| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

رواء الجصاني

jassaany@yahoo.com

 

 

 

الأثنين 16/2/ 2009

 

الجواهري: لواعج ومواجهات
(10 الأخيرة)

رواء الجصاني

مع تعاظم رفعة ومكانة الجواهري، ابداعاً ووطنية، وانتشار وترسخ رؤاه التنويرية ومنظومته الفكرية، تعاظمت لواعجه من الجحود والاسفاف، ومن مواقف وتجاوزات "النخب" الثقافية والسياسية المتعصبة والمدعية، في العراق وخارجه... مما اضطره لشدّ الرحال مغترباً عام 1961 إلى براغ هذه المرة، متوقفاً في بيروت ليشارك في مهرجان تكريم الشاعر الكبير بشارة الخوري ببائية فريدة لم يدع مناسبتها تفوت إلا وكشف بعض ما تعرض إليه في العراق الجمهوري "الجديد"، ومن بين ذلك اعتقاله "لأسباب سياسية وثقافية" وان ليوم واحد، برغم رئاسته لاتحاد الأدباء، وتزعمه لنقابة الصحفيين في البلاد، فقال مخاطباً المحتفى به:

أبشارة وبايما شكوى اهزك ياحبيبي...
هل صك سمعك انني ، من رافديّ بلا نصيب ِ
في كربة وأن الفتى الممراح ، فراج الكروب ِ
وزعت جسمي في الجسوم ، ومهجتي بين القلوب ِ

وفي براغ التي وصلها حديثاً، وفي احتفال أممي مهيب يلقي الجواهري قصيدة جديدة يبارك فيها نضالات طلبة وشبيبة العالم من أجل التحرر والديمقراطية... وثم ليشكو لهم ما أصابه من عقوق في بلاده، وكذلك بعض لواعج الغربة التي يعيش:

يا شباب الدنى وأنتم قضاتي ، في شكاة وأنتم شهودي
أنا في عزة ٍ هنا ، غير أني ، في فؤادي ينز جرح الشريد ِ
لي عتاب على بلادي شديد ، وعلى الأقربين جد شديد ِ
أوَ صقرٌ طريدة لغراب ، ونبيغ ضحية لبليد ...
يا لبغداد حين ينتصف التاريخ من كل ناكر وجحود ...
بخلتْ ان تفيء الظلّ منه ، وحنت فوق كل وغد ٍ وغيد ِ

... وإذ تطول الغربة، فتتراكم المعاناة من الجحود، يصدح الجواهري عام 1962 برائعته الشهيرة "دجلة الخير"، التي وثقت للبلاد مجتمعاً وتأريخاً وواقعاً، ومن بين ذلك ما يعني الشاعر العظيم، ويعاني منه:

جبْ أربعَ النقد واسأل عن ملامحها ،
فهل ترى من نبيغ ٍ غير مطعون ِ ...
عادى المعاجمَ وغدٌ يستهين بها ،
يحصي بها "ابجديات" ويعدوني
شُلتْ يداك وخاست ريشة غفلتْ
عن البلابل في رسم السعادين

وفي عام 1967، وحيث يعيش الشاعر العظيم هموم وشجون الاغتراب الاضطراري، يصدر احد "المفكرين"، البارزين من وجهة نظر البعض، والمشكوك في عروبته وأصله وصلاح أفكاره، من وجهة نظر آخرين، مذكرات عن تاريخه في العراق، أعاد فيها سموماً طائفية خبيثة كان قد تقيّح بها منذ نصف قرن، ذلك "المفكر" نفسه، ضد الجواهري، الذي تصدى مواجهاً المعنيين بكل عنفوان، فقال:

سهرت وطال شوقي للعراق ، وهل يدنو بعيدٌ باشتياق ِ ...
احبتي الذين بمن امني ، بلقياهم اهونُّ ما ألاقي ...
ابثكم شكاة اتقيها ، فتصرعني وتمسك من خناقي
اغمزاً في قناتي من عُداة ٍ ، تناهشني ، وصمتاً من رفاقي ...

ثم تثور القصيدة فينال ذلك المتجاوز، وربعه، ما يستحقون من أوصاف، مبرزة "بعض" الحقيقة لا كلها، وإذ نمتنع حالياً عن التصريح باسم المعني، نشير إلى أنه يعد أحد رموز الطائفية المقيتة التي جرى تأجيجها أوائل القرن الماضي، ومنذ بدايات الحكم الوطني في العراق تحديداً... وما أشبه الليلة بالبارحة:

