| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

السبت 12/7/ 2008



دروس تموز

د. صادق إطيمش

في ذكراها الخمسين تلح علينا ثورة الرابع عشر من تموز باستنباط عبرها ودروسها التي املتها على بنات وابناء جيلها كي يجعلوا منها مشاعل تضيئ لهم دروب العمل الوطني الذي مهدت له هذه الثورة واغنته بعِبَر أرادت لها ان تكون زاد الطريق الثوري , طريق التحرر والديمقراطية الذي لا بد لوطننا أن يقتفيه وشعبنا أن يتبناه مهما كثرت العوائق واشتدت المآزق .
إن أول هذه العبر والدروس يتجلى في تحديد أهمية التغيير ، مَن ألمستفيد منه والمسئول عنه والمضطلع بحمايته واستمراره . ما من شك بان ثورة الرابع عشر من تموز أحدثت تغييراً جذرياً في البنى السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية في وطننا . وما من شك أيضاً بأن هذا التغيير لم يكن يتحقق لو لم تكن قوى الشعب المؤثرة في الحياة السياسية العراقية قد تكفلته ووضعته ضمن مهامها ألأولية التي تسعى إلى تحقيقها . وانطلاقاً من هذا المفهوم لِما جاءت به الثورة فإنه من المنطقي أن يكون الشعب بكل قواه الوطنية التقدمية هو المسؤول ألأول والرئيسي عن حماية الوضع الجديد والعمل على ديمومته وتطويره نحو الأحسن دوماً . أي ان الهدف ألإستراتيجي هذا هو الهدف الذي كان يجب ان تتوارى خلفه كافة ألأهداف الأخرى لأي فصيل من فصائل الحركة الوطنية العراقية التقدمية الديمقراطية ، وهذا ما لم يحدث ، مع ألأسف الشديد ، لأسباب ذاتية تتعلق بالثورة وقيادتها ، وموضوعية تتعلق بالإصطفاف الجديد الذي على الخارطة السياسية العراقية وبروز جبهتين متنافرتين تمثلتا في أنصار الثورة من جهة وأعداءها من جهة أخرى . إضافة إلى العاملين ألإقليمي والدولي اللذان لم يرق لهما ، بأي شكل من ألأشكال ، أن يتغير الوضع في العراق مخالفاً لم تبنته السياسات ألإستعمارية آنذاك .
ليس من السهل الحفاظ على إنجاز كهذا تحت الظروف التي واجهتها ثورة تموز من تكالب قوى الردة الداخلية والخارجية عليها ، إلا من خلال تنظيمات سياسية تعي المرحلة التي يمر بها الوطن وعياً تاماً ، تتبنى نظرية ثورية تتماشى والمهمات التي تقتضيها مواجهة قوى الردة ، تعبئ الشعب بكل أطيافه التي لها المصلحة ألأساسية في حماية المكتسبات الثورية الجديدة لتخلق القدرة على كافة أنواع المواجهات التي قد تعترض طريق التغيير الذي تتعامل معه قوى الردة بردود فعل تريد من وراءها العمل على إجهاضه في اي وقت مناسب يتاح لها . أي أن التناقض الرئيسي قد تبلور من خلال الصراع بين الثورة والقوى التي تريد إجهاضها داخليا وعربياً وعالمياً .ً
ولتحقيق نجاح المواجهة المحتملة لصالح قوى الشعب التقدمية الديمقراطية الساعية للدفاع عن التغيير الثوري لابد من رصد تحركات قوى الردة هذه , والتهيؤ للنائبات التي لا تكف بدورها عن التهيؤ للإنقضاض الذي تُمهد له الطريق بالإستعانة بكل المصادر التي لا تتردد هذه القوى بالتحالف معها إنطلاقاً من مبادئها التي تسعى لتبرير الواسطة في سبيل تحقيق غايتها هذه .

ما اوحت به إلينا دروس تموز أيضاً هو عدم إمكانية ألإنفراد بالعمل الوطني الذي يتطلب السعي الجدي لجمع أطياف الشعب المختلفة وتياراته السياسية التي تلتقي سوية على تحقيق الهدف الإستراتيجي الموحد لبلوغ الهدف المشترك . وهنا لابد من دراسة المرحلة التي يتطلبها العمل الجبهوي من خلال الوعي العلمي والدراسة المستفيضة لمؤهلات قيام الجبهة الوطنية التي أكدت التجارب على ضرورة إنطلاقها من أسس مبدئية ثابتة وعدم التعامل معها من خلال شعارات آنية قد يتم الإستغناء عنها في مرحلة ما من مراحل العمل الجبهوي هذا .

