|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  24  / 3 / 2016                          راهبة الخميسي                                   كتابات أخرى للكاتبة على موقع الناس

 
 

 

ابوح بما تحدثت لي ناهدة الرماح
(2)

راهبة الخميسي
(موقع الناس)

لا أحد يدري كم تعرضت الى محاولات كثيرة كانت الغاية منها إبعادي عن جمهوري وناسي, ولكنني لم أتخاذل ولم أفرط بكرامتي ومواقفي من فني ومن مبادئي, ولطالما حاولوا إجباري على تقديم ما يخدم النظام المباد ولكنني رفضت بشدة أن أتخلى عن قيمي وبقيت مرفوعة الرأس شامخة كنخلة العراق, وحينها منعوني حتى من دخول دار الاذاعة والتلفزيون وكان ذلك في بداية عام 1970 حين جن جنونهم عندما دخل رئيس النظام الفاشي يوما الى مبنى الاذاعة والتلفزيون وقابلته صدفة وجها لوجه ولم أعر وقتها أي إهتمام أو أي تكبير له كما كان يفعل البعض وإعتبرته شخصا عاديا لا يؤشر في نفسي أكثر من أي عابر سبيل, قالوا حينها "ان ناهده الرماح لا تحترم الرئيس ويجب أن تعاقب" نعم لم أحترم طاغية العراق ولم أتزلف للنظام الفاشي الذي كان سببا في استشهاد أبطال العراق المناضلين عام 1963 أثناء التعذيب في أقبية سجون البعث, لم أحترم طاغية العراق الذي قتل الأبرياء في قصر النهاية, لم أحترم طاغية العراق الذي كان سبباً في موت النساء والرجال والاطفال بالسلاح الكيمياوي في حلبجه, لم أحترم طاغية العراق الذي كان سببا في تشتت العراقيين في بقاع متباعدة من العالم, لم أحترم الطاغية لأنني وضعت كرامتي وكرامة بلدي العراق فوق كل شيء.

أنا لم أبال بكل ما خسرته في حياتي من غالٍ ونفيس وحتى فراقي لأفراد عائلتي وخسارتي لبيتي بما فيه, كل ذلك لم يشكل عندي بقدر ألمي وخسارتي الكبيرة لتاريخي الفني الذي أعتز وأفتخر به, فقداني لما كنت أحتفظ به سنين طوال لتاريخي الفني , فقدته في يوم واحد حيث أحرقت كل ألبوماتي التي سلسلت تاريخي الفني بكامله منذ أول لحظة وقفت بها أمام الكاميرا وحتى إنطفأ نور بصري, لقد أرشفت هذا التأريخ ب 70 ألبوما من الصور التي تستعرض كل تاريخي الفني,أفلامي ومسرحياتي واللقاءات والمقابلات والمهرجانات الفنية والمؤتمرات الفنية ولقاءاتي مع الفنانات العربيات والاجنبيات مثل فاتن حمامه وجينا لولو بريجيدا وصوفيا لورين وغيرهن من الفنانات العالميات, نعم لقد أحرقوا كل ما كنت أحتفظ به من أرشيف مصور طيلة حياتي الفنية والذي أعتبره هو رصيدي الأكبر في حياتي التي لم أحظ منها إلا بكآبتي بين الجدران التي أسكن وسطها الان.

فاعتكفت ومنعت نفسي حتى عن مقابلة الآخرين فكنت أخرج أجول شوارع لندن وأنا أبكي خسارتي التي لا تعوض, وبقيت لثلاثة سنين أمتنع عن الالتقاء بالآخرين بسبب أزمتي الكبيرة هذه وكانت هذه الفترة مرتعا لذوي النفوس الضعيفة ليكتبوا عني ما شاءوا واضعين ضمائرهم تحت أقدامهم فكتبوا عني "ناهده الرماح تتسول في شوارع لندن" كما جاء بقلم ساجده الموسوي عام 1980 والتي لم يرد عليها أحد ليقول لها: كلا وألف كلا فإن ناهده الرماح غنية بكرامتها التي لا تتزعزع وكبريائها الذي هو كبرياء العراق مهما ألم بها العوز.

وهنا لا يمكن أن أنسى موقف أحبائي وأصدقائي من العراقيين الذين كانوا يتابعونني رغم إتخاذي لقراري بالابتعاد عن الناس فكانوا يتفقدونني ويسألون عن صحتي ويتابعون وضعي النفسي الذي لا أزال أعاني منه حتى الان.

كانت الرماح مسترسلة في حديثها وكأنها تقلب صفحات ذكرياتها وتحاول أن لا تنسى لحظة واحدة من تاريخها الفني الزاخر بالعطاء لبلدها ولناسها , مما جعلني أكتفي بالإستماع والإصغاء لما تقول, فكنت معها لحظة بلحظة وكأنني أرافقها وأبحث معها عما تخبئه ذاكرتها من تاريخ فني رائع هو فخر لكل العراقيين.

بعد ذلك قالت لي الرماح حين سألتها عن الفترة التي قضتها بعيدة عن العراق وهل كانت تتابع أعمالا فنية هنا وهناك أم أنها إبتعدت بسبب ظروفها الصعبة ووضعها النفسي الخاص الذي لازمها طيلة هذه الفترة. قالت: منذ أن غادرت العراق وحتى هذا اليوم لم أتوان عن العمل الفني أبداً فقد قدمت ندوات ومحاضرات كثيرة في بقاع مختلفة من العالم موسكو, براغ, هنكَاريا, السويد,الدانمارك أمريكا , لندن , ودول الخليج , ندوات عن تاريخ المسرح العراقي وعن تاريخ السينما العراقية, وعن ألمرأة في المسرح العراقي, وعن حياتي الفنية في المسرح وفي السينما, في لندن أخرجت عدة مسرحيات للطلبة العراقيين أذكر منها مسرحية (ألدراويش يبحثون عن الحقيقة) ومسرحية (ألصمود).

