| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                  الخميس  13 / 2 / 2014



البعثفاشية والإسلام السياسي وقاموسهما المشترك

د. صادق إطيمش 

حينما يمارس حزب ما او تنظيم معين نشاطاً سياسياً لمدة معينة من الزمن يثبت من خلالها الفشل المتكرر الذي يبعده عن قواعده اولاً ومن ثم عن مجموع الجماهير الشعبية ، نلاحظ لجوء مثل هذه الفئات إلى محاولات تحسين وجوهها التي بدت تزداد قبحاً كلما مر عليها الزمن وكلما إشتدت ممارساتها العبثية مع الناس في المواقع السياسية التي تتحكم بها .

وهذا ما جرى بالأمس مع دكتاتورية البعث حينما إستنفذت كل ما بجعبتها من وسائل " الجزرة والعصا " التي تعاملت بها مع المواطنين والتي كان معظمها على شكل عصا سببت كثيراً من المآسي والويلات ، إذ قليلاً ما كان الجزرة تُذكر في سياسة النظام الدكتاتوري الساقط .

وبعد أن قضت الدكتاتورية على كل المؤهلات العلمية والأدبية والفنية التي رفضت ان تسبح في تيار البعث النتن ، شعرت بسعة الفراغ الذي تركه هؤلاء حينما إضطروا لمغادرة الوطن او لملاقاة الموت في سجون النظام او الإنكفاء على انفسهم بعيدين عن اجواء " بعثيون وإن لم ينتموا " التي اطلقها الجرذ المقبور حينما شعر بمدى إبتعاد الناس عن هذا الحزب الذي حوله إلى تجمع لأفراد عائلته ورهطه المحيط به . وبعد ان تفننت دكتاتورية البعث المقيتة بالأساليب القمعية التي لجأت إليها لإجبار الناس على الإنتماء إلى هذا التنظيم المسخ .

لقد بدى للنظام الدكتاتوري البعثي وكأنه لا يستطيع تغطية ما يحتاجه البلد من مؤهلات علمية وأدبية وفنية وسياسية تدير شؤونه العامة وتلبي بعض متطلبات اهله في حياتهم اليومية .فلم يكن امامه إلا الزج بالإمعات الذليلة والشخصيات الهزيلة الذين " لم يعرفوا لون السماء لفرط ما انحنت الرقاب " كما وصفهم الجواهري الكبير ، ليقوموا بدور من يدير مؤسسات الدولة حتى ولو إنطبق عليهم المثل العراقي " إسمك بالحصاد ومنجلك مكسور " إذ انهم لا علم لهم إلا بقول " نعم سيدي " . إلا ان النظام فوجئ بحقيقة مرعبة تشير إلى ان كل هؤلاء الراكضين وراء سيدهم لا علم لهم بابسط الأمور ، وليس لا يملكون الكفاءة المهنية فقط ، بل انهم لا يملكون ابسط المؤهلات التي تضعهم في مثل هذه المناصب الهامة في الدولة . فما العمل إذن ؟ وهنا تسافلت افكار المفكرين من عصابة البعث لتلد مولوداً مشوهاً سمته " الإستحقاق الثوري ".

فما هو هذا الإستحقاق الثوري يا ترى ؟ إنه يعني بكل بساطة ان يوضع الخادم المناسب في مكان لا يمكنه فيه إلا ان يقول نعم لسيده الدكتاتور ورهط سيده من الأوباش فيستحق بذلك ان ينال لقباً علمياً او ادبياً او سياسياً يؤهله إجتماعياً لقيادة مؤسسة ما والتصرف بشؤونها حسب رغبة اولياء امره . ولتبرير وضع هذا او تلك في هذه المواقع الغير مؤهلين لها اصلاً جرى تفسير هذا الأمر على إعتبار ان مثل هؤلاء الأشخاص هم من الذين ناضلوا عشرات السنين في صفوف حزب البعث وان معطيات هذا النضال لم تسمح لهم بإكمال دراساتهم او تحصيلهم الثقافي والمهني وبذلك فإن قيادة الحزب والدولة إرتأت تكريم هؤلاء بمنحهم درجة الإستحقاق الثوري الذي يحق لهم بموجبه تبوء مناصب عليا في الدولة كأن يصبح نائب العريف في الجيش مثلاً زعيم ركن بين عشية وضحاها ، وإن يصبح العامل البسيط في مستشفى مديراً للإدارة والذاتية ، وإن يصبح مَن يتلكأ في قراءة القراءة الخلدونية مثلاً حاملاً لشهادة الماجستير في الأدب العربي ... وهكذا يستمر منح الألقاب والشهادات بغير وجه حق إستناداً إلى هذا الإستحقاق الذي أوجدته البعثفاشية وأدخلته في قاموسها تحت مفردة " ألإستحقاق الثوري " .

