| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

سنان أحمد حقي

 

 

 

الخميس 6/11/ 2008

 

هل من فضائيّة متخصّصة في الموسيقى العالميّة!؟

سنان أحمد حقّي *

صحيحٌ أن التراث الموسيقي الشرقي والعربي غنيٌّ وثريٌّ بالمؤلفات والأعمال الميلوديّة ورغم ما سطّره الفنانون والباحثون من عطاء بالغ الأهميّة ألاّ أن الإهتمام الحقيقي والجاد بعد حقب الإنحطاط الحضاري لم يبدأ إلاّ في مطلع القرن العشرين تقريبا ومع ذلك فإن التقدم الحاصل في فن الغناء والموسيقى ظلَّ متخلفا بشكل بعيد عمّا حقَّقه العالم الغربي في هذا المجال ولا نعني هنا التقدم المتحقق في علم التأليف الهارموني فقط بل في ميدان أكثر أهميّة وهو الموسيقى البحتة أو الصرفة حيث وجدت الموسيقى الأوربيّة مثلا لها سباقا في التأليف الموسيقي بالأشكال والقوالب الجديدة مثل السمفونيّة والقصيد السمفوني والمؤلفات الكثيرة الأشكال ذات الطابع الأوركسترالي الفلهارموني ومن بعد الباليهات والأوبرات وغيرها مما لم يتعرّف عليه إلاّ نفرٌ قليل من مثقفي شعوبنا الشرقيّة تعرّفا حقيقيّا.
لقد بُذِلت محاولات كثيرة لتقديم هذه الأشكال الموسيقيّة المتطوّرة إلى المستمع أو المشاهد الشرقي والعربي ولكن بقيت المحاولات محدودة العرض فقيرة الفرص فلم تكن الأوقات المعطاة لمثل هذه الفنون في الإذاعات العربيّة تكفي لتعريف أبناء شعبنا بشكل عريض على هذه الفنون الراقية ولم تستوفي الحفلات البسيطة التي كانت تُقام في المراكز الثقافية الأجنبيّة في بلادنا ما هو مرجوٌّ منها ولم يكن ممكنا طرح هذه الإنجازات العالميّة الكبيرة على الجمهور متواضع الثقافة الموسيقية في عموم بلداننا الشرقيّة ، ولهذا لم يتعرّف المستمع ولا المشاهد عندنا على هذه الأعمال الثقافيّة الرائعة بطريقة صحيحة وسليمة وبقي المتطلع للإستماع إلى الإنجازات والأعمال الكبرى على مستوى العالم يقتصر على بعض الأغاني البسيطة مما لم يُساعد على إغناء وإثراء الأذن العربيّة أو الشرقيّة بالأعمال المتطورة والكبيرة ،و قد يقول قائلٌ أن الإهتمام بمثل هذه الموسيقى قد بدأ ينخفض عالميا ولكن هذا يتبين أنه غير صحيح ابداً وخصوصا عندما تتسنى لأحد منّا فرصة لزيارة بعض العواصم الأوربيّة أو الأمريكيّة أو اليابان أو الصين حتى يجد الطوابير الطويلة أمام صالات وقاعات الفنون الموسيقيّة ويجد ان كثيرا من الأعمال الموسيقيّة العالميّة مدار البحث لا يُمكن الحصول على تذاكر للدخول معها إلى صالات العرض إلاّ بعد حجز قد يسبق العرض بأشهر وأن الإهتمام بهذه الفنون الراقية لم ينخفض أبداً ،ويُفاخر اليابانيون مثلاً أن سائقي التاكسي في طوكيو يعرفون معظم الأعمال العالميّة الكبرى وربما يحفظون بعض انغامها عن ظهر قلب وليس لأحد أن يُجاري الروس بمفاخرتهم بمسرح البولشوي والباليهات المتفوقة والراقصين البارعين لديهم وعندما يزور أي شخص العاصمة البريطانيّة فإنه