| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com

 

 

 

الثلاثاء 5/10/ 2010

 

التاريخ المرئي لعهد الملك فيصل الثاني
1953- 1958

(2)
الاعتراضات الأساسية على (آخر الملوك)

أ.د. سيّار الجميل

دعوني احدد بعض الاعتراضات الأساسية قبل ان أدلي بالتفاصيل .. فماذا نجد ؟

اولا : المجتمع العراقي بين زمنين
لا عتب أبدا على الأخوة الممثلين والممثلات ، فهم جميعا قد اختيروا لأداء ادوار أساسية ، أو ثانوية ، ولكن كل العتب ينصّب على مؤلف العمل ومخرجه ومنتجه الذين سمحوا بأداء وتمثيل شخصيات ، هي بعيدة كل البعد عن أشكال وأساليب وأفعال وأقوال أولئك الذين عاشوا قبل أكثر من خمسين سنة .. وقد وجدت ابتعادا كبيرا بين الحقيقة والتمثيل .. بين شخصيات عاشت ضمن اعتبارات معينة وممثلين لها لا يمثلونها أبدا .. لقد كان توزيع الأدوار سيئا للغاية ليس بسبب مشكلة المخرج ، بل لأن النص أصلا قد اخطأ في تقديم الأدوار ، سواء كانت هزيلة ، أو منكفئة ، أو رديئة ، أو غريبة .. الخ إنها مشكلة التبدلات التي أصابت المجتمع العراقي في أدق تفاصيله .. إن ما كان يتصرف به الناس من الآباء والأمهات في مجتمعنا العراقي قبل خمسين سنة من اليوم ، لم يعد موجودا في عرف أبناء اليوم ، ومما زاد في الطين بلة ، أن من قام بكتابة العمل وتنفيذه لم يعيا طبيعة العلاقات بين الناس عهد ذاك ، بل ولم يعيا قيم الماضي القريب ، فكيف بهم يدركون طبيعة العلاقات بين الأعيان والطبقة العليا في المجتمع ؟ وعليه ، فلقد انعكست سمات الحاضر اليوم بكل رداءتها على الماضي ، وشوه الماضي . لقد وجدنا ذلك في الملبس واللغة المستخدمة في المحادثة والمخاطبات والرؤية للأمور والأساليب الاجتماعية العليا التي كانت متوارثة لدى العوائل الكبيرة وقد انتهت اليوم .. الخ

ثانيا : اللغة المحكية بين زمنين
ليس هينا أن تصوّر حياة عهد سياسي عمره خمس سنوات ، وقد مضى عليه أكثر من خمسين سنة بمثل ما جرى في هذا " المسلسل " الذي عكس تاريخا مشوّها جدا لحياة العراقيين . إن اللغة التي استخدمت في المسلسل مشوهة تماما ، ليس فقط من ناحيتها الفيلولوجية اللفظية ، ولكن من النواحي الاجتماعية والشخصية والسياسية .. العراقيون مثلا يلفظون كلمة ( الباشا ) بالباء المعجمة " التي تحتها ثلاث نقاط ، وكأنهم يلفظون حرف P في الانكليزية ، فهم ليسوا كالمصريين يلفظونها بالباء العربية .. فما الذي وجدناه في هذا المسلسل ؟ كل ممثل يلفظها بطريقته ، من هو قديم يلفظها عراقيا ، ومن هو شاب يلفظها مصريا ، فكانت مضحكة للغاية ! وعكس ذلك ما جرى لكلمة ( باش أعيان ) التي يلفظها العراقيون بالباء العربية ، ولكن المسلسل جعلها بالباء المعجمة !
لقد استخدم المؤلف ألفاظا ليست في محلها أبدا ، بل وادخل من عنده عدة ألفاظ جلفية ، لم تكن تستخدم أبدا في المحادثة بين الناس وقت ذاك ، فكيف يستخدمها الأعيان ؟ بل وكيف بها تستخدم بين أعضاء العائلة المالكة . لا يمكن أبدا أن تخاطب الأميرة عابدية صديقتها بكلمة ( ولج ) ! ولا يمكن أبدا أن نجد مصطلحات مصرية وكلمات جديدة مثل ( المشوار ) و( نتناقش ) و ( تحليلات ) في لهجة أيام زمان العراقية ! إن الفرق كبير بين ملك ( بكسر اللام ) وبين ملك ( بفتح اللام ) ، فيقال ملك ( بالفتح ) الموت وليس ( بالكسر ) ! وكما وقع المؤلف في مشكلات مثل هذه في مسلسل نوري السعيد في العام الماضي ، فقد أوقع نفسه في المشاكل ذاتها ، ولا ادري لماذا يصرّ على أن يكون هو نفسه مالكا للحقيقة وغيره لا يدركها ؟ العراقيون لا يسمون الكهوة المرة ، بكهوة سادة ، كما طلبها نوري السعيد في المسلسل ، ويبدو أن المؤلف قد تأثر بالأخوة السوريين أو المصريين ، لكي يطلب نوري باشا القهوة السادة ! أو كما جاء على لسان زوجة المسواقجي قولها " اكل بكلبي حلاوة " ! أو ما جاء على لسان الأمير عبد الاله : " فاض بيّ ومليت " ! ما هذه العبارات غير العراقية التي اسقطها المؤلف على تاريخنا ؟