كماعلمتنا دروس تموز بأن العمل الجبهوي يعني ، بمفهومه العام ، عملاً مرحلياً يجري الإتفاق فيه بين القوى المتحالفة على تحقيق برنامج معين لا يمكن أن تتحقق فيه كل ما يرجوه أي طرف في هذا التحالف بشكل تام . في هذه الحالة سيكون موضوع الوعي الطبقي والسياسي هو المؤشر الرئيسي لصحة أو خطأ الإنجازات التي تتحقق من خلال هذه الجبهة التي لا ينبغي ألإستمرار بها في الوقت الذي تصل فيها التناقضات بين ألأطراف المتحالفة طريقاً يهدد القناعات المبدئية . وبعبارة أخرى يمكن القول أن لا مجال هنا لردود الفعل العاطفية أو المتهاونة مع هذا الطرف أو ذاك إذا ما تعلق الموقف بالمبدأ والقناعة .

كثيراً ما جرى التشبث بمقولة الديمقراطية خلال العمر القصير الذي عاشته ثورة الرابع عشر من تموز . وسواءً جاء ذلك من قبل قادة الثورة أو القوى السياسية العاملة على الساحة العراقية آنذاك فإن ذلك لا يمكن تفسيره ، بمنظور اليوم على ألأقل ، بأنه القناعة المبدئية بالديمقراطية التي جرى نحرها على مذبح المصالح الآنية لهذه الفئة أو تلك ، سواءً تم ذلك من خلال عناصر القيادة في الثورة أو خارجها . لقد جرى وئد الفكر الديمقراطي باسم الديمقر اطية التي فقدت محتواها العلمي والعملي من خلال الإجراءات التي إستهدفت تلك الفئات التي وقفت إلى جانب أهداف الثورة منذ إنطلاقتها وحتى آخر أيامها . إن هذا الدرس الذي عاشته ثورة تموز يجب أن يظل
الشاهد الحقيقي على الذبذبة البرجوازية التي لا تتوانى عن انتهاك مواثيقها بالذات إذا ما تعلق الأمر بالتصدي للقوى الديمقراطية التي تتفاعل مع الفكر الديمقراطي تفاعلاً مبدئياً ثورياً لا يخضع للمصالح الآنية . ولم يتم ذلك إلا من خلال النهج البرجوازي الذي سارت عليه قيادة الثورة متمثلة بشخص الزعيم الوطني الراحل الشهيد عبد الكريم قاسم بسياسته التي حاول فيها خلق موازنة سياسية على الشارع السياسي العراقي بين الثورة ومناصريها من جهة وبين أعداء الثورة من جهة أخرى وذلك من خلال تبنيه سياسة عفى الله عما سلف وسياسة الثورة فوق الميول والإتجاهات . هذه السياسة التي لم تكن نتائجها غير تكالب القوى الرجعية على الثورة وانصارها مستندة بذلك إلى مقولة مَن أمِن العقاب ساء الأدب .
مَن لا يعمل لا يخطأ ، مبدأ علمي أثبتته تجارب ألأمم والشعوب مُمَثَلَة باحزابها السياسية وكل قواها العاملة في المجالات الإجتماعية والثقافية . العمل تجربة قد تكون جديدة كل الجدة أو قد تكون مكررة او متشابهة . المهم في ألأمر أن يكون العمل قد جاء بكل او بعض الهدف المنشود من خلاله . أما إذا تبين خلاف ذلك من خلال المسيرة التي يتحقق فيها هذا العمل ، فالحكمة تقضي بضرورة المراجعة والتوقف او التغيير في إسلوب العمل ، وبعكسه فإن ألإستمرار على مواصلة الخطأ بسبب التعنت أو المكابرة التي سوف لن تُطيح بمرتكب الخطأ فحسب ، بل وبمجموع ما يتعلق بهذا العمل في المجالات الأخرى ، خاصة إذا ما تعلق هذا العمل بمجالات وطنية عامة ينعكس تأثيرها على الشعب والوطن . إلا أن المهم في ألأمر هو التعلم من هذا الخطأ ونقل تجربته إلى الآخرين لإجتناب الوقوع فيه مرة اخرى . أي أن مبدأ الإعتراف بالخطأ كفضيلة تُحسب لمن إكتشف هذا الخطأ وعمل على تجاوزه او تصحيحه ،هو المبدأ الذي يجب أن يتحلى به كل العاملين بإخلاص لا يخلو من الكبوات أحيانآ .

