| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                  الخميس  13 / 11 / 2014



مكسب هام آخر يحققه الشعب الكوردي لشعوب الشرق الأوسط

د. صادق إطيمش     

المآثر البطولية لمقاتلات ومقاتلي الشعب الكوردي في كوباني وفي المناطق ذات الإدارة الذاتية في كوردستان الغربية، اسعدت اصدقاء هذا الشعب المناضل وسجلت مفخرة من مفاخر هؤلاء الأصدقاء بهم، كما انها اخرست في الوقت ذاته كل تلك الأصوات النشاز التي لا ترى في هذا الشعب إلا جزءً من العرب او الفرس او الترك، حتى تجرأت العنصرية التركية، ولعقود طويلة من الزمن ان تنعت الكورد باتراك الجبل إيغالاً منها في تبني النهج العنصري والعداء القومي السافر الذي بلغ اوجه في عهد تسلط الإسلام السياسي على سدة الحكم في تركيا والذي اتى باردوغان ورهطه ليمارسوا القمع الشوفيني والعداء الاسود لمكونات الشعب الكوردي الذي انتفض على هذا الإستكبار البغيض وثار بوجه الإسلاميين الذين ارادوا صهر تراث شعب بكامله بتراثهم الذي يسمونه اسلامياً.

المأثرة الجديدة التي سجلها الشعب الكوردي في مناطق الإدارة الذاتية في غرب كوردستان تتمحور حول التأكيد على دور المرأة الكوردية في النضال الذي تخوضه شعوب المنطقة اليوم ضد الهمجية القابعة خلف الدين الإسلامي والذي تتبنى شعارات وممارسات القتل والترويع والتهجير والسبي وتجارة الرقيق واغتصاب النساء الذي تمارسه عصابات الدولة الإسلامية في المناطق التي تتواجد عليها تطبيقاً لشريعتها التي تريدها ان تشكل الأساس السياسي لدولتها القادمة اينما حلَّت عصاباتها. إلا ان الشعوب في العراق وسوريا، بشكل خاص، وشعوب الشرق الأوسط عموماً تعي اليوم اكثر من اي وقت مضى ألاعيب هذه العصابات الهمجية وما تخطط له من العودة بالشعوب إلى العصور البدائية القائمة على حياة الخيام والتداوي ببول البعير.

وقد جرى هذا التأكيد ليكتسب شكلاً قانونياً تمارسه مؤسسات الإدارة الذاتية في كوردستان الغربية ليعطي للمرأة الكوردية كامل حقوقها المدنية، تلك الحقوق التي خص بها فقهاء السلاطين ذكوريتهم الكسيحة ليجعلوا منها ذلك السوط المسلط على رقاب النساء، بحيث تفننوا بمحاولات إظهار دونية المرأة ونقص عقلها ودينها، ليمارسوا معها كل موبقاتهم في الإذلال والإهانة والإنتقاص التي برزت بشكل واضح في تعاملهم معها كخادمة مطيعة ذليلة للرجل، وكمخلوق لا حقوق له سوى ما وضعوه هم لها من حق طبيعي إقتصروه على ما كانت تعيشه مجتمعات القرون قبل الوسطى من تاريخ البشرية، جاعلين من تلك العصور البائدة الأساس الذي ينطلقون منه في تعاملهم مع المرأة.

لقد شرعت مؤسسات الإدارة الذاتية في غرب كوردستان القوانين التي تساوي بين الرجل والمرأة في كل ما يتعلق بالحياة الإجتماعية التي تسودها القوانين الديمقراطية المدنية، سواءً تعلق ذلك بالإرث او بممارسة الحكم والعمل السياسي او في القيادات العسكرية او المؤسسات التعليمية، وما شابه ذلك من علاقات اجتماعية تنعكس نظرياً وعملياً من خلال تبني سياسة تقدمية ثورية على مجمل العلاقات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والثقافية التي ستتخذ انماطاً اخرى في مناطق الإدارة الذاتية في غرب كوردستان غير تلك الأنماط المتخلفة النظرة للمرأة في عموم منطقة الشرق الأوسط.