صحيح ان العائلة المالكة العراقية كانت تتكلم بالعراقي ، وخصوصا فيصل الثاني الذي اشتهر بلكنته البغدادية الصرفة ، ولكن بقية أعضاء عائلته كانوا يتكلمون بلهجة عراقية مضطربة تشوبها النكهة الحجازية .. والحجازية ليست كالتي أداها الشريف حسين زوج الأميرة بديعة في المسلسل ، فهذه التي أداها خلطة بدوية وأردنية وخليجية لا تمت لها بأي صلة للحجازية ، فلهجة أهل الحجاز أيام زمان لا هي بلهجة أهل حائل ، ولا بأهل نجد ، ولا بأهل الإحساء ولا بأهل الأردن ولا العراق . فهل أدرك المؤلف والمخرج ، كم تجنّوا في نصهم ومسلسلهم على أصحابه ؟ وإذا كان احمد مختار بابان يتكلم البغدادية بتثاقل ، فان سعيد قزاز كان يتكلم العراقية باللهجة الكردية ، أما السيد محمد الصدر فلغته نجفية مفخمّة .. ولا اريد ان اصف هزال كلام بقية الشخصيات في المسلسل . لقد اخطأ المسلسل بحق كل شخصية من شخصياته .. فما كانت هكذا هي اللغة المحكية وقت ذاك ! إن اللغة الملكية داخل القصر أو خارجه ، لم تكن سوقية ، بل كانت على اشد ما يكون من التهذيب . ليس صحيحا أبدا أن تخاطب مديحة الداغستاني صديقتها الأميرة عابدية بقولها " لج عيني عابدية .. " ! هذه اللغة لم تكن موجودة في القصر الملكي !

ثالثا : غياب الاهم والمهم معا
صحيح أن المسلسل يتحدث عن عهد فيصل الثاني لخمس سنوات ، ولكن هناك مأخذ أساسي عليه . انه يتكون من ثلاثين حلقة ، ولكن صاحبنا المؤلف قضى أكثر من عشرين حلقة وهو يراوح في مكانه لسنة واحدة بين التتويج عام 1953 وبين فيضان بغداد عام 1954 ، وعالج السنوات الأربع الأخرى على عجل في عشر حلقات .. توقف طويلا أمام شخصيات معينة ، ونسي شخصيات مهمة أخرى ، مثل : ارشد العمري ، ومحمد مهدي كبه ، وعبد الكريم قاسم ، وعبد السلام عارف ، والملك حسين وغيرهم .. حصر الملك في قصره .. صحيح أن فيصل لم يختلط بعامة الناس ، ولكنه كان على امتداد سنوات عهده كثير الزيارات للمدارس والمعاهد موثقا علاقته بالنخب المثقفة .. إذا كان المؤلف قد وظف بعض الأحداث المهمة مثل فيضان بغداد لغايات وطنية من اجل بغداد ، فلقد الّح على ذلك كثيرا ، بحيث افقد الدور مصداقيته ! وقد جاءت مشاهد عدة تقول بأن المؤلف لو كان أطلق عنوان ( آخر المسواقجية ) على مسلسله بدل ( آخر الملوك ) ، فاغلب المشاهد مسلطة على سلمان ابو جعفر مسواقجي القصر او ما يطلق عليه بـ ( الخزمه جي ) وتفاصيل دقيقة عن حياته ونسوانه وإبراز تناقضاته وكأنه يمثل كل الشعب العراقي ! صحيح ان الفنان سامي قفطان قد اجاد الدور ، ولكنه لم يصلح في مثل هذا المسلسل .

