| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                  الخميس 13 / 6 / 2013



من حُلقت لحية جار له فاليسكب الماء على لحيته

د. صادق إطيمش 

هذا المثل الشائع ينطبق اليوم على النظام الجائر الفاشل في تركيا بعد ان طبل وزمر هذا النظام لتجربته التي إعتبرها رائدة بين النظم الدكتاتورية السائدة في المنطقة ، حيث تواجه هذه التجربة اليوم مقاومة ضارية من الشعب التركي الذي سكت طويلاً عى تصرفات هذه الفئة الحاكمة في تركيا والتي ارادت من توظيف ألإسلام السياسي على النمط التركي واجهة لتأسيس الدولة الدينية التي كانت ولا زالت ضمن الأهداف التي يسعى حزب العدالة والتنمية التركي تطبيقها في هذه الدولة التي تبنت أسس الدولة العلمانية بالرغم من كل الثغرات التي رافقت هذه الأسس والتي ابعدتها شيئاً فشيئاً عن المفهوم العلمي للعلمانية والتي ساهم حزب اردوغان في المسير باتجاهه لجر هذه الدولة إلى هاوية الدولة الدينية .

لقد تبنى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا خط الإسلام السياسي بعد ان وضع عليه بعض الترقيعات المؤسساتية . الإسلام السياسي بمفهومه الحديث الذي تبلور بعد تشكيل حركة ألأخوان المسلمين في عشرينات القرن الماضي خاض تجارب عديدة في مناطق مختلفة من العالم أراد من خلالها تحقيق هدفه ألأساسي المتمثل بالدولة الدينية . لقد إختلفت الرؤى وتعددت المفاهيم حول ماهية هذه الدولة بعد أن إختلفت وتعددت التنظيمات التي إنسلخت عن التنظيم ألأم في مصر وبعد أن برزت أحزاب وتنظيمات في المجتمعات الإسلامية وضع كل منها برامجه وتصوراته حول المحور الذي ترتكز عليه هذه الدولة والذي لم يتجاوز الدين الإسلامي الذي فسره كل على هواه ووظفه كل على ما يرى فيه من تحقيق لمآربه السياسية أو نزواته الشخصية أو الحزبية التي كثيرآ ما إبتعدت عن جوهر الدين وتعاليمه الحقيقية . لقد أثبتت هذه التجارب الدينية جميعآ وبدون إستثناء بأنها غير مؤهلة لتحقيق النظم السياسية التي يمكنها التعامل مع الواقع اليومي الذي يمر به العالم اليوم ، ناهيك عن التجاوب مع طموحات الجماهير التي تريد التجمعات الدينية المختلفة المتخلفة التحكم بها من خلال فرض مفهومها للدين عبر قوانين بدائية جائرة تتناقض والفكر الديني الذي يدعو إلى تحقيق القناعة بالنص الديني والعمل به ضمن الضوابط التي تحققها هذه القناعة . فالجماعات الإسلامية جعلت من حقول تجاربها مناطق تعيش ضمن الخصوصية التي إكتشفها على حين غرة دهاقنة الخطاب الديني فأثبتوا بذلك مدى تخلف خطابهم الذي جاء بفشل تجاربهم هذه كحصيلة حاصل لتوظيف الدين وإستغلاله.

لقد فشلت مشاريع الدولة الدينية هذه واحداً بعد الآخر مما يجدر بنا القول بأن نموذجهم الأخير الذي ظلوا يتباهون به دوماً والمتمثل بالدولة التركية يسير اليوم نحو السقوط الذي سبقه إليه الإنهيار الذي لحق بقوى الإسلام السياسي وأحزابها ونظمها في المناطق الذي تواجد عليها .

سنحاول التطرق لبعض هذه المشاريع الفاشلة لا لتعليل ومناقشة أسباب فشلها , إذ أن مثل هذا ألأمر لا يحتاج إلى جهد وعناء للوقوف على هذه ألأسباب التي لا تتعدى التجارة بالدين التي مارسها تجار يجهلون ماهية البضاعة التي يتاجرون بها ، بل لنرى حتمية هذا الفشل التي صاحبت هذه المشاريع بالرغم من تباين المنطلقات والتوجهات في توظيف الدين لتحقيق النظام السياسي الذي يتطلع إليه منفذو هذه المشاريع.