ألإصرار على الخطأ يقود إلى التطرف في أكثر ألأحيان , والتطرف مرض خطير بجميع أنواعه ، سياسياً كان أو دينياُ أو في أي مجال آخر من مجالات الحياة . التفتيش عن الحلول التي قد يتحقق فيها بعض ما يصبو إليه هذا الطرف او ذاك بالتعاون مع القوى ألأخرى لا يعني باي حال من الأحوال التنازل عن الهدف الإستراتيجي لصالح ألأهداف الآنية ، بل بالعكس فإن ذلك يعني من منظور التحليل العلمي التقرب بخطوة أو خطوات نحو الهدف الإستراتيجي من خلال تحقيق الأهداف المرحلية . لذلك فإن التطرف يعني الجهل بطبيعة المرحلة وبالتالي الجهل بإسلوب العمل الصحيح الذي تتطلبه هذه المرحلة بالذات وليست المراحل التي لم يحن أوان العمل لها بعد . عدم القفز على المراحل وعدم تجاوز الواقع يعبر عن النضوج السياسي لأية فئة تتبناه وتعمل على تحقيق العمل الذي يتفق والمرحلة التي تمر بها ويتجاوب مع الواقع المُعاش فعلآ .

لقد مرَّ جيل الرابع عشر من تموز بهذه الظواهر التي إنعكست على الواقع السياسي الذي كان جديداً على هذا الجيل الذي مارس العمل السياسي تحت ظروف ألإرهاب والملاحقات والإنخراط في التنظيمات السرية قبل الثورة ، بحيث أصبح عامل الشك والحذر جزءً لا يتجزأ من أوليات نشاطه السياسي في العراق الملكي . وحينما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز وفتحت باب التحرك الجماهيري والعمل السياسي العلني ضمن تنظيمات سياسية ومهنية ومن خلال نشاطات إجتماعية وثقافية عمت مختلف أرجاء الوطن ، فقد كان من الطبيعي أن تشكل ألأحزاب والقوى الوطنية التي كانت تقود النضال السري آنذاك رأس الرمح في رسم توجه الثورة التي عملت منذ أيامها ألأولى على الإيحاء للجماهير الشعبية بأنها المعنية الأساسية في هذا التغيير الذي يعيشه الوطن بعد إعلان ألجمهورية العراقية الجديدة . إن ألأخطاء التي رافقت العمل السياسي ، خاصة في جانبه التقدمي الثوري ، لم يجر التغاضي عنها ، بل جرت دراستها دراسة علمية مستفيضة ، وبنَفَس ثوري نقدي بغية قلب النتائج التي جاءت بها وتحويلها إلى دروس في متناول الأجيال القادمة . ولا نجافي الواقع إذا قلنا أن أكثر ألأحزاب السياسية العراقية التي أثرت وتأثرت بواقع التغيير في الرابع عشر من تموز عام 1958 هو الحزب الشيوعي العراقي الذي قدم ما قدم من التضحيات الجسام في العهد الملكي المقبور ، سواءً كان ذلك عن طريق المشانق أو القتل الكيفي في السجون والمعتقلات أو التشريد والنفي أو الحرمان من حقوق الحياة الإنسانية التي تعرض لها أعضاء الحزب ومؤازريه وأنصاره . فلابد والحالة هذه أن يتصدر هذا الحزب طليعة النضال الوطني بتأييد الثورة منذ إنطلاقتها الأولى والعمل على صيانة وتطوير مكاسبها . لقد كانت مسؤوليات جسام تلك التي أخذها الحزب الشيوعي العراقي على عاتقه في ظروف لم يسبق له أن مرّ بها ، ووقف أمام تحديات محلية وإقليمية وعالمية لم تكن مطروحة على برنامج عمله الذي بدأ يمارسه في العراق بعد تأسيسه عام 1934 . لذلك فإن الأخطاء التي رافقت نشاطاته السياسية والثقافية والإجتماعية ، كجزء من أخطاء الحركة الوطنية العراقية عموماً ، لم تكن إلا وليدة هذا العمل الوطني الذي قاده الحزب الشيوعي العراقي تحت هذه الظروف المستجدة . إلا أن أي منصف ومتابع لتاريخ الحركة السياسية العراقية لابد له وأن يعترف بأن الساحة السياسية العراقية لم تعرف حزباً تطرق بكل صراحة وعلنية وجدية إلى مناقشة ومعالجة أخطاءه كلما إكتشف هذه ألأخطاء ، كالحزب الشيوعي العراقي . قد يتهكم البعض على ذلك بإعتباره منقصة لهذا الحزب . إلا أن المتهكمين سيعرفون ، إن عاجلاً أو آجلاً ، إن لم يفقهوا ذلك لحد الآن ، بإن مثل هذه الجرأة والمبدأية والمصداقية في العمل السياسي لا يمكن ان تصدر إلى ممن يسير على خطى ثورية مبدئية ثابتة معتمداً على تاريخه النضالي وجماهيره الملتفة حوله وعلاقاته الأممية ، بحيث يصبح هوس المهوسين ضده كطنين ذباب وسط ريح عاتية .


 

free web counter