ومنغول ٍ من التاتار" وغْد ٍ ، تراضع والوغادةُ من فواق ِ
إلى "يمن" إلى "حلب" تسمى ، إلى "مصر" إلى درب الزقاق ِ
وكل ضاق بالملصوق ذرعاً ، وأيٌ فيه مدعاة التصاق ؟
أوجه القرد ، أم خلق البغايا ، أم النعرات ، أم نذر ِ الشقاق؟
أم النسب المؤثل بالمخازي ، أم الحسب المسلسل في رباق ِ
ولما حمت الأقدار ألقت ، به جيف البطون إلى العراق ِ ...
ليجمع حوله سفلاً تلاقى ، كما التقت الخفاف على الطراق ِ ...
"زنامى" يعطفون على زنيم ، كما عطف الجناس على الطباق ...
وما برح العراق محك صبر ٍ ، يطاق بأرضه ، غير المطاق
كأن غرائب الدنيا تنادت ، على وعد لديه بالتلاقي

... وخلال عام 1972 يعود عدد من تجار الوطنية والثقافة ليغمز من قناة الجواهري، بأنه يفضل المغترب البراغي على بلاده، فيوسمهم الشاعر العظيم في جباههم، وبما هم أهل له:

تقول ما يشاء خبيثُ طبع ، بلوتُ طباعه حتى مللتُ
بأني حُوَّل ان اعوزتني ، على الملاّت اعذار ، احلتُ
معاذ الله ... والخلق المصفى ، وحرة طينة ٍ منها جُبلت
ولكني وجدت الودَّ سوقاً ، يراد بها تجاراً فاعتزلتُ
فمن خَتل ٍ رُميتُ وما خَتلت ، وعن جبن خُذلت ، فما خَذلت
خبرت الناس والأيام حتى يداي كليلتان بما نخلتُ ...

ويعود الشاعر الكبير عام 1975 مدافعاً عن الذات والمواقف ضد أحد المتطاولين، العرب هذه المرة، فيواجهه برائية قالت مقدمتها انها "نظمت، اثر تحرش بعض الكتاب المأجورين" ومما جاء فيها:

آليتُ ابرد حرّ جمري ، وأديلُ من امر بخمر ِ ...
اليت امضي بالعيون سواحراً ، نفثات سحري ...
وأصب في الأنفاس من خضر الربى نفحات عطري ...
آليت امتحن الرجولة ، يوم ملحمة وعُسر ِ ...
ومساومين على الحروف كأنها تنزيل ذكر ...
شتان أمركمُ وأمري ، أنا ذا أنوء بثقل وزري ...
شاخ الجواد ولم تزل تعتامه صبوات مهر ِ
طلق العنان فان كبا ، نفض العنان وراح يجري ...
سبحان من جمع النقائض فيّ من خير وشر ِ
عندي كفاف حمامة ٍ ... فإذا استثرت فجوع نمر ...

... وتسترسل القصيدة لتتحدث عن ذلك "المثقف" العربي، والذي يظهر اسمه تورية بين الأبيات التالية:

ومخنث ٍ لم يحتسب ، في ثيّب ٍ خيطت وبكر ِ
أقعى ... وقاد ضميره ، ملآن من رجس ٍ وعُهر ...
غال ٍ ، كأرخص ما تكون أجور غير ذوات طهر ِ
لم يُعل ِ قدري مدحه ، وبذمه لم يُدن ِ قدري ...
من ذا يخلص امة ً ، أُخذت على طوع ِ وقسر ِ
من نفسها ، من آمر ٍ فيها ، ومن خَدم ٍ لأمر
مثل الموالي شرفت نسباً إلى "مضر ٍ" و"فهر"
يتملكون رقابهم ، ملك الجزور ليوم نحر ِ

وإذ يحل عام 1977 يحـاول بعـض متنطعي السـياسة والأدب تجـاوز قـامـة الجواهـري الشامخة، وبأنـه لـم يعـد يخوض المعارك "الوطنية" ويتخذ السكوت موقفاً! فيلجمهم الشاعر الكبير:

قالوا سكت وأنت أفظعُ ملهب ٍ
وعي الجموع لزندها ، قداح ِ ...
فعلام أُبدل وكر نسر ٍ جامح ٍ
حرد ٍ بعش البلبل الصداح ...
فأجبتهم: أنا ذاك حيث تشابكت
هام الفوارس تحت غاب ِ جناحي
لكن وجدت سلاحهم في عطلة ٍ
فرميت في قعر الجحيم سلاحي

وفي عام 1980 يكتب نقيب الصحفيين السوريين صابر فلحوط "أبو عمر" رسالة في قصيدة، أو قصيدة في رسالة، موجهة للجواهري يسأله فيها أن يقول شيئاً في الأوضاع العربية السائدة، فجاءت ميمية شاملة، وفيها أبيات غاضبة، منها:

"أبا عمر ٍ " وكظم الغيظ غيظٌ
وحسٌ مرهف داء عقامُ
أقول وقد برمت بدار ذل ٍ
شريعتها تساوم او تسام
صميم الضيم ان تمسي وتضحي
وانت ترى ملاييناً تضام
وأفظعُ منه أن يُلوى فيعيا
بنجده صارخ حتى الكلامُ