ولتوضيح الفكرة أكثر نحاول مناقشتها من زوايا مختلفة حسب القناعات التي فرضتهاالجماعات الدينية المختلفة محاولة تطبيقها على الواقع العملي كنظام سياسي . فلقد لعب الإنتماء المذهبي لأحد المذهبين الكبريين في الدين الإسلامي , المذهب السني ، بجميع مدارسه وتشعباته ، الذي يمثل الغالبية العظمى من التعداد السكاني ألإسلامي العالمي والمذهب الشيعي ، الذي تشعب هو الآخر، والذي يمثل الأقلية الواضحة بين مسلمي ألأرض كافة ، لعبت هذه الإنتماءات دورآ أساسيآ في تحديد معالم النظام ألإسلامي الذي تبنته وعملت على تحقيقه القوى المنضوية تحت هذه الإنتماءات وفي أماكن مختلفة من مناطق ألإنتشار السكاني ألإسلامي . وربما نستطيع القول " رُبَّ ضارة نافعة " حينما نرى فشل جميع هذه التجارب ، إذا ما أخذنا بالمفاهيم العالمية الحديثة لتحديد الفشل والنجاح لأي نظام سياسي في عالم القرن الحادي والعشرين .

فقد قامت دولة الطالبان في أفغانستان كدولة لها توجهاتها الدينية الإسلامية ضمن الثوابت السُنية التي تنطلق منها هذه الجماعة والتي جعلت منها نظامآ سياسيآ لا يمكن وصفه ، من خلال ما حققه طيلة سنين تسلطه على رقاب الشعب الأفغاني ، إلا بالهمجية والبدائية التي عطلت قدرات وقابليات هذا الشعب الذي بدى للعالم وكأنه يعيش في غياهب قرون ما قبل التاريخ . لقد كان سقوط هذا النظام الإسلامي السُني على يد من أقاموه ومولوه كنتيجة حتمية لإنتهاء دوره الذي وضعه له مؤسسوه في محاربة الشيوعية في المنطقة إنطلاقآ من محاربة التدخل السوفيتي في أفغانستان آنذاك أولآ، ولعدم إستطاعة هذه القوى التي جاءت بهذا النظام ترويض وتجميل الهمجية التي واكبت جميع تصرفاته واقترنت بجميع قراراته محليآ وعالميآ ثانيآ ، ولتحقيق سياسة الإستخبارات المركزية الأمريكية في المنطقة بتجميع فلول التيارات الإسلامية في منطقة واحدة ، كما يحدث اليوم في المنطقة العربية ،ليسهل التعامل معها مستقبلاً بشكل افضل ثالثاً ، ولجزع الشعب الأفغاني من تسلط عصابات الطالبان التي قننت ، ضمن ضوابط شريعتها، كل تحرك في المجتمع الذي بدى وكأنه لا ينتقل من ظلمة إلا ليقع في أخرى أكثر إسودادآ وأشد تخلفآ رابعاً . فسقط غير مأسوف عليه وسقط معه هذا المشروع المؤسس لدولة دينية إسلامية ضمن التوجه العام لمشروع الإسلام السياسي .

وكما فشل المشروع الأفغاني السُني فشل قبله المشروع ألإسلامي الجزائري الذي تبنته القوى ألإسلامية الجزائرية التي إنطلقت من ثوابتها ألإسلامية السُنية أيضآ ، بالرغم من إختلافها عن ثوابت المدرسة التي يمثلها ألإسلام السياسي لدى حركة الطالبان . لقد أدى هذا التوجه ألإسلامي الجزائري الذي ظل يخطط لقيام الدولة ألإسلامية في الجزائر حتى تكبد الشعب الجزائري مئات ألآلاف من الضحايا التي شملت جميع طبقات المجتمع الجزائري ولم يفرق " المجاهدون المسلمون " بين الشاب والشيخ أو المرأة والرجل أو الرضيع والصبي في عمليات الذبح التي كانوا يهللون لها ويكبرون . لقد كان هذا المشروع مرتبطآ بالجريمة التي وجد لها منفذوها مختلف الفتاوى والتبريرات الدينية التي نسجوها وفق مقاسات فهم عقولهم الضامرة للدين ألإسلامي ، إلا أن ذلك لا يتعارض ووضع هذا المشروع الإجرامي ضمن محاولات ألإسلام السياسي الداعي لتأسيس الدولة الدينية ألإسلامية .