وبعد ان سقط البعث ودكتاتوريته في التاسع من حزيران عام 2003 كنا نعتقد بأن قاموس البعث هذا وكل ما يضمه من سيئات ذلك النظام الأسود قد مزقته الجماهير او إختفى عن الوجود على اقل تقدير . إلا انه تبين لنا بأن هذا القاموس محفوظ على رفوف الإسلام السياسي وبكل عناية كي يتبرك اهل هذا الإسلام بمفرداته بين الحين والآخر ولينهلوا من مضمونه ما يسهل عليهم امور دنياهم مع شعب يريد منهم ان يتصفوا بما يأمرهم به دينهم الذي يدعون الإنتماء إليه والتقيد بتعاليمه . إلا ان للضرورة احكام كما يقول دهاقنة هذا الإسلام وان الضرورات تبيح المحظورات كما يفسر لهم فقههم سرقة المال العام مثلاً او إعطاء الوعود الكاذبة للناس لكي يوصولهم إلى مواقع القرار في الدولة العراقية البائسة التي تزداد بؤساً كل يوم يمر عليها وهم على قمة المسؤولية فيها . او تحليل الرشاوي الإنتخابية بالبطانيات والشيكات شتاءً وبالثلاجات والمراوح صيفاً وهكذا . ولم تكن هذه " الهدايا " إلا إنعكاساً " لمكارم القائد " التي كان يخرج على الناس بها كلما تشتد الأزمة على نظامه . الفارق الوحيد بين هذه المكرمات والرشاوي الإسلاموية هي ان هذه الرشاوي لا تدفع بسبب الأزمات ، إذ ان ازمات هذا الشعب والوطن بوجودهم مستديمة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، بل انهم يدفعونها في مواسم الإنتخابات بحيث يجري اولاً تقييم هذه الإنتخابات . فإن كانت برلمانية فحسابها يكون اقوى وأكثر فتكون " مكارم القادة " ، الذين تكاثروا بالإنشطار ، في هذه الحالة ادسم وشدات نقودها اثخن . اما إذا كانت إنتخابات لمجالس المحافظات فلها حساب آخر وهكذا .

عفواً فقد خرجنا عن موضوعنا الأصلي الذي اردنا من خلاله تبيان ما تستفيد منه احزاب الإسلام السياسي من قاموس حزب البعث في تفعيل بعض المفردات حسب الوقت والحاجة . وقد ظهرت هذه الحاجة قبل ايام حينما صادق (الشعب يسميه الآن مجلس النهاب ـ مبروك ـ ) على قانون التقاعد الذي وصفوه بالموَحَد وضمنوه مادة من قاموس البعث بعد ان أجروا بعض التغيير في مفردة الإستحقاق الثوري ليصبح نصها الجديد الخدمة الجهادية . مفردة قد تكون غريبة على اسماع الكثيرين من بنات وابناء هذا الشعب الذي لا يسعفه الوقت لهضم كثيراً من المفردات التي يصطدم بها يومياً منذ عشر سنوات مثل الگوامة ، والصكاك ، والدفتر والشدة ، ورِّق ... وما شابه .
كثير من يعلم طبعاً ماذا يعني الجهاد الذي وضعه علماء الدين في قسمين مهمين اولهما جهاد النفس ومغرياتها الكثيرة في هذه الدنيا والتي تصد المؤمن عن إتباع تعاليم دينه حتى ان البعض اطلق على هذا النوع من الجهاد : الجهاد الأكبر . والجهاد الذي يمارسه المؤمن بعد إعلانه من قِبَل ذوي الشأن في الدين دفاعاً عن الدين حينما يتعرض لما قد يؤدي به إلى عواقب غير حميدة لا يرضاها المؤمن لدينه . وكلا الجهادين يُصَنَف على انه من العبادات التي يقتنع المؤمن بممارستها لا يريد من وراءها جزاءً ولا شكوراً في هذه الدنيا الفانية ، بل ان كل ما يرجوه من يمارس هذا الجهاد او ذاك هو ان يلقى ربه يوم حشره بقلب سليم . هل هذا صحيح ام لا يا اهل الحل والعقد في احزاب الإسلام السياسي ؟ فإن كان صحيحاً فكيف تخالفونه بوضع ثمن لهذا الجهاد في هذه الدنيا ؟ ومَن اعلن عن هذا الجهاد .. ومتى تم ذلك ؟ وإن كان خطأً فما هو التعريف الصحيح للجهاد اثابكم الله ؟ ولكن لنتوقف قليلاً ونتفحص كثيراً هل ان المعنيين بالخدمة الجهادية تنطبق عليهم مفردة الجهاد في القاموس الإسلامي او مفردة القاموس البعثي؟

