د. رياض الأمير
الأربعاء 7/10/ 2009
حلم نجاد النووي وصواريخ سجيل لمن ؟د. رياض الأمير
بعد انتظار اكثر من عام من مماطلات النظام الإيراني ولعبه لعبة " القط والفار" مع المجتمع الدولي ومنظمة الطاقة الذرية جلس إلى طاولة المفاوضات مع مجموعة ( خمسة + واحد) في جنيف بعد إن فضح النظام بعد إخفاءه منشاة "قم"ولمدة ثلاثة سنوات وأكثر. إن الإعلان عن اكتشاف منشأة ثانية لتخصيب اليورانيوم أثار مزيدا من الشكوك حول برنامج إيران النووي في أن النظام يطور القدرة على إنتاج أسلحة نووية تحت غطاء برنامج سلمي للطاقة الذرية. ولحد هذه اللحظة لم تستطع طهران ٳثبات عكس ذلك وترفض تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم مثلما يطلب منها مجلس الأمن الدولي٬ بل زادت عدد أجهزة الطرد المركزي. وفي الوقت الذي أعلن فيه من طهران المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن ان الملف النووي الإيراني يمر بفترة حرجة ٬ كشف عن تقرير رسمي لدي الوكالة يحوي معلومات عن إمكانية النظام الإيراني من صنع قنبلة نوويه .
كشفت الأقمار الاصطناعية عن وجود منشأة جديدة في قم لتخصيب اليورانيوم ٬كانت تخفيها عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لغاية 21 أيلول عندما أعلمت الوكالة الدولية عن ذلك بعد أن علمت بان الغرب على وشك الكشف عنها .
يمثل إخفاء إيران المعلومات عن موقع "قم" انتهاكا إزاء معاهدة حظر الانتشار النووي وتشكل انتهاكا واضحا لالتزامات إيران الدولية ٬ مما دفع الكثير من المحللين إلى الاعتقاد باحتمال وجود مرافق سرية تحت الأرض لبرنامج تصنيع سلاح نووي.
بدء العمل في المنشأة الجديدة عام 2006 على عمق داخل جبل في موقع قاعدة صواريخ سابقة تابعة للحرس الثوري. يتسع الموقع لنحو 3000 جهاز للطرد المركزي، لتخصيب اليورانيوم، إما لمستوى تركيز منخفض يلائم وقود محطات الطاقة أو إلى مستوى عال لتصنيع قنبلة ذرية، ويتوقف هذا على كيفية معايرة المكونات. ويستطيع 3000 جهاز إنتاج مواد انشطارية لسلاح نووي واحد في العام إذا عملت بلا توقف وبأقصى طاقتها. والنظام الإيراني ٬ وحسب تصريحات مسئوليه يملك أكثر من 8000 جهاز مشابه. ويثير إخفاء إيران المعلومات عن الوكالة الدولية تساؤلات فيما إذا كان مخصصاً بالفعل لأغراض سلمية مثلما تؤكد إيران منذ الإعلان عنه أو أنشئ لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب لو بقي سريا٬ خاصة وانه يخضع لإجراءات أمنية تفوق الإجراءات المعتادة في محطة للطاقة النووية .
نقلت وكالة " رويترز" عن مصدر امني بريطاني قوله بان المسئولين بريطانيين لا يزالون مقتنعين بان إيران تسعى إلى صنع أسلحة نووية٬ بخلاف تقرير الاستخبارات القومية الأمريكية الذي نشر في كانون الثاني 2007 الذي أفاد بان إيران أوقفت برنامجها للتسليح النووي عام 2003. ويعتقد الكثير من المحللين بان تقييم المخابرات الفرنسية والألمانية لقضية التسلح الإيراني تبدو أقرب الى رؤية بريطانيا منها إلى أمريكا.وذكر المصدر البريطاني أن الكشف في الأسبوع الماضي عن محطة ثانية لتخصيب اليورانيوم في إيران دعم الشكوك الدولية بشأن تستّر إيراني لإخفاء خطط التسلح النووي كما لم تقدم إيران أي تنازلات بشأن المطالب بالسماح للأمم المتحدة بالتفتيش٬ حسب بنود البرتوكول الإضافي ٬ بلا قيد للتأكد من أن إيران لا تخفي أي مواقع نووية للإغراض العسكرية.