وإذا كان المسلسل يدعي في بداية كل حلقة القول انه يمثل وقائع حقيقية .. فان ما وجدناه لا يمثل ذلك ، إن التركيز على المسواقجي بمثل هذه الشكل ، وعلى أشياء لا تبرز تناقضات الحياة العراقية بصورة واضحة ! لقد اخفق المؤلف تماما في جعل المسواقجي لا يستسيغ أكل النواشف من يد زوجته الثانية التي لا تطبخ التمن والمركة إلا في الأسبوع مرة واحدة ! ما فائدة مثل هذه الهوامش كي تقحم إقحاما علينا ؟ إن كل ما تضمنه المسلسل ، قد اتلف وقت المشاهد ، وأضاع من قيمة العمل ومتعته . انه خروج متعمد عن فحوى تاريخ آخر الملوك ! فضلا عن مماحكات تلك الزوجة الثانية جنان وابنتها . إن مشكلة المسواقجي مع زوجتيه وابنه قد أخذت كثيرا من قضايا الشعب العراقي . إن حوارات ساذجة وتافهة قد شغلت حلقات عدة ما كان لها أن تكون ، بل كان الوقت ثمينا جدا كي يوظّف لمسائل أخرى أساسية وضرورية .

رابعا : غيبوبة الاحزاب السياسية وحركة الضباط الاحرار
إنني أقول بأن المؤلف قد اختلق وقائع من عنده ليس لها أي وجود ، وقد شّوه بطريقته تاريخ خمس سنوات من العراق . غيّب الأحزاب ، وغيّب القوى السياسية ، وحركة الشارع والثقافة العراقية وحصرها بأسماء معينة لا تمثل جوهر الحياة الاجتماعية العراقية ، ولا إبداعات المثقفين العراقيين .. غيّب مؤسسات فاعلة في المجتمع عهد ذاك منها دار المعلمين العالية ، ومنها الفرق الفنية ، ومنها الصحافة المتنوعة ، ومنها الفن الغنائي العراقي ، ومنها التظاهرات الجماهيرية .. الخ . حصر حركة الضباط الأحرار برفعت الحاج سري ورجب عبد المجيد حتى النهاية ، ولم يظهر عبد الكريم قاسم ولا عبد السلام عارف ، وهما اللذان قادا الحركة ضد النظام الملكي والانفجار فجر 14 تموز 1958 ! لقد ضيع المشاهدون ساعات من متابعاتهم مشاهد ليس هي الا مجرد سخافات لا معنى لها أبدا . وفي المشهد الذي نجد نوري السعيد وهو قبالة رفعت الحاج سري .. ينهره عن أي فعل عسكري قد يقومون به . أصحح بأن رفعت لم يجب سيده على ما قاله له ، ولم يكن اللقاء في ثكنة عسكرية وعلى الملأ ، بل استدعاه وقال له بعد أن ذكّره بأفضاله عليه حين توسّط له أن يقبل بالكلية العسكرية ببغداد بحكم صداقة نوري بوالده الحاج سري .. وعقّب قائلا له : يا رفعت إن نجحتم في مؤامرتكم ، فسوف يعلّق أحدكم للآخر المشانق !

