| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

                                                                  الخميس  12 / 12 / 2013



يا طبيب كُن أديب ... وإلا !!!

د. صادق إطيمش 

"يعتصر قلبي من الالم وانا ارى التهجم واقرء على صفحات الفيس بوك على الاطباء دون استثناء .. دخل علي مراجع وكنت قد انهيت للتو مكالمة هاتفية مع ابن اخي الطبيب الاستشاري في بغداد وهو يقول لي بفرح وسرور غامر انه قام اليوم باجراء عملية صعبة جدا تقام في القطر لاول مرة ونجحت العملية لشاب من اهالي الشطرة مصاب بورم في منطقة الاذن كادت تؤدي بحياته بعد ان حولها له من الشطرة احد اخصاءي الاذن في القضاء ولقد اغرورقت عيني بالدموع دموع الفرح وانا اسمع ذلك فخرا واطمانانا بان الجهود لم تذهب سدى لدى شبابنا من الاطباء وهم يفرحون لشفاء مرضاهم وكأنهم اولادهم تعجب المراجع عندما راني صفة بعين تملاها الدموع وعندما سردت له القصة وقال دكتور اننا نعرفك جيدا اتذكر انك انقذت لي طفلا واخذنا بالحديث والذكريات وبدء المراجع يكفكف دمعات تساقطت من عينيه انه العرفان بالجميل والفرح عندما يدخل السرور والسعادة في قلب من يحتاجها فهل نعي ذلك ؟"

قرأت هذا النص على صفحة الفيسبوك لطبيب صديق لي أعرفه جيداً منذ ان كنا طلبة في المدرسة واعرف جيداً ايضاً مدى حبه لعمله بعد ان تخرج طبيباً من النمسا ومارس عمله كطبيب يحرص ويسهر على صحة مرضاه لا يتوانى عن زيارتهم في بيوتهم ليلاً ونهاراً ولم يزل لحد الآن ، حتى بعد بلوغه سن التقاعد ، يمارس نشر النصائح الطبية ويقدم المساعدات الممكنة لأهالي مدينته الذين وضعوه في قلوبهم ، كما يشير النص اعلاه إلى ذلك.

هذا النموذج من الأطباء الغيارى لم يزل موجوداً ، والحمد لله ، بين بعض الأطباء خاصة الشباب منهم الذين عاهدوا انفسهم على ان يبروا بالقسم الذي أدوه بعد تخرجهم واحترام كل ما يرتبط بهذا القسم إجتماعياً واخلاقياً ومهنياً .

الأطباء الشباب هؤلاء لديهم الرغبة الجامحة بتحقيق فرص النجاح من خلال توظيف علومهم وابتكار ما قد لا يتوفر لهم من المعدات والأجهزة الطبية التي لابد من توفرها في المستشفيات الحديثة . يقومون بعملهم باخلاص متناهي ويلتزمون بكل ما تعلموه إذ ان مهنتهم تتعلق بحياة الإنسان ، اي انسان . فالمريض الغني والمريض الفقير عندهم سواسية كما ينطبق ذلك على كل الفئات والطبقات الإجتماعية الأخرى ، فالإنسان إنسان عند الطبيب ، وهذا ما يقول به العلم اولاً وما يحاول الأطباء الشباب تطبيقه ثانياً . واقول هنا " يحاول " وربما لا تنسجم هذه المفردة مع صفة الإخلاص في العمل إلا انها تكاد تكون لازمة تتكرر كل يوم في كثير من مستشفياتنا الرسمية والأهلية التي يعمل فيها الأطباء الشباب . ودليلي على ذلك هي بعض الأحاديث التي اجريتها مع بعض الأطباء الشباب الذين اسمعوني قصصاً تقشعر لها الأبدان ويندى لها الجبين الإنساني وتشير إلى مدى استهتار السلطة السياسية ومسؤوليها من المشرفين على هذه المستشفيات بحياة الناس اولاً وبعمل واخلاص وتفاني هؤلاء الأطباء الشباب ثانياً .