لا نريد ألإسهاب في تعداد مثل هذه المشاريع الفاشلة في مناطق أخرى كالسودان التي حاول فيها نظام البشير_ الترابي فرض الإسلام السياسي بثوابته السنية أيضآ من خلال التبجح بتطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية التي إتخذت منها ذريعة لقتل أبناء الشعب السوداني في الجنوب وفرض القوانين المجحفة المنافية للحياة الإنسانية في عموم القطر السوداني والتي ادت في نهاية الأمر غلى تفتيت هذا البلد على أسس دينية تشمل مناطق المسلمين شمالاً والمسيحين جنوباً .

أو في الصومال الذي جعلت منه المحاكم الصومالية السيئة الصيت والسنية الثوابت أيضآ ساحة للإقتتال ليس بين أبناء الوطن وحسب بل بينهم وبين جيرانهم أيضآ بغية خلق مبررات القهر والإضطهاد والتحكم برقاب الناس بالعزف على وتر الدفاع عن الوطن .

والمشروع السني الآخر في مالي والذي واجه الناس في هذا البلد سقوطه بالرقص في الشوارع والساحات العامة مما جعلهم يهللون لدخول القوات الأجنبية إلى ديارهم لإنقاذهم من الجرائم التي ظل هؤلاء الإسلاميون يرتكبونها بحقهم .

هذه المشاريع الفاشلة للإسلام السياسي السني التي لا يرتبط فشلها بالمدرسة التي يتبنى ثوابتها هذا المشروع أو ذاك ، إذ ان مدارسها كانت مختلفة التوجه ، بل بتوظيف الدين ذو الطبيعة الروحية التأملية العبادية التي تتغلب عليها الخصوصية الشخصية أكثر من تلك العمومية التي تجعل الدين رهينة لتقلبات وضع سياسي أو إقتصادي معين أو لمزاجات شخص أو مجموعة ما . هذه المشاريع التي رافقتها الجريمة وأشاعت مبدأ القتل وشرعنت إستعمال العنف حتى بدى وكأنه العلامة الفارقة لمثل هده المشاريع يرتبط فشلها بتوظيف الدين لخدمة أهدافها السياسية وفشلها في هذا التوظيف الذي ربطته بالعنف دومآ .

أما التوجه الديني الآخر الذي خطط ويخطط لتأسيس مشروع الدولة الدينية إنطلاقآ من ثوابت الإسلام الشيعي فإنه لا يقل بؤسآ وهمجية ووحشية وتوظيفآ فاشلآ للدين عن نظيره السني ولم تتحقق له فرص نجاح أكثر منه ، حيث إرتبط هذا التوجه أيضآ بعامل العنف المؤدي إلى الجريمة متنكرآ هو ألآخر لكل أساليب ألإقناع التي تشكل القاعدة ألأساسية لأي فكر بما فيه الفكر الديني .

فولاية الفقيه التي تبناها مشروع ألإسلام السياسي الشيعي في أيران أثبتت بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تاسيسها مدى تخلف القائمين على هذا النظام عن الركب العالمي ومدى كذب الأطروحات الدينية التي يُسوق لها مشايخ وملالي هذا النظام الدكتاتوري الهمجي الذي لم يكسب طيلة هذه العقود الثلاث غير العزلة العالمية التي يفتخر بها أحيانآ حينما يقرع على طبول خصوصيته ألإسلامية التي ما إنفكت تردد ذلك النغم النشاز الذي يقرع طبول المؤامرة على ألإسلام والمسلمين ، وذلك كلما دخل أزمة محلية أو عالمية لا يستطيع الإفلات منها إلا من خلال أحكام جائرة وسياسات عقيمة لم تجلب للشعب ألإيراني ذو التراث الحضاري الموغل بالقدم غير المتاهات والتخبط والدكتاتورية . حتى بدى الوضع الإقتصادي الإيراني وهو يثقل كاهل المواطن كل يوم وذلك من خلال إنهيار الإقتصاد الذي جعل اهل هذا البلد الغني تنوء بكثير من اعباء الحياة اليومية وما يرتبط بها من الغلاء المتصاعد والبطالة المتزايدة سنوياً ، إضافة إلى الإنهيار الإجتماعي والخلقي والصحي الذي يعيشه الشعب الإيراني تحت نظام ولاية الفقيه ومذهبها الشيعي وبرنامج إقتصادها الإسلامي .