خامسا : شخصية الملك فيصل الثاني
شخصية فيصل الثاني ، أجاد تمثيلها الممثل الشاب خليل فاضل ، ولكن لا ادري لماذا أبقى المخرج شعره طويلا ، فشعر الملك فيصل لم يكن هكذا أبدا ، كان يكتفي بشعر خفيف ، ولم يكن طويلا ، كما ظهر في المسلسل . كان فيصل الثاني شابا له شخصيته المتواضعة ، ولم يكن متهورا ولا مائعا ولا متكبرا .. لا مدخنا ولا مدمنا ، بل ولم يعرف الخمرة أبدا في حياته . كان متدفق الحيوية ، ينام مبكرا ويصحو مبكرا ، يمارس الرياضة واهتماماته الأخرى .. كان طيب القلب ، وصاحب نكتة ظريفة ، وسريع البديهة .. لكنه يكظم حزنا في صدره وأعماقه ، كما حدثتني عن ذلك مربيته البريطانية قبل سنوات طوال في بريطانيا ، وقد نشرت ما قالته لي في أكثر من مكان . مشكلة فيصل الثاني ، انه بقي خلال السنوات الخمس التي حكم فيها العراق ، حبيس القصر والبلاط ، صحيح انه كان يلتقي مع ضباط جيشه وبعض الشباب من الفنانين والمثقفين ، لكنه لم ينزل إلى الشارع ليختلط بالناس ، ولم ير الآمهم وأوجاعهم . صحيح أن خاله وخالته وجدّته كانوا يخافون عليه خوفا كبيرا ، إلا انه لم يستطع أن يفلت من زمام تلك القبضة التي راح ضحيتها ظلما وعدوانا .

كنت أتمنى على الأخ المخرج أن يطلب من البطل انشدادا أكثر ، وان يعلمه مخارج الحروف بشكل جيد ، وخصوصا ، عند لفظ كلمات عراقية ، مثل ( الباشا : بالباء المعجمة ) . كنت أتمنى أن يكون له دوره المشابه لدور البطل في مسلسل الملك فاروق الذي عرض قبل سنتين وأجاد الممثل تيم حسن فيه إجادة بالغة .. ذلك البطل الذي جسّد إلى حد كبير شخصية ملك مصر . وكان على البطل عندنا أن يكون أفضل مما كان، لو تمّرن على نص وبإخراج دقيق لأتى ببطولة أهم ، خصوصا وانه أجاد التمثيل .

سادسا : خلاف شكلي أم صراع لا اخلاقي ؟
نوري باشا والأمير عبد الاله كما ظهرا في المسلسل ، كونهما في صراع لم يكن بهذه الصورة أبدا . نعم حدث خلاف خفي بين الاثنين ، ولكن لم يتم التراشق بين الاثنين ، والأحرى لم يتطاول نوري على الأمير عبد الاله بالصورة التي أظهرها المسلسل . لقد ادمج المؤلف التتويج باختيار رئيس جديد للوزراء ، وان نوري باشا قد زعل زعلا شديدا جراء عدم استشارته لاختيار الدكتور فاضل الجمالي ! وقد أبقاه المؤلف في حالة نفور واستعداء جراء عدم استشارته ! إن الأمر ليس كما ظهر في المسلسل ، فلقد اعتلى فيصل الثاني العرش يوم 5 مايس / ايار 1953 ، وشكّل الوزارة مباشرة جميل المدفعي بعد يومين ، أي يوم 7 مايس 1953 واستمرت حتى 15 أيلول 1953 ، وقد اشترك فيها نوري السعيد وزيرا للدفاع وعلي محمود الشيخ علي ( احد أقطاب حركة 1941 ) وزيرا للعدل ، وخليل كنه ( وزيرا للمعارف ) ، والدكتور محمد حسن سلمان وزيرا للصحة .. فما الذي يدعو نوري السعيد كي يتكلم ويخاطب عبد الاله كما صورها المسلسل ؟ ثم شكّل الجمالي وزارتين بين 17 أيلول 1953 و 27 نيسان 1954 ، وأعقبه ارشد العمري بوزارة حتى 17 حزيران 1954 . كان الجمالي فيها وزيرا للخارجية والمعارف وكالة .. ولم يمتنع عن المشاركة في أي وزارة كما صوره المسلسل .. لم يمتنع احمد مختار بابان عن المشاركة بالوزارة كما صوره المسلسل ! حتى يشكّل نوري السعيد وزارته يوم 4 آب 1954 ويستمر بها حتى 17 كانون الأول 1955 . إن إلحاح الكاتب على هذا الخطأ ، قد أوقع المسلسل في أزمة تاريخ وحتى الحلقة 22 . ونعيد ونكرر بأن الخلاف بين الرجلين لم يتعد وجهة نظر ، ولم يصل ذلك إلى المستوى السخيف في أن يحتد نوري على عبد الاله ، ويقلل من شأنه ، ويخاطبه بصلافة ، ويتركه ويخرج ، أو يتعمد أهانته ، كما اظهر المسلسل .. هذا تزييف واضح لتاريخ الرجلين سواء أحببنا أم كرهنا .. سواء اتفقنا مع سياستهما أم اختلفنا ضدها وعارضناها . وأسأل الكاتب : أين هي وزارة ارشد العمري ، ولماذا لم يظهر هذا الرجل في أي لمحة ولا مشهد في المسلسل ؟ صحيح أن شخصية نوري السعيد قوية جدا ، ولكنها قد تنزل إلى مستوى الأطفال عندما يداعبهم ، وعندما تصعد إلى الأعلى تنسى كل مزاجها من اجل مصلحة معينة . نوري السعيد كانت مواقفه آنية ومزاجه يمشي ضمن اللحظة التي هو فيها ، وعندما تمضي تتشكل لحظة تاريخية أخرى . كان يحترم البيت الهاشمي كثيرا ، ولا يقلل من شأن أي فرد فيه .. بل وكان ما يقوله عبد الاله بالنسبة لنوري أوامر ، ولكن بعد استشارته . إن المشاهد التي وجدتها في المسلسل لا تعّبر عن حقيقة العلاقة الحميمة التي ربطت الرجلين احدهما بالآخر .