يلمس بوضوح مدى الإهتمام بهذه الفنون الراقية كلما مرّ بقاعة ألبرت أو صالة الأحتفالات الملكيّة أو مسرح كوفنت كاردن أو مسرح لندن للإحتفالات وطول طوابير الناس الذين ينتظرون الحصول على حجز مقعد ربما قبل شهر أو يزيد من موعد العرض وكذلك حال عدد من عواصم أوربا العريقة مثل فيينا وروما وباريس ومدريد وأمستردام وبراغ وبرلين وغيرها وغيرها وإذا تعذّر بعض فنانينا بحجّة كون موسيقانا الشرقيّة مختلفة بطبيعة تراثها العريق الذي يجب أن نحافظ عليه فلا أعتقد أن التراث الصيني أقلّ أصالةً من تراثنا العربي الموسيقي وليس التراث الياباني هو الآخر بأقلّ عطاءٍ في قيمه التاريخيّة ولكنه التطور والتقدم ،أليس من الغريب أن نتقبّل جميع الإختراعات الغربيّة مثل التلفزيون والراديو والهاتف الخلوي والكومبيوتر والإنترنيت وغيرها ونتوقف عن تقبّل التقدم المصاحب لفنون التأليف الموسيقي وعلوم الهارموني والتوزيع وقيادة الأوركسترا ,إنه من المخجل أن نجد أن مهمة التدوين الموسيقي الشرقي ما تزال تُعاني بعض التعقيدات وانه لم يتم لحد الآن معالجة المقامات الشرقيّة ذات أجزاء النغمة بالتوزيع الهارموني الحديث ،إن هناك حاجة ماسّة لتعريف الأذن العربيّة والمستمع بالفنون الراقية لكي نستطيع أن نرتفع بالذوق العام على أقل تقدير وللأسف فإننا لا نجد أن هذا الأمر قد انعكس ولو بشكلٍ يسير على ما تعرضه الفضائيات العربية والتي بلغت عددا هائلا لا يُمكن حصره وحسنا تفعل قناة سلطنة عمان بتقديم بعض من أعمال فرقتها الفلهارمونيّة مع أنها بحاجة إلى تقديم بعض المعلومات للمستمع العربي كأن تذكر إسم المؤلف واسم العمل ورقم المصنّف والمقام الموسيقي وإيقاع الحركات المتنوعة وسرعة وصفة العزف مع مقدمة موجزة عن العمل وعن المؤلف وسنة تقديمه لأول مرة وهكذا..
ألاّ أن كل ذلك لا يفي بالغرض المطلوب تماما إذ أنني اتمنى لو تم افتتاح قناة متخصصة لعرض الأعمال العالميّة من كل مكان ممكن ولما يتوفر من فرق فلهارمونيّة وأظن أن من يعمل على تحقيق هكذا مشروع ثقافي مهم جدا سيجد أكثر من سبيل لتحقيقه وليس كثيرا على القنوات التي لا حد لها والتي أصبح بعضها مسخرٌ للعرّافين والدجّالين أن تؤسس واحدة متخصصة بالموسيقى العالمية ولا ضير أن تقدّم من خلالها الموسيقى العربيّة أو الشرقية الراقية ولكن البحتة! وأقول البحتة أي بدون غناء وذلك لتعويد الأذن العربيّة على تذوّق الموسيقى وحدها دون تأثير الكلمة أو الشعر لأن للموسيقى لغة أخرى يجب أن يتعلّم مستمعونا الإنصات لها والتعرف على قدراتها التعبيريّة وفهم إيحاءاتها وخطابها الحسّي والعقلي إنها ثقافة متكاملة وراقية حان الوقت لكي نتعلم أنها على حد قول الموسيقار الكبير فاغنر: ــالموسيقى وحدها هي التي ترفع أو تحط من قدر المكان الذي نوجد فيه!