ويتسلم الجواهري عام 1980 رسالة من صديقه، الشخصية السياسية والوطنية العراقية – الكردية البارزة جلال طالباني، حملت الكثير من العواطف والذكريات والتساؤلات، مع تمنيات بأن يعلو "غناء" الجواهري في نضالات الشعب... فرد الشاعر العظيم بقصيدة أطرتها الاخوانيات، ولكنها بينت حرصاً، وتحريضاً بالغ الشدة والقساوة، والتأكيد على أهمية الوحدة النضالية في مقارعة الارهاب السائد في البلاد آنذاك، وانتقاص الفرقة والاحتراب بين القوى الوطنية العراقية... ومما جاء فيها:

... من ذا اغني أأشتاتاً موزعة
على التمزق ِ والثارات والمحن ِ
أم صابرين على ضيم ٍ ومسكنة ٍ
صبر الحمار على مرأى من الأُتن
أم "الطلائع" مزعومين شفهم
وجدَ التجار بسوق الربح والغبن ِ ...
فلن أغني بأعراس مهلهلة ٍ
ولن انوح على موتى بلا ثمن ِ

ومن جديد "تعوي" ذئاب في العراق عام 1984 على الجواهري، وهو في غربته فيتصدى لهم في قصيدة عنونها إلى صديقه صلاح خالص، ومن أبياتها التي تتحدث عن بعض الهموم بصراحة، ودون حاجة لمزيد من الشروح:

... عوت الذئاب عليَّ ناهزة
فرصاً تثير الذئب مفترسا
ينهشن من لحمي وكل دم ٍ
فيه لخير الناس قد حبسا
من كل داج ٍ لا يحب سنى ً
للصبح يطمس ليله التعسا ...
"أصلاح" أنا رهن مجتمع ٍ
يخشى اللصوص فيذبح العسسا ...
يُزهى بفارسه اذا افترسا
وبضوء نجم ساطع طمسا

وفي عام 1985، وتحت عنوان "برئت من الزحوف" يكتب الجواهري مقطوعة جديدة وفيها الكثير الكثير من مكنونات العتاب والشجون، والانتقادات، لبلاده ومجتمعه، وجماهير محبيه بالذات، نستل منها الأبيات التالية:

وسائلة ٍ أأنت تسبُ جهرا ، ألست محج شبان ٍ وشيب ِ
ألست خليفة الأدب المصفى ، ألست منارة البلد ِ السليب ...
أقول لها ألا اكفيك عبئاً ، ألا انبيك بالعجب العجيب
لقد هجت اللواعج كامنات ٍ ، وقد نغرت بالجرح الرغيب
برئت من الزحوف مجعجعات ٍ ، تخلف سكتة الموت الرهيب
مباحٌ عندهنّ دمي لذئب ٍ ، ولا أسدٌ يبيح دماً لذيب ...
أينهضُ مقدمي ستين ألفاً ، ينط بها البعيد على الغريب ِ
تـُـلقـف ما أصوغ لها وقوفاً ، تصيخ إلى صدى الحرف ِ الذهيب
ويُعمل أن امسح عنه طفلٌ ، كما مسح المسيح على الصليب
وانبذ بالعراء بلا نصير ٍ ، نبيل أو اديب ٍ أو اريب؟

... وهكذا نصل إلى خاتمة هذه الخلاصات والمؤشرات التي نشرناها بعشر حلقات متتالية، وثقت لبعض لواعج ومواجهات الجواهري العظيم على مدى نيف ٍ وسبعة عقود من العطاء والشعر والمواقف الوطنية والخصومات السياسية، مستبقين ملاحظات متوقعة بضرورة تفاصيل هنا، وإيجاز هناك، وسواء في القصائد التي جرى التوقف عندها، أو غيرها، مثل "ديواني" "يانديمي" و"مرحباً أيها الأرق" وميمية "قلبي لكردستان" وبائية "عبدة الجبورية" وعينية "صاح قلها ولا تخف" دعوا عنكمُ الوجدانيات والاخوانيات، وما بينها من غزليات وعائليات وفي جميعها على ما نظن "لواعج" و"مواجهات" عديدة، وان تنوعت صورها وأغراضها... بل ثمة نواحي، وزوايا ومجالات أخرى عديدة كان ينبغي التوقف عندها والاشارة إليها، وفي مقدمتها لواعج ومواجهات الجواهري النثرية، ومن ابرزها بانوراما "على قارعة الطريق"، وافتتاحيات صحفه ومقدمات قصائده وغير ذلك من كتابات، وهو ما نطمح ان نتابعه في فترات لاحقة.
 

مع تحيات مركز الجواهري في براغ
www.jawahiri.com


¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (9)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (8)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (7)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (6)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (5)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (4)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (3)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (2)
¤  الجواهري: لواعج ومواجهات (1)



 

free web counter