لقد اثبتت لنا الوقائع في العقد الماضي من زمن التدهور العراقي ان بعض القائمين على شؤون البلاد والعباد هم ممن كانوا خارج الوطن في فترات متفاوتة من حكم دكتاتورية البعث . فإن كان الوجود خارج الوطن فقط هو العامل الحاسم في تحديد هذا النوع من الجهاد فإن المنطق يقول بأن جميع من كانوا خارج الوطن هم من المجاهدين الذين يشملهم هذا القانون وليس النائب الناهب فقط . فان كان الأمر كذلك ، ايها الموقعون على هذا القانون، وقد وقعتم عليه جميعاً فلا تزيدوننا كذباً على كذبكم في السنين العشر ونيف الماضية ، فهذا يعني ان من حق اي مواطن كان خارج الوطن ، بغض النظر عن موقفه من النظام ، هو مجاهد في نظركم ، وكل من لم يكن كذلك فلا تشمله مفردة الجهاد هذه ولا يستحق اي شيئ على ما لاقاه في كل فترات حروب البعث العبثية او في فترة الحصار القاتلة التي مر بها الشعب العراقي . كما ان قانونكم هذا لا يشمل كل من كان داخل الوطن وقاتل فعلاً ضد دكتاتورية البعث . أما ان تخصصوا مكرمتكم هذه لمجلس النوام ( نعم النوام ، وليس خطأً مطبعياً ) فإن ذلك لا يدل إلا على قبحكم وسوء سريرتكم واستمراركم مع سبق الإصرار على الكذب على الناس والإستهانة بمشاعرهم والإصرار على مواصلة سرقة خيرات هذا البلد وثروات اهله.

ولكن هل هذا هو كل ما نهله الإسلام السياسي من قاموس البعثفاشية المقيتة ؟ بالتأكيد لا .فالإسلام السياسي تبنى وبدون خجل ايضاً إطروحة دكتاتورية البعث في تدني التعليم عندما فرض المكافئات بالدرجات الإمتحانية والمعدلات السنوية للطلاب والطالبات بنفس الحجة الواهية المستلة من قاموس البعثفاشية والمتعلقة بالإستحقاق الثوري الذي تحول في لغة الإسلام السياسي إلى إستحقاق جهادي حتى إزدادت عمقاً الهوة السوداء التي وقع فيها التعليم في وطننا بحيث جعل من الفاشلين والجهلة مَن يدير العملية التعليمية ولكن بفكر اجوف لم يتوان عن وصف الجهاز التعليمي ب ( كلهم مطايا ) ، فوضع نفسه بذلك في موضع المطي القائد لكل هؤلاء الذين نعتهم بهذا النعت . ومثل هذا النوع من الحمير القائدة يسميه الناس في العراق المنكوب ( مطي شِهري ).

أما مواضيع الإنشاء في درس اللغة العربية وحتى في الإمتحانات العامة للصفوف المنتهية فهذه من المستلات الشهيرة التي تلقفها فقه ونهج الإسلام السياسي من قاموس البعثفاشية المقيتة . فلقد تركزت مواضيع الإنشاء في ذلك العهد الأسود على مواضيع الحزب ، الثورة ، القائد الضرورة ، شعارات الحزب وهكذا جرى توظيف هذه المهازل في البرامج التعليمية ومن ثم في الإمتحانات . ولم يغير الإسلام السياسي إلا في نصوص هذه المواضيع وليس في نهجها المفضي إلى وضع التعليم في زاوية هذا الإسلام الذي تبين بعدئذ بانه يسعى إلى الطائفية المنبوذة والإنتقاص من حق الآخر الذي لا يتفق معه في الرأي ولا يشاطره في هذا التوجه .

التشابه في النهج كثير وكثير جداً بين مفردات الإسلام السياسي ومفردات دكتاتورية البعث ، وإن إختلفت صياغة هذه المفردات التي إستندت إلى فكر البعث الشوفيني بالأمس وإلى فكر الإسلام السياسي المتخلف اليوم .
 

free web counter