الظاهرة المخجلة الأولى التي سمعت قصصاً كثيرة عن تكرارها في المستشفيات العراقية تتعلق بالوضع العام السائد الذي انتجته سياسة الإنتماء العشائري الذي مهدت ارضه حكومات المحاصصات الطائفية والقومية المتطرفة التي تعاقبت على حكم وطننا العراق خلال العقود الماضية والتي بدأها النظام الدكتاتوري البعثي المقبور لتستمر بها ، بعد سقوط البعثفاشية ، احزاب الإسلام السياسي وكل القوى المشاركة لها في الحكم . وتتعلق هذه الظاهرة بطبيعة ونوعية العلاج الذي يمارسه الأطباء في مستشفياتهم من خلال اجهزة ومعدات بالية ومتخلفة وحتى غير صالحة للعمل احياناً . إلا ان اصرار الأطباء الشباب على ممارسة مهنتهم على احسن وجه حتى مع استعمال هذه الأجهزة يوقع الطبيب في بعض المشاكل التقنية ، وليس المهنية ، التي قد تترك اثراً وقتياً ما على المريض كطول مدة الألم بعد العملية مثلاً او حدوث نزف عارض او اي تبعات اخرى وقتية لعملية جراحية او علاج مركز . وفي هذه الحالة تقوم قائمة المريض فيلجأ إلى تهديد الطبيب بطلب الفصل العشائري منه لأن هذا الطبيب لم يقم بواجبه بشكل صحيح ، حسب زعم هذا المريض ، مما تسبب بتحمل المريض تبعات صحية ونفسية تستوجب التعويض الذي يحدده المريض نفسه وهو الفصل العشائري الذي يجب ان يقدمه الطبيب على شكل مبالغ كبيرة يحددها مجلس " الأجاويد " العشائري الذي يُقيِّم مدى الضرر الصحي استناداً إلى ما يملكه هذا المجلس الموقر من " معلومات تقنية وخبرات عليمة " تبيح له تحديد المبلغ المالي الذي يجب ان يدفعه الطبيب الذي ارتكب هذا الخطأ ، حسب قرار الحكم الذي يصدر عن مجلس الأجاويد العشائري هذا. وفي حالة عدم خضوع الطبيب وعائلته إلى تنفيذ هذا الأمر ودفع المبالغ المقررة لهذا المريض " ألمتضرر " فإن " العدالة " العشائرية ستأخذ مجراها بالإقتصاص من هذا الطبيب او من احد افراد عائلته حيث ان عدم تنفيذ احكام الفصل العشائري جريمة يعاقب عليها العرف العشائري الذي اصبح اليوم يشكل ركناً اساسياً من اركان دولتنا العراقية واحزابها الحاكمة التي تتعامل بكل احترام مع هذا العرف العشائري الذي قضت عليه ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة بالغائها قانون دعاوى العشائر السيئ الصيت الذي كان ينظم مثل هذه الممارسات العشائرية المقيتة . ولا ادري كيف توَفِق احزاب الإسلام السياسي بين هذه الممارسات العشائرية التي تستند إلى العصبية القبلية التي حاربها الإسلام ونهى عن ممارستها وبين ما تتبجح به هذه الأحزاب من إلتزامها بالثوابت الدينية الإسلامية ؟

وحينما استفسرت من هؤلاء الأطباء الشباب عما إذا كانوا يعالجون بعض المسؤولين السياسيين في مستشفياتهم فيشكون لهم الوضع الذي يمرون به من خلال عدم توفر اجهزة ومعدات علاج حديثة إضافة إلى النواقص الأخرى التي تعج بها المستشفيات العراقية كانعدام النظافة والأبنية القديمة التي تفتقر إلى التجديد والتعمير ونقص الكادر المتخصص والعجز في تقديم الأدوية والعلاجات المناسبة وغير ذلك من النواقص التي يعاني منها هؤلاء الأطباء الشباب في عملهم ، يجيبون بأن المسؤول السياسي لا يرى كل ذلك حينما يتنازل بالذهاب إلى مستشفى عراقي للعلاج وفي الحالات الإضطرارية جداً التي لا تتيح له ركوب الطائرة فوراً والتوجه إلى خارج العراق لغرض العلاج . فحينما يأتي المسؤول او المسؤولة يجري إستقبالهم من كبار المسؤولين الإداريين في المستشفى حيث يُقتادون إلى مكان خاص تجري معالجتهم فيه بأحسن الوسائل المتوفرة ومن قِبَل كبار الأطباء الذين يشعرونهم وكأنهم في ارقى المستشفيات العالمية . ويقتنع هؤلاء المسؤولون بكل ذلك . ولا غرابة في امر كهذا إذا ما تعلق الأمر بمسؤولين كمسؤولي الدولة العراقية الذين لا يرون اي شيئ من معاناة الشعب العراقي اليومية فهم يعيشون في واد والشعب العراقي في واد آخر .