وحان الآن وقت التعرف على الفنون التي لا تحتاج إلى الهياج والصخب والتهريج ولا إلى الإنقياد إلى الغرائز بل على العكس توفر الجو والفرصة المناسبة للتفكير العميق بطريقة جديدة على أذن وعين المشاهد العربي ..حان الوقت لنتعرف على الفنون الراقية التي تُعطي جمهورنا فكرة جديدة عن الثقافة والفن والفكر بديلا عن الصخب والإنحطاط الفكري والثقافي الذي يسود ساحة الموسيقى والغناء إن تقديم ألوانا أخرى راقية من الأعمال الموسيقية والباليهات والأوبرات وفنون راقية أخرى للتأليف الموسيقينشات قبل ما يقرب او يزيد من ثلاثة قرون كاملة، من شانه أن يرقى بمستوى الفن والثقافة وهو ميدانٌ لم يطرقه جمهورنا إلاّ قليلٌ ممن أتيحت لهم فرصة العيش في بلاد العالم المتقدم ..إنها جانبٌ من التقدّم والرقيّ لا بد من أن نطرقه ..حيث أن مستمعينا لحد الآن لا يشغلهم النغم والجملة الموسيقيّة قدر ما هم منشغلون بالكلمة ،والموسيقى وهي عالم أرحب وأوسع وأكثر حريّة من الكلمة وكأنه عالمٌ لم نتعرّف عليه بعد إن المستمع العربي لا يستطيع لحد الآن أن يُطيل الإستماع إلى مقطع موسيقي يزيد على عشر دقائق وهذه مشكلة كبيرة أي أنهم لا يسمعون بل يتكلمون وكانهم نسوة إحدى المحلات الشعبيّة، إن من يُريد أن يقرأ يجب عليه أن يرى أولاً ويُصغي لما حوله وهو ثلاثة أرباع المعرفة إن التأمّل الحيّ يُشكّل أحد أهم أركان نظريّة المعرفة ويؤسفنا أن نقول أن ليس لدينا من يبذل جهدا في سبيل تعلّم التأمّل الصحيح والمتكامل، والموسيقى هي أحد أهم المعلمين وعندما يتوفر لدينا جمهور يُصغي لساعةٍ أو يزيد أو ربما ثلاث ساعات إلى عمل موسيقي أو باليه أو أوبرا فإننا سنعرف معنى التأمّل الحيّ والمعرفة الحقيقيّة .
إننا أيها القاريء الكريم أحوج ما نكون إلى قناة فضائيّة متخصّصة في الموسيقى العالميّة لتقديم عروض موسيقية سيمفونيّة وأوبرات وباليهات وأعمال موسيقيّة جادة وتعريفنا بالنتاجات الموسيقيّة الجادة لأمم الأرض وتعريف المشاهدين بأسس التأليف الموسيقي والتأليف الهارموني وتقديم الندوات والبرامج التي تشوّق المشاهد وتمتّعه وطرح المؤلفات العربيّة الموسيقيّة من ضمن النتاج العالمي وتقديم المؤلفات العربيّة البحتة مع تجنب الغناء إلاّ ما كان مؤلفا للأداء الأوركسترالي ، أننا نستمع ليل نهار إلى أنغام مكرورة ويسرق احدهم أنغام الآخر وتُقدّم بشكل غالبا ما يكون غير متقنٍ ولا يلبّي الأداء الموسيقي والإخراج الموسيقي السليم .
إننا بحاجة ماسّة إلى ثقافة موسيقيّة حقيقيّة نتلقّى معها أرقى فنون التأليف الأوركسترالي والهارموني ليتعرّف جمهورنا على الفنون المتقدمة ، وليس التقدم أن نستعرض أنغاما هابطة وجملا موسيقيّة ساذجة بصحبة آلات موسيقيّة ألكترونيّة ونقول ونخدع أنفسنا أننا نقدّم موسيقى متقدّمة ، هذا للأسف الشديد ليس سوى خداع وتخلّف
فهل من مستجيب لدعوة فتح قناة متخصصة للموسيقى العالميّة الغربيّة منها والشرقيّة ولكن للموسيقى ..للموسيقى فقط.

 

* مهندس ومنشغل بالثقافة

 

free web counter