سابعا : المثقفون العراقيون
كنت أتمنى أن يعتني المسلسل بالمثقفين العراقيين إبان ذلك العهد ، بدل الذهاب مع تفاهات صبي ، أو مزاج مسوقجي القصر ، أو عبثية عمشة وغير ذلك . أين أولئك الذين زخر العراق بهم ؟ أين شهرتهم ؟ أين دور دار الإذاعة ؟ كم هو عدد الصحف في بغداد وحدها ؟ أين هي الأغاني والأسماء الكبيرة للمطربين ؟ أين هم التشكيليون ؟ أين ظاهرة التلفزيون لأول مرة في دول المنطقة ؟ أين الشوارع والفلكات الجميلة التي كانت ترش كل يوم من قبل أمانة العاصمة ؟ أين شارع طه والتنزه فيه في الأمسيات ؟ أين النوادي ؟ ونادي العلوية بشكل خاص ؟ أين هي باصات ليلاند الحمراء من ذوي الطابقين التي خصّت بها بغداد فقط بعد لندن ؟ دعوني أتوقف قليلا عند واحد من أشهر المثقفين والمبدعين العراقيين الذين ألحّ المسلسل على تواجده ، ولكن أين ؟ سكرانا في ملهى أو متبجحا في ميخانة تعج بالجواسيس .. انه غائب طعمه فرمان ! ولكن لا اعتقد ان هذا المثقف التقدمي قد ظهر على حقيقته عدة مرات في المسلسل ، فهو من مواليد 1927 وفي العام 1947 غادر إلى القاهرة لغرض الدراسة في كلية الاداب ، واندمج هناك في حياتها الأدبية ، ونشر في بعض مجلاتها ، ولما عاد إلى العراق بعد 3 سنوات وعدة أشهر ، أي في نهاية 1951 ، عمل في جريدة الأهالي للجادرجي . بدأ ينشر عراقيا ، لكنه لم يستقم مع الحياة العراقية والسياسية بشكل خاص ، فغادر العراق إلى بيروت ودمشق والقاهرة مرة أخرى عام 1954 وبقي هناك سنوات طوال ، إذ اصدر في القاهرة كتابه " الحكم الأسود في العراق " عام 1957 .. إن إبقاء المسلسل لوجود غائب طعمة فرمان مكررا عدة مرات ، وحتى نهاية المسلسل هو من اكبر الأخطاء التي ارتكبت ، إذ طالت الأخطاء حتى حياة المثقفين العراقيين الاصلاحيين والتقدميين .