بعد فضح منشاة "قم" خرج اجتماع جنيف بعد محادثات استمرت سبع ساعات ونصف بين إيران والدول الست التي جددت طرح رزمة الحوافز التي كان سولانا نقلها إلى طهران في 14 حزيران 2008، وتؤكد حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، مع تعهد بتزويدها الوقود النووي الضروري لتشغيل مفاعلاتها النووية، شرط وقف التخصيب على الأراضي الإيرانية٬ أبدى النظام الإيراني موافقته السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة منشآت إيران النووية ٬ وعلى تسليم القسم الأكبر 80%من مخزونه المعلن من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 بالمائة إلى روسيا ليتم تخصيبه بنسبة 19.75 بالمائة إلى وقود نووي ، وهي نسبة لا تزال بعيدة عن النسبة المطلوبة للاستخدام العسكري. ولم يمضي يوم واحد على ذلك التعهد حتى أعلن في طهران بان النظام لم يوافق على إرسال تلك النسبة من مخزونه ولم يحدد أي نسبة سوف ترسل لطرف ثالث من اجل التخصيب . فهل النسبة التي وافق النظام الإيراني على تخصيبها لدي طرف ثالث ٬ كما نص عليه اتفاق جنيف لكسب الوقت من اجل إنتاج الكمية الكافية لصناعة سلاح نووي ٬ أو من اجل إضفاء الشرعية على ما لدي إيران من كمية كافية للحصول على السلاح النووي؟
إن موافقة إيران في اجتماعات جنيف دون اتخاذ خطوات ملموسة وعملية تتوافق مع واجباتها الدولية والتزامها ببنود معاهدة عدم انتشار السلاح النووي سوف لن تساهم في بناء الثقة الدولية في الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي٬ كما تمناه المدير العام للوكالة الدولية من طهران ٬ لكن يبقى الشك واردا لان طبيعة النظام وأهدافه لا يمكنها العيش دون إيجاد قاعدة واسعة من أدوات الترهيب ضد الدول المحيطة ٬ ومن ضمنها امتلاك السلاح النووي ووسائط نقله إلى مدى بعيد.
نعم إن من حق إيران وغيرها أن تملك ناصية استخدام الذرة وتقنيتها للأغراض السلمية٬ ولكن ذلك الحق في الوضع الدولي الحالي وما تشير إليه ممارسات النظام الإيراني من تدخل مفضوح في شئون الدول الأخرى الذي يثير المخاوف لدي شعوب المنطقة والمجتمع الدولي إلا أن يكون تحت إشراف دولي لضمان امن وسلامة شعوب الدول المعنية والسلم والأمن الدوليين. ومن اجل ذلك لا بد للنظام الإيراني أن يوقع على البرتوكول الإضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والالتزام ببنوده وفتح كل منشأته وقبول خضوعها لعمليات تفتيش مفاجئة وغير مشروطة وإعطاء مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية تصريحا غير مشروط لمقابلة الأفراد والإطلاع على الوثائق ذات الصلة ببرنامجه النووي٬ أولا وثانيا سماع رٲي الخبراء الإيرانيين وغيرهم من إن محطة بوشهر وغيرها من المنشات النووية التي أقيمت أو تلك التي لربما يخفيها النظام كما هو الحال مع منشاة "قم" خطرة من الناحية البيئية بما يمكن أن تسببه من كوارث لشعوب إيران وشعوب الدول العربية المحيطة.
ان المفاعل النووي في بوشهر من نوعWWER-440/213 السوفيتي الصنع وهو من نوع المفاعل الذي احدث مأساة تشرنوبيل في عام نيسان 1986 التي خلفت آلاف من الضحايا ولازال المئات من الأطفال الاوكراينين مرضى بالسرطان. وتجري في الوقت الحاضر في فيينا حملة لجمع التواقيع ضد مفاعل مشابه يجري تشيده في سلوفاكيا يبعد عن العاصمة النمساوية 160 كيلومترا. فهل يحق لإيران أن تجازف بحياة شعوب المنطقة من اجل حلم يعشه احمدي نجاد؟
لقد نشرت وكالة الأنباء الايطالية "آكي" تقريرا لها من طهران في 10 كانون الثاني/ يناير 2007 تحت عنوان "المخاطر الزلزالية العقبة في تحقيق حلم الرئيس الإيراني في برنامجه النووي ٬ " أثارت فيه الانتباه إلى الخطر المدقع الذي ينتظر منطقة بوشهر وإيران والدول المحيطة نتيجة استمرار احمدي نجاد في طموحه المحموم الحصول على السلاح النووي أو توسيع برنامجه في عملية تخصيب اليورانيوم .
