحوا بزج الدين الثابت المنهج والرؤى في متغيرات وتقلبات العرض والطلب السياسي وتعثراته اليومية , وبذلك ستقومون على حماية الدين والدولة .

الدول الحديثة تقوم على ديمومة حكم المؤسسات التي لا تتأثر بتغيير الحكام رؤساء كانوا أم وزراء . وبما أن هذا النوع من الحكم ظل غريبآ عن العراق في تاريخه الحديث , لذلك فإن وضع ألأسس السليمة لحكم كهذا سيكون من أولويات الحكومة العراقية القادمة . إن ذلك يعني , وبكل بساطة , التخلي تمامآ عن التطبيق السائد الآن في المجال الوظيفي والمعتمد أساسآ على مبدأ الأقربون أولى بالمعروف ,إبداله مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب قولآ وعملآ وبقناعة مخلصة بديمومة العمل المنهجي للمؤسسة , لا بجعل الوزارات والمؤسسات العامة تلبس زيآ اليوم لتخلعه غدآ .وصيتنا السابعة لكم أن لا تتماهلوا في وضع أللبنات ألأولى في أساس هذا الصرح الذي سيخلدكم فعلآ لو بدأتم به وتخليتم عن الحزبية والعشائرية والطائفية والمذهبية والتعصب القومي , لصالح العراق وإهل العراق فقط .

إحترام العمل والزمن وإرتباط ذلك بطبيعة ألإنتاج ألإجتماعي والتقدم العلمي والرقي المعاشي من أهم ألأسباب التي أوصلت الشعوب المتقدمة إلى ما هي عليه اليوم . إن مجمل ألإنتاج ألإجتماعي مرتبط بصورة أساسية بما يساهم به الفرد الواحد بجموع العملية ألإنتاجية . وهذا ألإنتاج الفردي لا يمكن أن يتحقق دون أن تتوفر القناعة التامة به وإنجازه في وقته المحدد الذي تفرضه العملية الإنتاجية العامة . فالفرد الواحد إذن وساعات إنتاجه اليومية تشكل جزءً من التعشيقة ألآلية التي تدير عجلة ألإنتاج بكاملها . إن ألإخلال بهذه الميكانيكية يؤدي إلى ألإخلال بجموع العملية ألإنتاجية وبالتالي إلى التراجع في وتيرة التقدم والبناء . لقد دأبت البعثفاشية في العقود الأربعة الماضية على تجاهل هذه الحقيقة . فالدعوات المتكررة لترك مواقع العمل والذهاب إلى المظاهرات المخابراتية والتجمعات الحزبية والإحتفالات الصبيانية كانت تشكل في الواقع إحتقارآ للعمل والوقت وإزدراءً بهما . الوصية التي لا مناص منها لحكومتنا الجديدة هي عدم التفريط بعاملي الوقت والعمل . التاريخ يسير دومآ إلى ألأمام والشعوب التي وعت أهمية هذين العاملين في حياتها تسير على هذا النهج الذي يحصد المجتمع كله ثماره اليانعة . حركة التاريخ لا تنظر إلى الوراء ولا تنتظر المتقاعسين .

نوصيكم ونطالبكم , يا حكام البلد الجدد , بعدم التساهل ولو بمقدار ذرّة مع قتلة الشعب العراقي والمجرمين بحقه مَن تقدم منهم ومن تأخر من مجرمي البعثفاشية والإرهاب القديم الجديد بشقيه السياسي والديني ونخص منهم بالذكررؤوسهم العفنة وقياداتهم القذرة . لا تتباطؤا ولأي سبب كان بتقديم هؤلاء إلى القضاء العادل إلا بإنحيازه إلى الشعب والوطن , وتنفيذ العقوبات التي يقررها هذا القضاء بهم فورآ , إذ أن ذلك سيكون جزءً من البلسم الذي تنتظره الجروح العميقة لأيتام المقابر الجماعية وذوي الشهيدات والشهداء ومحبي الوطن وأهله من الذين ذاقوا ويلات ومصائب هؤلاء المجرمين . كما أن مثل هذا ألإجراء سيكون لكم رصيدآ لا ينضب للإنتخابات القادمة .