اما الظاهرة المخجلة الأخرى التي يتعرض لها الأطباء وخاصة الشباب منهم فتتعلق بتبادل الأدوار بين الطبيب والمريض حيث يصبح المريض طبيباً بقدرة قادر حينما يفرض على الطبيب طبيعة العلاج الذي يجب ان يقوم به تجاهه ونوعية الدواء الذي يجب ان يقدمه له . فكثيراً ما يأتي بعض المرضى الذين يحسبون انفسهم ضمن رهط هذا السياسي او ذاك او هذه السياسية او تلك او من احزابهم او من افخاذ عشيرتهم او من المقربين لهم بأي شكل من الأشكال فيأمر الطبيب بأن يكتب له وصفة الدواء " راجيتة " لدواء معين يحدده هذا المريض . وحينما يواجهه او يواجهها الطبيب بضرورة اللجوء إلى الوسيلة العلمية باجراء الفحص اولاً ومن ثم تحديد طبيعة العلاج تثور ثائرة هذا المريض الذي يعتبر ذلك إستهانة بصحته والعمل المتقصد على الإضرار به ، إذ ان هذا المريض يتعاطى هذا الدواء منذ سنين ويريد الإستمرار عليه . وحينما يلجأ الطبيب إلى محاولة إقناع المريض بضرورة إجراء الفحص مع ذلك ، يثور هذا المريض محتجاً فهو لا يرى اية ضرورة للفحص او القيام بأية تحليلات مختبرية للتأكد من مدى فعالية هذا العلاج ، ويعبر عن ثورته هذه بالصياح بوجه الطبيب وتهديده باقصى العقوبات إن لم يستجب لرغبته وهو يصر على انه الأعلم بتحديد نوعية علاجه . ولا يجد الطبيب بديلاً امام الرضوخ إلى رغبة هذا المريض الذي يجد من الإسناد من بعض الجهات المتنفذة إدارياً ومهنياً في المستشفى ذاته ما يجعله سيد الموقف وصاحب الكلمة العليا ليظل الطبيب المسكين يداري خجله وكسر شوكته والإزدراء بالعلم الذي يريد توظيفه لخدمة اهل وطنه وهو يعلم ان استمرار وقوفه معارضاً لإجراء كهذا لا يجديه نفعاً ، لابل سيؤدي به إلى التهلكة في العراق الجديد عراق شعيط ومعيط او شعيطة ومعيطة .

أما الظاهرة المشينة الأخرى والتي تشمل كل الأطباء وفي جميع المستشفيات فتتلخص بلجوء بعض مليشيات احزاب الإسلام السياسي إلى التهديد علناً بالإقتصاص من الأطباء الذين يقومون بفحص النساء والذين يقومون بزيارات تفقدية لردهات النساء . ويشمل هذا التهديد المستشفيات ايضاً بكل كادرها حينما تسمح هذه المستشفيات بذلك ولا تتوقف عن ممارسته فوراً . ولم تخلو هذه التهديدات من العقوبات التي تفرضها هذه العصابات والتي تتضمن القتل او الإختطاف او حرق المستشفى او غير ذلك من الإجراءات " ألإسلامية الجهادية " التي يقررها امراء هذه العصابات وقادتها . إن ظاهرة قتل الأطباء او الإعتداء عليهم داخل المستشفيات وهم يمارسون عملهم تفشت في العراق بشكل ادى إلى هجرة الكثير منهم إلى خارج الوطن او لجوءهم إلى كوردستان في احسن الأحوال مما ادى إلى عجز واضح في الكادر العلمي في المستشفيات العراقية والذي تسبب عن تعذر تقديم العلاجات الطبية الكافية للعراقيين المرضى بشتى الأمراض التي إستفحلت في السنين الأخيرة ، خاصة بعد الإحتلال الأمريكي وتعرض الناس إلى مخلفات إستعمال الأسلحة الملوثة بمسببات الأمراض السرطانية . كما يعاني معظم العراقيين اليوم من امراض ضغط الدم والسكري وانواع كثيرة أخرى من الأمراض التي تفاقمت بسبب سوء التغذية وعدم توفر الماء الصالح للشرب في كثير من المناطق إضافة إلى التلوث البيئي باشكاله المختلفة وما يسببه من امراض .

فيا حكومة المحاصصات الطائفية والشراكات اللصوصية بكافة احزابها التي تطلق على نفسها إسلامية وكل شركاؤها في الفساد الذي أدى إلى خراب البلد ، هل تسعون إلى خراب الإنسان ايضاً وخاصة تلك الفئات من الشباب وفي كل المجالات المختلفة والذين يسعون إلى بذل ما يملكونه من جهد وقوة وعلم لخدمة وطنهم واهلهم ؟

ما نراهن عليه ونرجو تحقيقه ، وذلك في ايدينا إن أردنا ، هو ان نودع الأشهر الباقية لحكومات الإسلام السياسي والقوى المشاركة معه في إيصال العراق إلى الظلمات التي هو فيها الآن بالمثل العراقي القائل " روحه بلا ردَّة " ونسعى جميعاً ومن خلال إنتخابات حرة ونزيهة إلى تحقيق قيادة البديل الديمقراطي للعملية السياسية في وطننا .

إن هذا البديل الذي يجب ان نرعاه ونحتضنه وندعم مسيرته يتمثل في تيار القوى الديمقراطية المدنية الذي سيخوض الإنتخابات القادمة مُعوِلاً على إسناد الشعب العراقي له ومراهناً على حصوله على هذا الإسناد .
 

free web counter