ونشر كاتب هذا المقال في السادس من حزيران من هذا العام مقالا تحت عنوان "هل منطقة الخليج مستعدة لتشرنوبيل إيرانية ؟ جاء فيه:لسنين عديدة، وحتى قرون، اهتزت أجزاء كثيرة من إيران بفعل الزلازل والهزات الأرضية. ففي العام 2006 وحده سجلت عشرات الهزات الأرضية في إيران وبلغت قوة اثنان منها أكثر من 5 درجات حسب مقياس ريختر. وقبل ذلك في كانون أول من عام 2003 ضرب زلزال منطقة بام حيت سقط 31000 شخص ودمر القلعة الأثرية في المنطقة. أعلن النظام الإيراني في شهر شباط الماضي عن بدأ تجارب التشغيل في المنشأة النووية في بوشهر، المجهز بمفاعل من صنع روسي الذي يثير النقاش حول كفائتة ومستوى الأمن فيه منذ أربعة عقود، خاصة بعد حادث تشيرنوبل. تطل بوشهر على الخليج العربي وتقع في جنوب غرب إيران على واحدة من اشد الصدوع الزلزالية .والمدينة تقع فوق أطلال ميناء سيراف الذي دمره الزلزال في القرن الحادي عشر. وتعرضت هذه المدينة إلى زلازل عديدة خلال الحقب اللاحقة . صدرت تحذيرات كثيرة حول المنطقة المحيطة ببوشهر وخطورة تعرضها إلى زلازل ، منها دراسة مستقلة كانت ضد الموقع عندما طلبت إيران في سبعينات القرن الماضي من شركة سيمنس الألمانية بناء مفاعل نووي فيها. وقد حذرت دراسات أخرى من موقع بوشهر، ولكنها قوبلت بالتجاهل ولم يسمح لوسائل الأعلام إلقاء الضوء على المخاطر التي يمكن ان تتعرض لها المدينة والدول المجاورة . إن المواد المشعة الناتجة عن أي حادث نووي محتمل في بوشهر ، بغض النظر عن السبب ، سيكون مميتا لأنها ستنتشر في اتجاهات عديدة اعتمادا على الظروف الجوية ويمكن أن تغطي مساحات شاسعة من الأراضي وتجعلها غير صالحة للعيش قد تصل إلى 23000 كيلومتر مربع حول المفاعل فقط . ومن المؤكد أن مدينة بوشهر بسكانها (مليون شخص) والدول المجاورة المطلة على الخليج العربي والمحيطة بها ستكون أول الضحايا .
أثيرت قضية الأخطار المحتملة لمفاعل بوشهر على مر السنين. ولا تزال الكثير من الأسئلة معلقة لم يستطع النظام الإيراني الإجابة عليها او معالجتها رغم انها مسألة ملحة في الإجابة عليها ومعرفة الإمكانية التقنية في التعامل معها.