الوصية التاسعة التي يجب ان تقترن بإجراءات حكومية لتفعيلها على الواقع العملي والتي أنصح الحكومة العراقية القادمة بإتخاذها هي إصدار قانون بمنع إستعمال الصوَر لتزيين المكاتب الرسمية او المحلات ذات الطابع العام رسمية كانت أو غير رسمية . والمقصود بالصور هنا ليس للأشخاص فقط , بل لكل ما يؤطَر بالحرف والصورة ليعكس فكرآ معينآ في محل له صفة العمومية سواءً أكان ذلك في مكتب حكومي أو محل تجاري عام أو منتزه أو شارع . لكل دولة شعار وعلَم , والمكاتب الرسمية تستطيع إستعمال الشعار أو العلم أو كليهما معآ إن رأت ضرورة وحاجة لذلك , وإلا فلا . أما أن تمتلئ المكاتب والمحلات العامة بخصوصيات هذا الطرف أو ذاك الحزب أو تلك الفئة وتوظف في تجارة السياسة اليومية لتتغيريومآ بعد آخر حسب مزاج أو إنتماء المسؤول عن هذه المواقع العامة, فذلك أمر بعيد جدآ عن الصفة الحيادية التي يجب أن تتوفر في بلد كالعراق الجديد ولا تتفق مع تنوعاته وأطيافه التي يدعي الكل الحرص عليها والعمل على إحترامها وعدم المساس بها . لقد عانى الشعب العراقي طويلآ جدآ من هذه الظاهرة التي كنتم , بالتأكيد , ترفضونها حينما كنتم تصطدمون بإسم الجرذ يطلق على هذه المدينة أو تلك المحلة أو ذلك المستشفى أو تلك المدرسة , أو بصور الجرذ على كل بقعة من أرض الوطن . رموزنا الدينية والسياسية والتاريخية هي موضع إحترام الناس وتقديرهم بالقناعة المتوفرة لدى كل شخص بأي من هذه الرموز وهي لا تُستحصل بالإجبار والإكراه , لذلك فإن التجارة بصور هذه الرموز لا يتناسب وموقعها القيادي . وتجارب التاريخ ترينا أن بروز هذه الظاهرة مرتبط , في أكثر الحالات , بظاهرة ألإفراط في دور الفرد ألذي قد يصل إلى السمو به فوق صفات البشر أحيانآ , خاصة إذا كان هذا الشخص لا يزال على قيد الحياة , ونسيان أو تجاهل دور الوطن وأهله . المناظر التي كنا نراها بالإمس في مدخل كل مدينة تتكرر اليوم على شاكلة أخرى.....فهل تستحق رموزنا الدينية والسياسية أن توضع اليوم في نفس هذه المواقع التي كان يحتلها قاتل الشعب العراقي بالأمس .......؟ وما ينطبق على الصور ينطبق أيضأ على الظاهرة الأخرى التي كانت هي ألأخرى من مميزات النظام البعثفاشي المجرم , ألا وهي إستعمال ألألقاب وإضفاءها على بعض الرموز وكأن الذي تغير هو ألأسم فقط . ألا يذكركم ترديد : ألسيد القائد حفظه ألله .....أمل ألأمة العربية والإسلامية..... منقذ العراق..... هذه ألأيام بشيئ مما كنتم قد سأمتموه قبلآ.....فكيف ترضون به اليوم.......؟ لذلك فإن هذه الوصية الخاتمة , كالوصايا التسع ألأخرى تتنتظر إهتمامكم بها والنظر إليها بعيون الوطن بعيدآ عن التشنج والتطرف , وإحترامآ لكل العراق أرضآ وشعبآ .

نرجو , وبكل إخلاص , أن يتحقق على أيديكم في السنين ألأربع القادمة بعض ما كان يتطلع إليه هذا الوطن وأهله .