لم يأت هذا المكسب الهام الذي حققته المرأة الكردية جزافاً او على حين غفلة. لقد تحقق هذا الإنجاز العظيم بعد نضال بطولي خاضه الشعب الكوردي، بنساءه ورجاله، تحت قيادة تقدمية واعية استلهمت سمة العصر وانحازت لمنجزاته العملية وتبوأت مكان الصدارة في كل محاولاتها لعكس هذه المنجزات على واقع حياتها اليومية والعمل على السير في ركب الحضارة البشرية التي تخلفت عنها شعوب الشرق الأوسط بحيث اصبحت تتلقى حتى قوت يومها من خارج مناطق تواجدها، ناهيك عن ابتعادها الخيالي عن المساهمة بكل المنجزات العلمية التي تتسابق الأمم والشعوب على تطويرها لما فيه خير الإنسان. وقد اثبتت المرأة الكوردية، بشكل خاص، في القتال البطولي الذي مارسته في كوباني وفي مناطق اخرى من كوردستان، بانها اهل لأن تكون القائدة والمقاتلة والمعلمة والمفكرة والأخت والزوجة، تماماً كرفيقها وأخيها وزوجها الذي قاتل معها جنباً إلى جنب وشاركها في جميع شؤون الحياة الأخرى.

فحينما هب الشعب الكوردي في كل بقاع كوردستان الغربية مدافعاً عن ارضه واهله ضد حرب الإبادة التي ارادت النيل منه وابدى مقاومة باسلة وصراعاً مريراً ضد القوى الغازية إستطاع هذا الشعب بقوة ارادته وشجاعة بناته وابناءه من رد كيد المعتدين بعد ان تحمل ما تحمل من الضحايا والخسائر البشرية والمادية التي رافقت هذا الدفاع عن الأرض والعرض . ولم يكن من الممكن لشعب قدم هذه التضحيات وتحمل المآسي من الأنظمة البعثفاشية الجائرة في سوريا والعراق، ومن قوى العصابات المتخلفة مؤخراً، كعصابات الدولة الإسلامية، إلا ان يستجيب لنداء الحكمة ويعمل على جني ثمار نضاله الذي تعمد بدماء شهداءه الأبطال فيؤسس في بعض مناطق كوردستان الغربية، التي تم إحكام سيطرته عيها، إدارة ذاتية لهذه المناطق إنطلاقاً من الهدف النضالي الذي يسعى إليه هذا الشعب لتحقيق ذاته واكتساب حقوقه في العيش الحر الكريم اسوة بباقي شعوب الأرض . إلا ان الإدارة الذاتية هذه إصطدمت بكثير من التقولات والإتهامات والأكاذيب التي بدأ يروجها اعداء تحرر الشعب الكوردي وهم منتشرون في كل مكان في المناطق التي تتواجد عليها ارض كوردستان باجمعها .

وحينما نناقش مسألة الإدارة الذاتية في كوردستان الغربية بشكل خاص، فسنجد رواجاً لاقاويل واكاذيب المغرضين، معلنة عن التفكير الإنفصالي الذي يسيطر على الشعب الكوردي ونزوعه إلى إقتطاع أجزاء من ارض سوريا ليؤسس عليها دولته التي بدأت بالإدارة الذاتية لتنتهي بإعلان الدولة الكوردية . وانطلاقاً من شعور إنسان عربي عاش مع هذاالشعب الطيب الكريم المعطاء عقوداً طويلة من الزمن وخبر اهداف نضاله التحرري الوطني والقومي وناضل ايضاً في سبيل قضيته كمساهمة في النضال الأممي لتحقيق مبدأ حق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وبكل حرية ، لابد لي هنا من مناقشة مثل هذه الأطروحات التي نعتبرها بالية وتصب في مجرى التعصب القومي الشوفيني المعادي للآخر حتى وإن جمعه مع هذا الآخر اكثر من جامع وربطه به اكثر من رباط . ونحاول هنا إختصارمحاور نقاشنا على اهم النقاط آملين استيعابها من ذوي الأفكار المعادية للشعب الكوردي وتطلعاته التحررية . وأهم محاور هذا النقاش هي :

اولاً : نظرياً وعمملياً ومبدئياً ليس هناك ما يمكن ان يقف ضد مفهوم الدولة القومية لأي شعب ، سوى تلك القوى التي لا مصلحة لها في قيام مثل هذه الدولة ، خاصة الدولة ذات التوجه التقدمي التحرري والتي لا تصب سياستها في بودقة المصالح الإحتكارية والإستعمارية .

ثانياً : حينما تعرض الشعب الكوردي بعد الحرب العالمية الأولى إلى تقطيع اوصال ارضه بين خليفة الدولة العثمانية المتمثلة بالدولة التركية الكمالية وبين تلك الدول الجديدة التي أنشأتها معاهدة سايكس ـ بيكو تبلور عن ذلك وجود أكبر شعب على وجه الكرة الأرضية لا دولة له . وحينما يعترض القوميون العرب المتطرفون على فرضية وجود الدولة الكوردية التي يبلغ عدد سكانها اكثر من خمسين مليون نسمة ، ويطالبون في نفس الوقت بدولة فلسطينية لا يتجاوز عدد سكانها عدد عُشر سكان الدولة الكوردية فإنهم يوقعون بذلك انفسهم وفكرهم القومي الشوفيني في تناقض صريح وواضح لا يبرره إلا العداء لحرية الأخر والإنتقاص من تطلعاته الوطنية والقومية .

ثالثاً : بالرغم من هذا الحق الأممي للشعب الكوردي فإن التوجه التقدمي الحديث الذي اطلقه زعيم الشعب الكوردي وقائد ثورته عبد الله اوجالان يسير باتجاه النضال لتحقيق الإدارة الذاتية ضمن المجتمعات التي يعيش معها الشعب الكوردي . وهنا لابد لنا من الإطلاع بتمعن وعمق تفكير على بعض ما كتبه اوجالن بهذا الصدد ، والمستل من كتابه : مانيفستو المجتمع الديمقراطي ، المجلد الأول ، على الصفحات 22ـ23 ، إذ يقول :
"ولكن من الخطأ الفادح النظر إلى دور الكرد في هذه المرحلة الجديدة من الصراع والفوضى داخل الشرق الأوسط بانه مقتصر على التواطؤ . فالغالبية العظمى من الكرد المتعطشين لفلسفة الحياة الحرة ستبقى في انتظار روادها الأفاضل لتروي ظمأها . وبينما تعتبر هذه الغالبية قابلة للتخلي بسرعة عن قوالب حياة العصور الوسطى المستهلكة التي عفا عليها الزمن ، فهي لن تتشبث كثيراً بقالب الدويلة القومية المعروضة عليها ، والتي لا تسمح بفرصة الحياة الحرة لأي شعب ، في حين تُعتبَر العماد الأمتن للحداثة الراسمالية . وبالمقابل ، فإن شكل الإدارة الكونفدرالية الديمقراطية الأكثر ملاءمة لتحقيق طموحاتهم في الحرية والمساواة يُعَدُ الشكل السياسي الأكثر مناسبة للكرد ، نظراً لخصائصهم ومزاياهم التاريخية والجغرافية ."
ثم يستطرد اوجالان في كتابه اعلاه واصفاً النمط السياسي الجديد الذي يراه مناسباً لتطلعات الشعب الكوردي فيقول:
"الكونفدرالية الديمقراطية الشرق اوسطية التي تُعتبَر بدورها الصياغة الأساسية القادرة على إيصال كافة المجتمعات والإثنيات ذات الأصول العربية والإيرانية والتركية والكردية والأرمنية والروسية واليهودية والقوقازية ، وجميع المذاهب والأديان ، وكذلك الجماعات ذات الأصول الأوربية والمفتقرة لحقوق الإنسان والديمقراطية ، إيصالها مجدداً إلى مقدساتها واصطلاحاتها في الحياة الحرة وانجازاتها المادية ، بعد ان كانت معرضة للإبادة والتطهير العرقي ومفتقرة ليوتوبياتها في الحياة الحرة بسبب القمع والإستغلال والإضطهاد في معمعان حروب الدولة القومية النابعة من الحداثة الرأسمالية والمفروضة على موزائيك شعوب الشرق الأوسط . وإذا ما تولدت جمهورية فيدرالية ديمقراطية من احشاء فوضى العراق ، فقد تلعب دوراً ريادياً في تحقيق تطور في هذا الإتجاه ."

فالأمر إذن كما يطرحه المفكر الأممي وقائد الشعب الكوردي عبد الله اوجالان لا يتعلق بأي حال من الأحوال بالتنكر للآخر والإنعزال عنه ، بل بالعكس فإنه يرى في شعوب الشرق الأوسط بمختلف مكوناتها بانها مؤهلة لتبني مشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفيدرالي الديمقراطي ، وهذا بالتأكيد على العكس تماماً مما تريده الإحتكارات الإستعمارية بقيادة الإدارة الأمريكية من مشروعها التي اعلنت عنه تحت اسم مشروع الشرق الأوسط الجديد .