في موسكو وفي نهاية عام 1973 وكان يوم رأس السنة الميلادية , لن أنس تلك الليلة التي قضيتها مع أحبتي المبدعين العراقيين في بيت الفنان احمد النعمان, هناك ايضا كان الأديب الروائي الرائع المرحوم غائب طعمه فرمان والذي طلب مني آنذاك أن أؤدي مقطعا من مسرحية النخلة والجيران عن روايته الخالدة والتي تحمل نفس الاسم , فأديت دوري أمامه وأمام الحاضرين هدية لهم بذلك اليوم ,(تضحك الفنانة ناهده الرماح حين تستذكر كيف أن الحاضرين توقعوا مجيء الشرطة عندما صاحت رديفه بأعلى صوتها على زوجها حمادي العربنجي - " ولك حماااااادي أبو سنون المكسره !!!") وعندما إنتهيت من أداء دوري وبعد أن أخبرت رديفه جاراتها بأن الشربت الذي شربن منه هو شربت إنكَليز "الويسكي" تفاجأت بغائب طعمه فرمان وهو يسارع لإحتضاني ويقول لي فرِحاً : أنت ِ رديفه بدمها ولحمها , لقد جسدت رديفه بكل ما أردتها أن تكون في روايتي "يا ناس هي هاي رديفه التي كتبت عنها في النخلة والجيران". قدمت لوحات فردية (أم الشهيد) و(رسالة الى أمي) وكانت الأخيرة في أمريكا حين التقيت بالدكتور علاء يحيى فايق (دكتوراه في المسرح) كان ذلك العرض عام 1998 حيث قدمت فيه مقاطعاً من بعض مسرحياتي, وحين طلبوا مني مشهداً فرديا لأقدمه خلال المقابلة شعرت بأنني أدخل المسرح وأعتلي خشبته فأرى صورة أمي معلقة على الجدار أمامي فحكيت معها واستذكرت كل ذكرياتي بعد أن وصلني خبر وفاتها (رحمها الله) فاسترجعت كل أيام طفولتي وشبابي ووصلت الى "من المسؤول" فمثلت قسما من دوري فيه ثم وصلت الى مسرحية المفتاح فمثلت كل دوري فيها , بعدها مثلت مشهدين من مسرحية النخلة والجيران رائعة الكاتب الكبير الراحل غائب طعمه فرمان.

كانت هديتي لأمي هي لوحة ممسرحة أعددتها أنا وأسميتها رساله الى امي - فهي لها ولكل الامهات العراقيات: "لا أظن أرضاً رويت بالدم...كأرض بلادي لا أظن حزناً كحزن الناس في بلادي لا أبكي من القلب ولا أضحك من القلب ولا أموت إلا فيها كان عندي بيت...ووطن...وعائلة مات زوجي بالتعذيب على أيدي الفاشيين فقدت إبني الحبيب في قصر النهاية فقدت إبني الثاني وعائلته بالسلاح الكيمياوي في حلبجه أعيش في الكابوس الذي هجّرني كما هجّر الكثيرين من العراق لا أمتلك الان غير كرامتي ومفتاح بيتي هنا سأظل قوية وصبورة ككل الأمهات في بلادي" بعدها وجدت نفسي أهلهل وأغني فأقول: (يا إبني يالغايب وحكَ هاي المسية كل يوم أحلم بيك جنك جاي اليه إجو ربعك ذكروني والحلم كحّل عيوني يبني يالعشرين ورده يل إجيت اليوم اليه دربك لبغداد وأعمالك زهيه)

قدمت ندوات عن المسرح العراقي وكان ذلك في مدينة شيكاغو وكاليفورنيا وديترويت وفي مدينتين كنديتين هما تورينتو ولندن (الكندية) وفي الخليج قدمت عام 2002 وعام 2003 ندوات ومحاضرات عن المسرح والسينما في العراق. وأذكر أيضا أنني كنت في عام 2001 ضيفة على المحطة التلفزيونية الفضائية (أي أن أن) حين دعاني محي الدين اللاذقاني وقدمتني الفنانة المصرية "محسنه توفيق" التي استقبلتني بالأحضان وبكت وقالت لي "من سنين وأنا كنت أحلم أشوفك يا ناهده الرماح الرائعه" وكان أيضا في إستقبالي مع الفنانه محسنه توفيق الفنانان أحمد بدير ومدحت صالح أللذان أخجلاني بطريقة إستقبالهما لي حيث كانا يقبلان يديّ بين حين وآخر.

وحين طلبوا مني مشهدا فرديا لأقدمه خلال المقابلة, قدمت مشهدين عن دوري في مسرحية النخلة والجيران.

هكذا تحدثت فنانتنا الكبيره ناهده الرماح رائدة الفن المسرحي السينمائي العراقي. وفي نهاية المطاف قالت (تساءلت...ما هذه البقع الضوئية التي أراها أمامي؟ إنها تكبر وتكبر وتزدحم بوجوه أعرفها وأخرى لا أعرفها, تقترب مني وتبتسم, وأنا في حيرتي هذه شعرت بيد حنون تمسك بيدي وتقول "إيفري ثنك إز أول رايت مدام الرماح" فأدركت أنني راقدة في إحد مستشفيات لندن , هكذا أنا في أحلام اليقظة والمنام لا أبتعد عن عراقي وعن بغدادي.

 

2005

 

ابوح بما تحدثت لي ناهدة الرماح (1)
 

* ناشطة مدنية - السويد
 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter