| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الجمعة 15/2/ 2008



من فمك أُدينك يا أردوغان

د. صادق إطيمش

الزيارة التي قام بها رئيس وزراء تركيا إلى ألمانيا في ألأيام الماضية لم يكن الهدف ألأساسي منها مؤاساة عوائل ضحايا الحريق الذي حصل في إحدى العمارات التي تسكن فيها بعض العوائل التركية التي قدمت تسعة ضحايا بسبب هذا ألحادث ألأليم الذي حدث في مدينة لودفيجهافن والذي لم تُعرف أسبابه بعد حيث أن التحقيقات مستمرة في هذا ألأمر , بل للدعاية السياسية لحكومته وإجراءاتها القمعية والرجعية التي تمارسها هذه السلطة الشوفينية كاستمرار للسياسة التي دأبت عليها الحكومات السابقة و خاصة إذا ما تعلق ألأمر بالحريات القومية للشعوب ألأخرى في الدولة التركية التي مارست سياسة القمع القومي منذ أن تسلط العثمانيون باسم الدين على رقاب الشعوب التي سلختها هذه الدولة حتى العظم طيلة قرون تسلطها ولم تتوقف عنها حتى بعد أن إنهار الكيان العثماني, حيث لم تتوقف الدولة التركية الجديدة عن ممارسة سياستها الشوفينية هذه حتى في تاريخها الحديث الذي تحاول إضفاء صفة الحداثة عليه . وما الممارسات العنصرية التي مارستها الحكومات التي تعاقبت على الحكم في الدولة التركية الجديدة والتي تمارسها اليوم ضد الشعب الكوردي على أراضي كوردستان إلا واحدآ من ألأمثلة الصارخة على ذلك .

لقد وقف اردوغان خطيبآ في مدينة كولون ألألمانية ليحث الجالية التركية في ألمانياعلى الحفاظ على هويتها القومية وإلى رفض الإجراءات التي تقوم بها الحكومة ألألمانية لتسهيل إندماج الجالية التركية في المجتمع ألألماني واصفآ هذه ألإجراءات بأنها جريمة ضد ألإنسانية . لنحاول إلقاء نظرة سريعة على هذه الإجراءات ومقارنتها بالإجراءات التي تمارسها الحكومات التركية ضد الشعب الكوردي لنشير في نهاية المطاف إلى المجرم الحقيقي بحق ألإنسانية.

لا أريد هنا تحليل السياسة الألمانية المتعلقة بالأجانب القاطنين في ألمانيا بشكل دائمي أو شبه دائمي , خاصة بالنسبة للجاليات العمالية , فهذا حديث ذو شجون , حيث رافقت هذه السياسة الكثير من ألأخطاء والنواقص والهفوات التي أدت إلى الوضع الذي هي عليه ألآن والذي بدأت تشعر به الحكومة ألألمانية في السنين ألأخيرة وتعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه , وعلى هذا ألأساس جاءت ألإجراءات ألأخيرة التي إتخذتها الحكومة الألمانية لتسهيل ما تريد تحقيقه من خلق إمكانيات أكثر امام ألأجانب القاطنين بشكل دائمي في ألمانيا للإندماج في المجتمع ألألماني . إن الدعوة للإندماج ووضع الخطط الكفيلة بتسهيله ومن ثم تحقيقه بشكل مُرضي لم تتضمن أية إجراءات تدعو المعنيين من الأجانب , ألأتراك وغيرهم من الجنسيات ألأخرى , إلى التخلي عن هويتهم القومية أو ترك تراثهم الثقافي والذوبان في المجتمع الألماني . لم تكن هناك أية دعوة من هذا القبيل بتاتآ , ولو كان ألأمر كذلك لكانت منظمات المجتمع المدني وكافة القوى المؤمنة بحقوق ألإنسان في المجتمع ألألماني أول المتصدين لهكذا إجراءات . لقد تضمنت ألإجراءات الجديدة التي لا يزال معظمها في طور الإقتراحات والمناقشات مع الجاليات المعنية , وخاصة مع ممثلي الجالية التركية باعتبارها أكبر جالية أجنبية في ألمانيا , على عدد من الطروحات المرجو من وراء تحقيقها خلق جو من السلام والتآلف ألإجتماعي في الدولة الألمانية والوقوف بوجه التيار النازي الجديد الذي كشر عن أنيابه الفاشية بعد الوحدة ألألمانية , حيث شكل ألأجانب القاطنون في ألمانيا , وخاصة في القسم الشرقي منها , اكثر ضحاياه . إن أول هذه الطروحات هي تلك التي تدعو الجاليات وممثليها إلى العمل سوية سواءً في طرح ألأفكار المؤدية إلى تحقيق السلام ألإجتماعي أو في طريقة تنفيذها . أي مشاركة الجاليات نفسها في عملية التغيير الجديد , إنطلاقآ من أن تحقيق هذا الهدف لا يتم عبر شارع ذو ممر واحد , كما يجري التعبير عن ذلك أحيانآ . أما ألأطروحة ألأخرى فهي التي تتعلق بايجاد السبل الكفيلة لتسهيل حياة ألأجانب في المجتمع ألألماني سواءً من خلال فرص إيجاد العمل أو من خلال ألإختلاط اليومي والتعايش الثقافي بين الثقافات المختلفة , حيث أن ذلك لا يمكن أن يتم بشكل مُرضي دون تعلم اللغة السائدة في البلد وهي أللغة ألألمانية. لقد دعت الحكومة الألمانية كافة ألأجانب إلى ألإهتمام بتعلم أللغة ألألمانية ووضعت البرامج والخطط المؤدية إلى تحقيق ذلك , دون أن يكون هناك أي إجراء يعرقل إستمرارية ألأجنبي على ممارسة لغته أو تراثه أو تقاليده . لقد اوضحت كافة البيانات المتعلقة بهذا ألإجراء هدف ذلك والمتعلق بتسهيل مشاركة الأجانب في الحياة ألإقتصادية والثقافية والإجتماعية في المجتمع ألألماني والذي لا يمكن أن يتم دون تعلم لغة هذا المجتمع بشكل جيد . وكما أسلفنا فإن هذه الإجراءات التي لم يزل معظمها في طور الإقتراحات يجري العمل على إعدادها وبالتالي تنفيذها مع الجاليات نفسها وعن طريق الحوار المباشر بين ممثليها وممثلي الحكومة ألألمانية .

فأين هذه السياسة التي يرفضها السيد أردوغان زاعمآ أنها تدعو إلى إذابة القومية التركية في المجتمع ألألماني من سياسة الشوفينية التركية التي عملت ولا زالت تعمل على التنكر للحقوق القومية للشعوب والقوميات التي قذفت بها سياسة المحاصصات الدولية بعد إنهيار الدولة العثمانية في اتون النار العنصرية للحكومات التركية المتعاقبة والتي نشاهدها ونعيشها اليوم على أبشع صورها ضد الشعب الكوردي وتطلعاته القومية ؟ فحينما يدعو السيد أردوغان الجالية التركية في ألمانيا إلى الحفاظ على هويتها القومية وجعل اللغة التركية في ألمانيا لغتها ألأولى , فإنه يمارس في البلد الذي يقف على قمة السلطة فيه سياسة تتنكر للقومية الكوردية ولغتها ولتراثها وتاريخها الذي يمتد في جذور التاريخ باعماق لم تدركها السياسة العنصرية التركية . فالكورد من وجهة نظر هذه السياسة كانوا إلى عهد قريب أتراك الجبل الذ ين لا يحق لهم الإنتماء القومي بكل ممارساته الثقافية والإجتماعية والتاريخية , ولم يكن التخلي الشكلي عن هذه التسمية قد تبلور عن قناعة فكرية أو صحوة سياسية , بل جاء نتيجة لضغوطات دولية ارادت العنصرية التركية أن تستجيب لها لتحقيق هدف معين يتعلق ببناء علاقاتها المستقبلية بالإتحاد ألأوربي . لقد عملت السياسة العنصرية التركية وبشكل متعمد على إذابة الشعب الكوردي من خلال منع لغته وتقزيم تراثه والتنكر لحقوقه القومية والسياسية , هذه ألإجراءات التي يتهم فيها السيد أردوغان اليوم الحكومة ألألمانية بها وهو يعلم تمامآ أنها ليست كما تطرحها تصوراته المريضة التي يمارسها هو فعلآ ضد الشعب الكوردي في كوردستان . لقد وصف السيد أردوغان سياية إذابة قومية في قومية أخرى بأنها جريمة ضد ألإنسانية , وما ذلك إلا تحقيقآ لأركان الجرائم التي تمارسها العنصرية التركية ضد القومية الكوردية والقوميات ألأخرى , والإعتراف سيد ألأدلة .

 


 

Counters