رابعاً : إستناداً إلى هذا الفكر الذي تمثله الحركة الثورية الكوردية وانطلاقاً من إيمانها بالكونفدرالية الديمقراطية التي تسعى قوى الثورة الكوردية إلى تحقيقها في غرب كوردستنان ينبغي على القوى المناهضة لهذا التوجه ان تراجع مواقفها من الثورة الكوردية وتوجهاتها الديمقراطية التي ستصب ليس لصالح تيار الحركة الوطنية الكوردية فحسب ، بل ولصالح جميع التيار الديمقراطي في المنطقة برمتها ، وأن يتوجه هؤلاء إلى الوقوف بوجه قوى الشر التي تريد ان تؤسس لدول إسلامية على مقاساتها الخاصة واستناداً إلى افكارها المتخلفة عن مسيرة البشرية في قرنها الحادي والعشرين .

خامساً : التجربة التي يمر بها العراق اليوم وما افرزه نضال الشعب العراقي بشكل عام والشعب الكوردي على وجه الخصوص في كوردستان الجنوبية يشير إلى إمكانية تعميم هذه التجربة وتطويرها واتخاذها كحل لمشكلة من اهم المشاكل التي تواجهها المنطقة والمتعلقة بحرية وكرامة شعب كالشعب الكوردي العريق في القدم والذي تمتد جذوره في اعماق التاريخ الإنساني .

سادساً : بغض النظر عن إتفاقنا او إختلافنا على طبيعة الإدارة السياسية وكل ما يتعلق بها في كوردستان الجنوبية ، لا يمكن لأي منصف إلا ان يرى تطوراً إيجابياً على حياة الشعب الكوردي بالرغم من ان هذا التطور يظل دون المستوى المطلوب تحقيقه فعلاً بعد اكثر من عشرين عاماً من ممارسة الحكم الذاتي في اقليم كوردستان العراق ، والذي بحاجة إلى بلورته ضمن آليات الديمقراطية الحقة بكل ما تتضمنه هذه الديمقراطية وما تشمله في حياة الإنسان الثقافية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية . هذه التجربة التي يمكن تطويرها نحو الأفضل واتخاذها كنموذج يُحتذى به أفرزت مؤشرات جيدة للشعب الكوردي ، لابل وللشعب العربي في عموم العراق ايضاً ، وما وجود اكثر من ثمنمائة الف عربي عراقي في كوردستان الجنوبية واحتضانهم من قبل الشعب الكوردي في محافظاته الثلاث وسير حياتهم هناك بعيداً عن الإرهاب الذي خلقته سياسة المحاصصات الطائفية في الحكومة المركزية إلا أحد المؤشرات على ذلك . كما يشير احتضان الشعب الكوردي إلى النازحين من المناطق التي عاثت بها عصابات الدولة الإسلامية الفساد بحق السكان هناك إلى مدى ما يتطلع اليه هذا الشعب من حياة حرة كريمة مع شعوب المنطقة جميعاً.

سابعاً واخيراً : فإنه لا يمكن لأي مراقب للأحداث ،التي جرت في الأشهر الأخيرة على ساحة الشرق الأوسط والتي برزت فيها قوى التخلف والظلام المتمثلة بالدولة الإسلامية وعصاباتها التي ملأت الأرض، التي دنستها اقدامها، فساداً وعنفاً وجوراً إلا ان يرى الإنجازات الكبرى التي حققها نظام الإدارة الذاتية في غرب كوردستان والذي اسفر عن التحدي الواضح لقوى التخلف والظلام باتخاذه القرارات الجريئة بانصاف المرأة الكوردية البطلة ونفض غبار النظرة الدونية حولها والتي روج لها فقهاء الإسلام السياسي وانصاره في المنطقة. ومن هنا نقول ان مثل هذه المكاسب يجب ان تكون المثل الأعلى الذي تقتدي به المجتمعات والقوى السياسية التي تقودها في منطقة الشرق الأوسط وتحقيق اطروحة اوجالان في شرق اوسط ديمقراطي.

 

free web counter