هذه النماذج التي تبنت مشاريع الإسلام السياسي في مجتمعات ينتمي أغلبها العام إلى المذهب السني أو المذهب الشيعي والتي حاولت تحقيق نجاح هذا المشروع من خلال أغلبيتها السكانية لم تسعفها هذه ألأغلبية بإنجاح مشروعها السياسي هذا الذي ألبسته الجبة والعمامة فبدى ظاهره دينآ وباطنه سياسة حتى بدت هذه الأغلبية تضع علامات الإستفهام التي تكبر كل يوم عن ماهية هذا الدجل ومدى جدوى هذا النفاق الذي يعيشه المواطن في كل مرفق من مرافق المؤسسات التي تبنت هذا المشروع الإسلاموي.

إلا أن محاولات تبني مشاريع الإسلام السياسي لم تقتصر على المجتمعات ذات الأغلبية السكانية لهذا المذهب أو ذاك , بل تجاوزتها إلى المجتمعات ذات التوزيع السكاني المذهبي المتقارب ، أي في تلك المجتمعات التي يتواجد فيها أتباع هذا المذهب أو ذاك بنسبة قد تجعل منه يفوز بفارق بسيط أو ليس كبيرآ جدآ على أتباع المذهب الآخر. لقد أظهرت مجريات ألأحداث في مثل هذه المناطق التي يمثلها العراق ولبنان أحسن تمثيل مدى فقر ألإسلام السياسي إلى وضوح المنهج وإمكانيات التعامل مع الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي والعلمي الذي تمر به الجتمعات التي يتواجد فيها ، بحيث أدى به إلى أللجوء إلى العنف لتصفية الحسابات الشخصية والعائلية والمناطقية والعشائرية ليس داخل أتباع المذهب الواحد فقط ، بل وبين أتباع المذهبين أيضآ وكل يحمل راية ألإسلام ويكبر ويذكر إسم ألله على منحر ضحيته والكل مسلمون والحمد لله .

وهذه الأيام تحل الطامة الكبرى بالإسلام السياسي حيث يتعرض نموذجه الذي يتصدر تبجحات مريدي هذا الإسلام كلما حاولوا إقناع الناس بجدوى إسلامهم فيقدمون النموذج التركي الذي يجمع بين الإسلام والديمقراطية لا بل وحتى بين الإسلام والعلمانية كما يدعون . لقد أدى إنهيار نُظُم الإسلام السياسي المتخلفه إلى كشف عورات هذه الأنظمة ومدى ركوبها الدين للوصول إلى السلطة السياسية التي جعلتها محلباً لأطماعها الشريرة ومصالحها الأستغلالية وثراءها الفاحش على حساب الجماهير الشعبية . كما أدى هذا الإنهيار إلى كشف عورات تلك الأنظمة التي تبجحت بجمعها بين الديمقراطية والإسلام السياسي والتي جعلت من الديمقراطية الإنتخابية ، اي الديمقراطية السياسية العددية طريقاً سهلاً للوصول إلى الدكتاتورية شأنها في ذلك شأن التجارب التي سبقتها في هذا المجال كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والبوتينية في روسيا والخمينية في إيران وقس على ذلك . واليوم حين تكشف الأردوغانية في تركيا عن وجهها الإجرامي القبيح فإنها في الحقيقة قد كشفت الآن ما أخفته عمداً من قباحات الإسلام السياسي متوخية إحراز بعض المكاسب الإقتصادية اولاً علَّها تساهم بعدئذ في تسهيل كشف الوجه الدكتاتوري الحقيقي البغيض لهذا الصنف من الإسلام السياسي ايضاً .

قطارك قد نفذ وقوده يا اردوغان . وحقيقة إسلامك الذي جعلته وقوداً لهذا القطار فقد الطاقة التي حسبتها يوماً ما قادرة على ان تقيل العثرات المتعاقبة التي تتعرض لها همجية نظامك التي أدت بك إلى الدكتاتورية العنصرية التي مارستها ضد الشعب الكوردي الثائر البطل ، حتى لجأت إلى الدكتاتورية السياسية ضد الشعب التركي وقواه التقدمية التي تارت اليوم لتكنسك وتكنس نظامك هذا الذي سوف لن يكون مصيره بأحسن من نُظُم الإسلام السياسي التي سبقته ، فهيئ نفسك وزمرتك إلى إنقاذ لحاكم التي أصبحت اليوم رطبة بما فيه الكفاية لتقتلعها ثورة الشعب التركي .
 

free web counter