في جميع مراحل العملية النووية وتخصيب اليورانيوم في البرنامج النووي الإيراني لم تعالج مسائل التخلص من النفايات النووية في بوشهر لحد الآن٬ المنطقة التي تقع على الصدوع الزلزالية . وفي حالة دفنها في منطقتها وحدوث زلزال (حدث في اليابان مثل الحالة هذه) ٬ لا سمح الله يمكن أن يكون كارثة بيئية للمنطقة ولإيران والدول المجاورة . قضبان الوقود النووي المستنفد التي لا يمكن الاحتفاظ بها مع خصائصها المدمرة والسامة لمئات الآلاف من السنين دون إيجاد طرق تقنية عالية لضمان حفظها. ومن المعروف هناك ثلاث وسائل للتخلص من ذلك التي غالبا ما يجري مناقشتها وهي : دفن النفايات ، مثل غرقها في مياه المحيطات ، أو تدمير حاضناتها في الفضاء وأخيرا في أماكن عميقة تحت الأرض ذات خصائص عالية الكفاءة. فهل لدي إيران الإمكانية التقنية لتنفيذ واحدة منها؟
في حلقة نقاشية في التلفزيون الفرنسي ساهمت فيها الأسبوع الماضي وكان من ضمن الضيوف السيد هلكوت حكيم٬ إيراني ٬ أستاذ في معهد اللغات و الحضارات الشرقية في باريس وفي إحدى مداخلاته قال ما معناه :" من الغباء أن يعتقد العرب من أن القوة العسكرية الإيرانية وكذلك حصولها على السلاح النووي في مصلحتهم ومصلحة المسلمين عامة ٬ إنها لمصلحة النظام نفسه" ٬ وأضاف :" من الناحية التاريخية ليس هناك عداء بين إسرائيل وإيران ولا يمكن أن يدخل النظام الحالي حربا ضد إسرائيل اذا حصل على السلاح النووي أو لم يحصل عليه". وأشار إلى إن النظام الإيراني مستعدا لمقايضة حزب الله والأطراف المرتهنة به في العراق من اجل أن يعطى له المجال لانجاز مشروعه النووي للإغراض العسكرية.
لقد قدم النظام الإيراني في الأيام الماضية نموذجا حيا إلى ما يمكن إن تفعله الأنظمة الشمولية التي تبتعد كثيرا عن مصالح شعوبها وتدفعها لمواجهة مصير بائس وأيام عصيبة.وذهب بعيدا في استفزازه المجتمع الدولي والدول المجاورة فإيران تعتمد تارة إلى المهادنة وأخرى إلى الترهيب٬ باستعراض قوتها الصاروخية مع مناورات سياسية وعملية ٬ كما أكده الجنرال حسين سلامي قائد سلاح الجو الإيراني ، وفقا لما ذكرته وكالة الأنباء الإيرانية "ايرنا" عزم النظام تطوير وتحسين قدراته الصاروخية الباليستية. وأضاف بان إيران تعتزم تصنيع نسخة محدثة من صاروخها المسمى "سجيل" القادر على بلوغ إسرائيل، من غير إعطاء مزيد من التفاصيل، وقال سلامي بإن "سجيل" بوضعه الحالي، يتمتع بقوة تدمير ودقة كافية، معتبرا إياه واحدا من أكثر الأنظمة الباليستية تطورا وأنه أفضل سلاح تملكه القوات المسلحة الإيرانية، على حد تعبيره. وكانت إيران قد نفذت خلال مناوراتها العسكرية الأخيرة التي شملت تجربة صواريخ باليستية من ضمنها صاروخ "شهاب-3" الذي يبلغ مداه نحو 1800 كيلومتر و"سجيل" المتكون من طابقين ومحرك ويبلغ مداه نحو 2000 كيلومتر. وتم تزويد صواريخ شهاب ثلاثة للمرة الأولى برؤوس عدة . إن ذلك إجراء استفزازي دفع منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا للإعراب عن قلقه من التجارب الصاروخية الإيرانية، وكذلك فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها التي اعتبرت ما يقوم به النظام الإيراني تهديد للاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط وكذلك يدفع دولها إلى عملية سباق تسلح واسع٬ لربما سيكون في مقدمته السلاح النووي لخوفها من توجهات النظام الإيراني وأهدافه اتجاهها ،خاصة ما يقوم به من تدخل واسع في اغلب الدول المجاورة له ابتدءا من العراق ومرورا بلبنان، فلسطين ، مصر ، اليمن وصولا إلى المغرب العربي.
تجارب نظام الملالي في طهران الصاروخية الأخيرة مرتبطة بشكل أساس ببرنامجه واندفاعه المحموم الحصول على السلاح النووي٬ ليس دفاعا عن المسلمين ولا تحرير فلسطين٬ كما يعتقد ويتمنى البعض ٬وإنما من اجل استمراره متسلطا على رقاب الشعوب في إيران واستعباد دول المنطقة وفرض شريعة ولاية الفقيه كنظام ديني وسياسي عليها .