ولا ادري لماذا إلحاح المسلسل على الفنان عطا صبري كونه الأقرب إلى فيصل الثاني ، علما بأن نخبة من الفنانين التشكيليين كانوا قريبين جدا من فيصل ، وخصوصا الفنان جواد سليم ـ كما تخبرنا أرملته لورنا ـ ، فضلا عن فنانين وموسيقيين ، كانوا يحلون في رحاب فيصل إبان الأمسيات البغدادية ، ويبادلونه الولاء والإعجاب والإطراء ولا ينعم عليهم جميعا ، الا بابتسامة خفيفة اشتهر بها ، مع عبارة : محبتنا للعراق وأهله ، كما حدثني الموسيقار العراقي فريد الله ويردي . أو حتى المثقف الفلسطيني الذي عشق العراق واستقر فيه أستاذا وأديبا ومترجما .. انه جبرا إبراهيم جبرا الذي حدثني منذ زمن طويل عن لغة فيصل الانكليزية المدهشة ، وكان فيصل يتابع أعمال جبرا الأدبية في مجلة أهل النفط التي تصدرها شركة نفط العراق .

ثامنا : عهد من خمس سنوات لم ينصف حتى اليوم
نعم انه تاريخ صعب للعراق والعراقيين في ظل عهد ملكي وقف على رأسه الملك فيصل الثاني ، وهو يتكون من خمس سنوات ، لكنه لم ينصف حتى اليوم ، لا من قبل خصومه وأعدائه الألداء ، ولا من قبل مناصريه ومؤيديه والباكين عليه حتى اليوم . والسبب أما أن يقع مؤرخه بين مخالب السياسيين من كلا الطرفين ، أو أن تطغى عليك العاطفة العراقية والمواقف السياسية بين يمين ويسار وما إلى ذلك من تجاذبات . إن أزمة كاتب هذا النص ، هي أزمة مثفف عراقي لا يعرف أين يضع قدمه حتى وان أراد تلميع عهد ، أو التصفيق لزعيم ، أو التسبيح لجماعة ، أو حزب ، أو تيار .. فما الذي يمكنني قوله وأنا اختتم الحلقة من هذه الرؤية النقدية والاعتراضات الاساسية؟

1/ لقد نسي الكاتب أو تناسى دور الطبقة العاملة والنقابات والإضرابات ( وخصوصا عمال النفط والطلبة ) وحراك الشارع السياسي والصحف وإغلاق المحال التجارية وانتشار النشرات السرية ومسألة الفقر والإقطاع والهجرة وقضايا السجناء وأين خطابات المعارضة في البرلمان ؟ وأين إذاعة صوت العرب ؟ وأين خطابات عبد الناصر ضد حلف بغداد ؟ أين زيارات عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا ؟ وفي المقابل حتى نكون منصفين أين منجزات مجلس الأعمار الكبرى ؟ أين دور العراق الإقليمي والدولي ؟ كيف كان المجتمع منشدا على نفسه ؟ كيف كانت قيمة العملة العراقية ؟ كم كان حجم المنجزات الثقافية ؟ إن مجرد تضمين ما يراه الخصم وما يراه الصديق داخل نصوص أو خطابات أو محادثات .. إن لم تفرد شواهد أو مشاهد لها ، فيكفي انك أديت واجبك إزاء التاريخ . وسواء كنت مع هذا أو اصطففت مع ذاك ، فالتاريخ يطالبك أن تفي بحقوق الناس بحلوها ومّرها ..

2/ إن عهد الملك فيصل الثاني من 4 نيسان 1953 ولغاية 14 تموز 1948 كان مليئا بالوقائع المريرة والأحمال الثقيلة التي رفعها كلها ملك شاب على كاهليه ، وكان حقا يتطلع نحو المستقبل ، ولكنه محاط برجال كبار السن ، وبصراعات اليمين واليسار، وتناقضات المجتمع الساخنة .. كان إرثا صعبا للغاية من الأخطاء والتجاوزات والاختلافات والصراعات والمشكلات التي كان يثيرها تصادم بين رجعيين وتقدميين كما أسموهم ، وبين أعيان قدماء وناس ومثقفين جدد ، وبين أبناء مدن وأبناء ريف زاحفين .. كان كل الصراع يثيره منتفعون ووصوليون وانتهازيون من طرف ، او يثيره مغامرون ومسحوقون وحاقدون من طرف آخر .. فكان أن دفع هذه الملك البرئ دمه وحياته ثمنا لمرحلة صعبة للغاية ومعه عائلته الصغيرة فجر 14 تموز 1958 ، ليأخذ العراق مسارا آخر في التاريخ .

 

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 4 اكتوبر 2010

 www.sayyaraljamil.com

 

free web counter